الإرهابيون ومروجو المخدرات: وسائل متعددة ونهاية واحدة

  • الأمم المتحدة: إنتاج المخدرات ارتفع 10% تحت حكم طالبان.
  • علاقة منفعة متبادلة بين الجماعات الجهادية وشبكات المافيا.
  • فروع الجماعات الجهادية تحاول تعويض خسائرها المالية عن طريق العلاقات مع عصابات التهريب.
  • بعض الجماعات الجهادية أنشئت روابط لها مع كارتلات المخدرات بأمريكا الجنوبية.

عبر مراسلات، تمت في أكتوبر/ تشرين الأول 2006، وجه مسؤولي جيش الإسلام الفلسطيني سؤالًا لنظرائهم في تنظيم القاعدة بخراسان، حول مشروعية الحصول على المخدرات وأموالها، واستخدمها في العمليات الإرهابية وتمويل أنشطة الحركة الأولى، بالإضافة لحكم استهداف تجار المخدرات.

وفي حينها، أفتى عطية الله الليبي (جمال المصراتي)، أحد مسؤولي العمليات الخارجية بتنظيم القاعدة بجواز استخدام أموال المخدرات في عمليات الجماعات الجهادية، لأن هذه الأموال اكتسبت من حرام وبالتالي وجب صرفها في أمور الجهاد، مضيفًا أنه من الأفضل ألا يتم استهداف تجار المخدرات حتى لا يكون ذلك ذريعة لمفسدة تقع على الجماعات الجهادية، كأن تفتح على نفسها باب حرب لا تقدر عليها وبالتالي تتكاثر عليها المشكلات، على حد قوله.

السر القذر لـ "الجماعات الجهادية": ما علاقتها بعصابات المخدرات؟

عطية الليبي يُفتي بجواز استخدام أموال المخدرات في عمليات الجماعات الجهادية: المصدر وثائق آبوت آباد- موقع سي أي إيه

ورغم أن “الليبي” أرسل رده لـ”جيش الإسلام” موقعًا باسمه، إلا أنه طلب منهم “الستر والكتمان”، خوفًا من حصول تشويه لصورة الجهاديين أو تنفير منهم، كما يعلل الأمر في رسالته.

لم تكن فتوى مسؤول العمليات الخارجية بالقاعدة، سوى تعبير عن واحدة من القناعات المحددة لسلوك تنظيم القاعدة، والمجموعات الخارجية الموالية له، والتي تُوظف المخدرات كسلاح ووسيلة لكسب التمويل والنفوذ، تمامًا كما تفعل عصابات الجريمة المنظمة العاملة في الإتجار غير المشروع في المواد المخدرة عبر الحدود الوطنية.

فمنذ نشأة الجماعات الجهادية بنسختيها القُطرية/ المحلية، أو المعولمة (العابرة للحدود)، حرص قادة تلك التنظيمات على نسج العلاقات مع “أباطرة الجريمة المنظمة” و”بارونات المخدرات”، للاستفادة من خبراتهم العملياتية لا سيما في مجالات التهريب وإنشاء الشبكات التنظيمية وطرق تلافي الرصد والملاحقة، وغيرها من الخبرات التي وظفها الإرهابيون في صراعهم الممتد مع الحكومات والأنظمة في مختلف المناطق، كما يذكر التقرير السنوي الصادر عن مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان بشأن حماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية في سياق مكافحة الإرهاب، أواخر ديسمبر/ كانون الأول 2014.

السر القذر لـ "الجماعات الجهادية": ما علاقتها بعصابات المخدرات؟

الإرهاب والمخدرات يغذيان بعضهما البعض – المصدر: تقرير مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ديسمبر 2014

تحالف الضرورة

ورغم وجود اختلاف جزئي بين الجماعات الجهادية وعصابات الجريمة المنظمة، إلا أن مساراتهما تقاطعت، بشكل لافت، كما تشابهت الوسائل والتكتيكات التي يستخدمونها، وفي كثير من الأحيان، تطابقت النهايات الأليمة للجهاديين والمجرمين على حد سواء.

وبنظرة تحليلية لسياق وتفاعلات الحركات والجماعات الجهادية مع عصابات المخدرات، يمكن القول إن العلاقة الناشئة بين الطرفين هي عبارة عن نوع من “تحالف الضرورة” الذي أملته الظروف التي يمر بها طرفي التحالف عليهما، لكن المثير للجدل في هذا التحالف هو التبريرات التي ساقها الجهاديون لتلك العلاقة، ونسجهم لـ”الفتاوى” التي تُبيح استخدام أموال المخدرات في العمليات الإرهابية، أو حتى إباحة بيعها لمن تصفهم تلك التنظيمات بـ”الكفار”، بناءً على قاعدة “الضرورة أو الضرر”، حسب وصف أبو إدريس اليمني، عضو اللجنة الشرعية في منبر التوحيد والجهاد، في فتوى سابقة له.

ونتيجة العلاقات الوثيقة بين الجهاديين والمجرمين وبخاصة العاملين في تجارة المخدرات، استحدثت الولايات المتحدة الأمريكية “مركز عمليات مكافحة الإرهاب المرتبط بالمخدرات” التابع لإدارة مكافحة المخدرات “دي. إي. أيه”، كذراع أمني واستخباري لمواجهة شبكات المخدرات المرتبطة بالإرهاب والجهادية العالمية، وذلك بالتوازي مع إطلاق الحملة الدولية لمكافحة الإرهاب، في أعقاب هجمات الـ11 من سبتمبر/ أيلول 2001.

وبالتزامن مع تلك الحملة، كثفت أجهزة الاستخبارات ووكالات إنفاذ القانون (وفي القلب منها الأجهزة المعنية بمكافحة الإرهاب المرتبط بالمخدرات)، جهودهما لتعقب الشبكات الإجرامية والإرهابية، وتقويض البنى التحتية لتهريب المخدرات وخصوصًا التي تُعد جزء من سلسلة التوريد العالمية للمواد المخدرة.

ودللت الهجمات التي شنتها التنظيمات الإرهابية، خلال العقدين الماضيين، على خطورة العلاقات البينية بين شبكات الجريمة المنظمة والخلايا الإرهابية، فعلى سبيل المثال، استفادت الجماعات الجهادية من علاقة بعض أفرادها بالشبكات الإجرامية في توفير التمويل والمتفجرات اللازمة للعديد من الهجمات منها، هجمات مدريد (مارس/ آذار 2004)، إذ قدم تجار المخدرات دعمًا لوجيستيًا للمجموعة التي نفذت الهجوم، ووفروا لهم السيولة النقدية والأسلحة والمتفجرات- التي جرى دفع جزء من ثمنها باستخدام “الحشيش المخدر”- كم وفروا مخابئ آمنة للإرهابين بعد تنفيذ الهجمات.

كما سعى تجار مخدرات كولمبيون منهم “ديفيد كاردونا” الذي قُبض عليه في كرواتيا عام 2019، لإمداد الجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة كجماعة “أنصار الدين” بقيادة إياد أغ غالي، بأسلحة وصواريخ أرض- جو، وذلك كجزء من عمليات التبادل غير المشروعة التي تتم بين الطرفين.

و ساهمت التطورات والتحورات التي مرت بالحالة الجهادية، في غضون سنوات الحرب على الإرهاب، في إزالة جزء كبير من الحدود الفاصلة بين الجهاديين ونظرائهم من المجرمين التقليديين، ودفعت التنظيمات الإرهابية لتوثيق التعاون مع عصابات الجريمة المنظمة، وممارسة عملية التجنيد والاستقطاب في أوساط “الجنائيين” وخصوصًا داخل السجون والمؤسسات العقابية، للاستفادة من مميزاتهم الحركية النسبية كالقدرة على التملص من أجهزة الأمن ومواجهتها، وإتقان مهارات إجرامية تفيد في ممارسة العمل الإرهابي.

بارونات المخدرات.. كقادة جهاديين

وفي هذا الإطار، عمل تنظيم داعش على تجنيد رجال “العصابات”، وبارونات المخدرات المخضرمين في صفوفه، واستفاد من شبكاتهم الإجرامية في عمليات نقل عناصره وأنصاره (وبخاصة المتواجدين في القارة الأوروبية، وبعض الدول ذات الضبط الأمني العالي) إلى داخل معاقل سيطرته، كما حدث مع “أبي مجاهد الفرنسي” مكرم أبروقي” (فرنسي الجنسية، من أصول تونسية) الذي كان أحد الرموز الإجرامية في أحياء العاصمة باريس، قبل أن يتحول لجهادي وينضم إلى داعش، عقب إعلان الخلافة المكانية (أواخر يونيو/ حزيران 2014)، بحسب العدد 89 من أسبوعية النبأ الصادرة عن ديوان الإعلام المركزي بالتنظيم.

السر القذر لـ "الجماعات الجهادية": ما علاقتها بعصابات المخدرات؟

داعش جند أحد زعماء العصابات واستفادة من خبرته الإجرامية في العمل الجهادي- المصدر أسبوعية النبأ العدد 89

على أن “الفرنسي” لم يكن حالة استثنائية داخل داعش، وذلك بالنظر إلى أعداد المجرمين المرتفعة نسبيًا، ممن انضموا إلى التنظيم، وإلى غيره من الجماعات الجهادية الأخرى.

ووظف المجندين الجُدد في صفوف داعش من ذوي الخبرة الإجرامية السابقة، قدراتهم في توفير الأموال اللازمة لتمويل عمليات التهريب، وتوفير الأوراق الثبوتية وجوازات السفر المزورة اللازمة لانتقال “المهاجرين” إلى داعش، بالإضافة لشراء معدات إلكترونية وأجهزة كمبيوتر متطورة، ونقلها إلى معاقل التنظيم، لتوظفها في أعماله.

كما استغلت الجماعات الجهادية (وفي مقدمتها داعش) علاقتها بشبكات المافيا العابرة للحدود الوطنية داخل أوروبا، في عمليات الدعم اللوجيستي، وبيع وشراء الأسلحة التي كانت تُشحن بشكل غير شرعي، من دول الاتحاد اليوغوسلافي السابق (شرق أوروبا)، وبعض الدول الإفريقية إلى موانئ مدينة نابولي الإيطالية (جنوب البلاد، على ساحل البحر الأبيض المتوسط)، برعاية مافيا كامورا (تعني الحماية) النابولية، ومافيا كوزا نوسترا الصقلية، بالإضافة لمافيا ندرانغيتا (التي كانتن سابقًا، فرعًا من كوزا نوسترا).

وسبق للولايات المتحدة الأمريكية أن حذرت من العلاقات الموجودة بين عصابات المافيا الإيطالية العاملة في تجارة المخدرات، وبين التنظيمات الإرهابية في كولومبيا، وشرق آسيا، بحسب ما تُظهر مراسلات سرية، نشرها موقع ويكيلكس، للقنصل الأمريكي العام (سابقًا)، في نابولي الإيطالية “باتريك ترون“.

بيد أن السلطات الأمنية في إيطاليا اهتمت ، بشكل متزايد، بالعلاقات بين عصابات المافيا، والجهاديين، منذ هجمات شارلي إبدو (يناير/ كانون الثاني 2015)، ولاحظت، خلال عملها على هذه الشبكات الخارجة عن القانون، وجود “نقاط اتصال” بين الطرفين، وتحول رجال المافيا إلى ” وكلاء سفر للإرهاب”، بجانب دورهم البارز في إمداد تلك التنظيمات بالأسلحة النارية، التي جرى ضبط العديد منها في مداهمات شنتها الشرطة الإيطالية المعنية بالإرهاب والمخدرات.

وبرز ت تلك العلاقات، بصورة أكبر، عقب هجمات باريس الإرهابية (نوفمبر/ تشرين الثاني 2015)، إذ أشارت التحقيقات الأوروبية إلى الدور (المحتمل) لعصابات المافيا الأوروبية في توفير الدعم اللوجيستي لصلاح عبد السلام، أحد قادة المجموعة الإرهابية التي نفذت الهجوم، كما جرى القبض على مشتبه به شخص يدعىعزيز إحسان” (عراقي الجنسية) في مدينة نابولي، والذي تتهمه الاستخبارات الفرنسية والبلجيكية بلعب دور “قناة الاتصال” بين المجرمين والإرهابيين، وهو نفس الاتهام الذي وُجه للعديد من المجرمين النشطين.

 وفي داخل الولايات المتحدة الأمريكية، حاول فيلق القدس، ذراع العمليات الخارجية لحرس الثورة الإيراني، اغتيال السفير السعودي في واشنطن، ووزير الخارجية (سابقًا) “عادل الجبير”، عن طريق استئجار قتلة مأجورين من عصابة “لوس زيتاس” المكسيكية لتجارة المخدرات مقابل 1,5 مليون دولار، بيد أن المؤامرة الإرهابية جرى اكتشافها من قبل إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية، والتي، لازالت تُدير شبكة مصادر واسعة تمدها بمعلومات عن الإرهاب المرتبط بالمخدرات والتكتيكات الإرهابية التي تستخدمها تنظيمات وجماعات كحزب الله اللبناني، وتنظيمي القاعدة، وداعش، وكذلك القوات المسلحة الثورية لكولومبيا “فارك”، و “جيش التحرير الوطني الكولومبي (ELN).

ومن الواضح أنه جرى تسخير رجال العصابات ومروجي المخدرات (التائبين) الذين انضموا للتنظيمات الجهادية، في إدارة العمليات الخارجية، فضلًا عن استثمار خبراتهم السابقة في توفير مصادر تمويل إضافية للتنظيمات الجهادية مع نضوب مواردها (نسبيًا)، بعد الهزائم التي تلقتها في العراق وسوريا، وإفريقيا وغيرها، كما كُلف بعضهم بتنفيذ هجمات داخل الدول التي يقيمون بها، كحالة عدد من منفذي هجوم برشلونة (أغسطس/ آب 2017) والذين حازوا سجلًا إجراميًا حافلًا بجرائم المخدرات، وجُند بعضهم أثناء قضائهم فترة العقوبة الجنائية في قضايا المخدرات بإسبانيا.

صعود الجهادية المرتبطة بالمخدرات

على أن استقطاب رجال العصابات والمخدرات، ساهم في تعزيز نزعة قديمة- جديدة لدى الجماعات الجهادية بخصوص المخدرات، ودفعها نحو مزيد من الانخراط في “التجارة الحرام”، والاستفادة من عوائدها المالية في الأنشطة الروتينية للجهاديين، بجانب استخدامها في تمويل العمليات الإرهابية التقليدية والنوعية، مع إغفال وتنحية النصوص والفتاوى الشرعية حول عدم مشروعية تلك التجارة.

ويبدو أن الجهاديين من ذوي الخلفيات الإجرامية، حاكوا تجربة “الحاج رضوان ” (عماد مغنية)، رئيس فرع الأمن الخارجي بحزب الله اللبناني، الذي يُنسب له تأسيس وتطوير شبكة الحزب الإجرامية العاملة في تجارة المخدرات عبر القارات، وتوثيق الصلة بكارتلات المخدرات في كولومبيا وغيرها من الدول، وذلك بالتعاون والتنسيق مع الحرس الثوري وغيره من المؤسسات الإيرانية.

السر القذر لـ "الجماعات الجهادية": ما علاقتها بعصابات المخدرات؟

دور رئيسي لعماد مغنية في تأسيس وتطوير شبكة مخدرات حزب الله في أمريكا الجنوبية

وربما كان صعود الجهادية المرتبطة بالمخدرات، أثر جانبيا، ونتيجة طبيعية، في نفس الوقت، للضغط الذي تعرضت له الجماعات الجهادية، ضمن حملة مكافحة الإرهاب العالمية، والتي جرى خلالها التركيز على تجفيف المنابع المالية لها، فبدافع هذا الضغط وما خلقه من يأس في نفوس الجهاديين جرى الاتجاه نحو تعظيم الاستفادة من المواد المخدرة، سواء عن طريق عمليات الإتجار فيها- كما فعل تنظيم داعش عندما حُوصرت معاقله وأصبح عاجزًا عن الإتجار في النفط والمعادن التي وفتر له تمويلًا سخيا خلال السنوات الأولى من عمر خلافته المكانية- أو الانخراط في علاقة براجماتية مع عصابات تهريب المخدرات، مثلما فعل تنظيم القاعدة، وخاصةً في المغرب الإسلامي، وغيره من المجموعات مرتبطة بداعش في إفريقيا.

وعلى نفس المنوال، حاول تنظيم “ولاية سيناء“، فرع داعش المحلي في سيناء المصرية، تعويض خسائره المالية عن طريق نسج العلاقات مع عصابات التهريب العاملة في منطقة نشاطه، وإجراء اتفاقات معها يتوقف بموجبها عن استهداف المهربين، مقابل مساعدته في الحصول على الأموال والسلاح، لكن هذا التحالف تعرض لضربات قوية خلال عمليات مكافحة الإرهاب المستمرة، منذ سنوات في شبه الجزيرة.

ومن الجدير بالذكر أن بعض الجماعات الجهادية النشطة في القارة الإفريقية وخارجها، أنشئت روابط لها مع كارتلات المخدرات في أمريكا الجنوبية، وتولت مجموعات كـ“أنصار الدين” في مالي تأمين طرق مهربي المخدرات، مقابل ضرائب/ رسوم حماية وتأمين، تُجمع من المهربين العاملين على امتداد منطقة الساحل والصحراء الإفريقية الكبرى، وكذلك فعل تنظيم القاعدة في المغرب الذي يجني آلاف الدولارات من عمليات نقل المخدرات من أمريكا الجنوبية إلى أوروبا (التي تُعد سوقًا رئيسيًا للمخدرات، حسب تقرير مشترك صادر عن المركز الأوروبي لرصد المخدرات والإرهاب والشرطة الأوروبية “اليورو بول” ) عبر شمال إفريقيا.

السر القذر لـ "الجماعات الجهادية": ما علاقتها بعصابات المخدرات؟

جماعة أنصار الدين تجمع رسوم حماية وتأمين من المهربين في إفريقيا

إلى ذلك، منح سقوط أفغانستان في قبضة حركة طالبان، دفعة كبيرة للإرهاب المرتبط بالمخدرات، ففي الوقت الذي احتفت الجماعات الجهادية بانتصارات الحركة الأفغانية، وزادت من نشاطها على الأرض وفي الواقع الافتراضي، كثف منتجي المواد المخدرة (والذين يعملون في الغالب تحت أعين وبرعاية حركة طالبان) من نشاطهم.

ووفقًا للدكتور حاتم علي، الممثل الإقليمي لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة لمنطقة مجلس التعاون الخليجي، فإن أفغانستان تشهد قفزة كبيرة على صعيد زراعة النباتات الأفيونية، إذ تم زراعة 6 آلاف طن من جوهر الأفيون في البلاد خلال الفترة الأخيرة.

السر القذر لـ "الجماعات الجهادية": ما علاقتها بعصابات المخدرات؟

الممثل الإقليمي لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة لمنطقة مجلس التعاون الخليجي، الدكتور حاتم علي

وأضاف حاتم علي في تصريح لأخبار الآن أن التجارة في المخدرات في عام 2021 زادت بنسبة 10 في المائة، والتدهور السياسي والأمني أدى إلى زيادة القدرة الإنتاجية للمخدرات في أفغانستان.

ووفقًا لبيانات صادرة عن منظمات أممية، فإن ما نسبته 80% من الأفيون والهيروين المبيع حول العالم، مصدره أفغانستان.

وطيلة 20 عامًا، لم تتوقف طالبان عن زراعة وإنتاج الأفيون، وفرض ضرائب على مناطق كانت واقعة تحت سيطرتها، على الرغم من إنفاق الولايات المتحدة 8 مليارات دولار لحرمان طالبان من أرباحها من هذه التجارة.

السر القذر لـ "الجماعات الجهادية": ما علاقتها بعصابات المخدرات؟

التعاون بين حركة طالبان وأباطرة المخدرات- المصدر: تقرير فريق الدعم التحليلي بمجلس الأمن الدولي 2015

وعُدّ ارتفاع محصول المواد الأفيونية “مكافأة إضافية” لأباطرة المخدرات في أفغانستان، والذين نشأ بينهم وبين حركة طالبان، تحالف ضمني، اعتمدت عليه الحركة، منذ تسعينات القرن الماضي، لزيادة مواردها المالية، تحت إشراف اتحادات المخدرات الأفغانية- بنص تقرير فريق الدعم التحليلي بالأمم المتحدة– التي ترأسها 3 قادة بارزين بطالبان، هم: (حاجي بشار نورزاي، وحاجي بيرغيت، وحفيظ االله خان) وهم ينحدرون من قبيلة “نورزاي” القوية في قندهار التي شهدت ولادة الحركة الأفغانية، كما أنشأ مولوي محمد عبد الكبير ، رئيس المجلس الأعلى في إمارة أفغانستان الإسلامية (سابقًا)، علاقات وثيقة مع حاجي باغشو، الذي كان أحد أهم تجار المخدرات في أفغانستان، وكذلك أحد أبرز ممولي طالبان، قبل أن يحكم عليه بالسجن مدى الحياة في الولايات المتحدة، بتهمة التآمر لتوزيع الهيروين.

ومن اللافت للأنظار أن حاجي بشار نورزاي، كان، قبل القبض عليه في الولايات المتحدة عام 2001، أحد أهم مستشاري زعيم “طالبان” المؤسس الملا محمد عمر، كما شغل مكانة هامة في عمليات تهريب المواد المخدرة، على مستوى العالم، حتى لُقب بـ”بابلو إسكوبار الأفغاني”، تشبيه له بكارتل المخدرات الكولومبي الشهير “بابلو إميليو إسكوبار” الملقب بـ”ملك الكوكايين“، كما يقول الملا عبد السلام ضعيف، وزير، وسفير طالبان (سابقًا) في كتابه “حياتي مع طالبان”.

السر القذر لـ "الجماعات الجهادية": ما علاقتها بعصابات المخدرات؟

عبد السلام ضعيف يكشف دور حاجي بشار في دعم حركة طالبان- المصدر كتاب حياتي مع طالبان

وفرضت الحركة الأفغانية ضرائب خاصة تُعرف بضرائب الأرض، على زارعي الأفيون وزهرة الخشخاش، وأنشأت أيضًا مختبرات لصنع الهيروين والمواد المخدرة الأخرى، بعضها ضمن منشأت التدريب العسكري الخاصة بها، كما يؤكد تقرير فريق الدعم التحليلي.

ومع أن “طالبان” تربعت، بلا منازع، على عرش إنتاج المواد الأفيونية على مستوى العالم، إلا أن منافسًا جهاديًا آخرًا هو تنظيم ولاية خراسان (فرع داعش المحلي في أفغانستان)، بدأ ينازعها السيطرة على تجارة المخدرات لتمويل العمليات الإرهابية، لتتمدد الحرب الدائرة بين الطرفين من ساحة الصراع على قيادة الجهادية في البلاد، إلى ساحة الاقتتال حول عوائد الإتجار غير المشروع في المواد المخدرة.

صراع محتوم بالفشل

وبالتوازي مع صراع الحركات والجماعات الجهادية على التمويل والنفوذ، يستمر الصراع الأصلي بين تلك التنظيمات وحلفائهم من عصابات المخدرات والجريمة المنظمة، وبين أجهزة الأمن ووكالات إنفاذ القانون في العديد من الدول.

وفي حين، نجح “تحالف الشر” بين العصابات الإجرامية والجماعات الجهادية في مأسسة أنشطة غير مشروعة (كتجارة المخدرات والأنشطة الأخرى) وتوفير استدامة لها، للتكسب من وراءها وتوظيف عوائدها في خدمة أغراضها، بقيت نهايات ومصائر الأفراد المنخرطين في هذا التحالف متشابهة إلى حد كبير.

وتشير الخبرة السابقة في التعامل مع أفراد وقادة العصابات أو التنظيمات، أن كل فريق منهما، يجد نفسه، بعد سنوات طويلة من العمل الإجرامي أو الإرهابي، أمام طرق مقطوعة، وسط حملة ملاحقة أمنية واستخبارية مستمرة، وعندها يكتشفون أنهم محصورون أمام خيارات محدودة هي الموت/ القتل خلال هذه الأعمال، أو الهرب والاختباء لفترة من الوقت، وفي بعض الحالات الاستسلام ومحاولة عقد صفقات مع الحكومات لضمان تخفيف العقوبات التي ستُوقع عليهم.

ويُسلط القبض على كارتل المخدرات الكولومبي ذائع الصيت “دايرو أنطونيو أوسوغا” الشهير باسم “أوتونيل”، وخليفة “إسكوبار “، أواخر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، الضوء على النهاية الحتمية لكبار قادة العصابات، والتي تكاد تتطابق مع نهايات أمراء “الجماعات الجهادية”، فبينما سقط خليفة ” بابلو إسكوبار” الكولومبي بعد رحلة مطاردة استمرت لسنوات، سقط نظيره حاجي بشار نورزاي الشهير بـ”بابلو إسكوبار” الأفغاني، بعد فترة طويلة من التجارة العابرة للحدود في المواد المخدرة.

وكما فضل ملك الكوكائين الكولومبي “بابلو إسكوبار“، الموت على الاعتقال– وفق بعض الروايات- آثر خليفة الجهاديين أبو بكر البغدادي” تفجير حزامه الناسف، والموت هربًا من الأسر، مدللًا بذلك على أن التشابه بين رموز الجريمة المنظمة، وقادة الجماعات الجهادية لا يقتصر على الوسائل والأهداف بل يتعدهما إلى النهايات المتشابهة، في أحيان كثيرة.

الخلاصة:

  • الجماعات الجهادية تتشابه مع عصابات الجريمة المنظمة (ولا سيما العاملة في الإتجار غير المشروع في المخدرات)، في الوسائل وتكتيكات العمل، وأحيانا في الغايات والنهايات.
  • الجماعات الجهادية نسجت علاقات مع العديد من أباطرة الجريمة وكارتلات المخدرات، ووظف الطرفان “تحالفهما” لمواجهة الأجهزة الأمنية والاستخبارية.
  • الجهاديون استفادوا من تجار المخدرات، واستقطبوا العديد منهم لصفوفهم ووظفوهم في العمليات الخارجية في قلب أوروبا وفي غيرها من القارات.
  • استحدثت دول مختلفة إدارات متخصصة لمكافحة الإرهاب المرتبط بالمخدرات، وساهمت تلك الإدارات في إحباط مؤامرات إرهابية عابرة للحدود الوطنية.
  • ركز داعش بشكل خاص على استقطاب ذوي الخلفيات الإجرامية للاستفادة منهم.. كما عمل على كسب التمويل اللازم عن طريق تهريب المواد المخدرة في بعض الدول.
  • فتح سقوط أفغانستان بقبضة حركة طالبان، الباب على مصرعيه أمام استمرار “تحالف الشر” بين الإرهابيين والمجرمين.
  • بعد الاستمرار في الصراع مع أجهزة الأمن لسنوات، يدرك الإرهابيون وتجار المخدرات، كلًا على حدة، عدم جدوى المواجهة ويضطرون في بعض الأحيان لعقد صفقات مع الحكومات للخروج من مستنقع الإجرام.