سوريا تستنسخ تجربة “الأخ الأكبر” الكورية في الشرق الأوسط

تدخل سوريا العام الواحد والعشرين من حكم بشار الأسد بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة، التي وُصفت بالصورية، في مشهد يستنسخ تجربة كوريا الشمالية في حكم الزعيم الواحد للأبد بأنظمة “جمهورية رئاسية”، إعجاب عائلة الأسد بالتجربة الكورية الشمالية بأدق تفاصيلها بدأت منذ زيارة حافظ الأسد إلى عاصمتها، بيونغ يانغ عام 1974.

لم يكتفِ النظام السوري بنقل نموذج كوريا الشمالية في الحكم إنما أصبحت الأخيرة إحدى ملاذاته الآمنة للهروب من العقوبات الأميركية، من ناحية مدّه بالسلاح والدعم اللوجستي العسكري وإعادة الإعمار، بالمقابل باتت دمشق مصدراً للأموال المدفوعة بالعملة الصعبة لبيونع يانغ.

من الشائع دولياً أن تتعاون الدول المعزولة اقتصادياً فيما بينها، وهذا ما يحدث مع كوريا الشمالية وسوريا وكوريا الشمالية وكوبا وكوريا الشمالية وفنزويلا، فالشراكة الاقتصادية بين دمشق وبيونغ يانغ تنمو لعدة أسباب، من بينها معارضة النظامين لسياسة العقوبات الأميركية، تُعارض كوريا الشمالية العقوبات التي فُرضت عليها من قبل أطراف عدة لأكثر من 15 عاماً، أما دمشق فتواجه عقوبات فرضتها واشنطن بموجب قانون حماية المدنيين “قيصر” منذ يونيو 2020، والتي تمنع بشكل أساسي أي استثمار أجنبي في عملية إعادة الإعمار، كلا البلدين يروجان بأن تلك العقوبات شكل من أشكال “الإرهاب الاقتصادي والخنق الاقتصادي”.

تعاون مستمر “بلا هوادة” بين النظام السوري وكوريا الشمالية.

توأما الظل: سوريا وكوريا الشمالية.. مليارات الدولارات حصيلة تعاونهما

تستمر شحنات الأسلحة والدعم العسكري اللوجستي في الوصول إلى سوريا من كوريا الشمالية حتى يومنا هذا وفق ما أكده أستاذ العلوم السياسية في جامعة أنجيلو ستيت الأميركية وضابط الاستخبارات الأميركية السابق، بروس بيكتول، في مقابلة حصرية مع “أخبار الآن”، إذ قال إن التعاون بين دمشق وبيونع يانغ لا يزال مستمراً حتى اليوم، وبلغ التعاون ذروته في الفترة الواقعة بين خريف عام 2019 وربيع عام 2020.

وأضاف: “منذ بدء الحرب السورية، كانت كوريا الشمالية تزود سوريا بالأسلحة التقليدية مثل سلاح المدفع الرشاش من نوع 73، وهو نسخة عن سلاح “cks س كي إس” كما زودتهم بالمدفعيات وجدّدت 5455 دبابة، إضافة لمدهم بالأسلحة الكيميائية وقاذفات الصواريخ المتنقلة، ونفذ الطيارون الكوريون الشماليون طلعات جوية بالطائرات الحربية السورية، المروحيات بشكل أساسي.. كما شاركت كوريا الشمالية في توريد برنامج الأسلحة الكيماوية لسوريا وتدريب السوريين على استخدامه”.

وفي سياق متصل، أصدرت السلطات الكورية الشمالية أواخر مايو/أيار 2021، قوانين جديدة بشأن تصدير تركيز اليورانيوم، إذ حدت من سيطرة الجيش ووزارة أمن الدولة MSS على أنشطة تعدين اليورانيوم وجعلتها فقط تحت إدارة صناعة الذخائر والمؤسسات الحزبية العليا.

ويبدو أن السلطات الكورية الشمالية تعمل على تبسيط طرق التصدير لتجنب المراقبة من قبل المجتمع الدولي قبل توسيع إنتاج المواد.

وتعمل كوريا الشمالية على تهريب اليورانيوم المركز واليورانيوم الخام المنتج في بيونغسان بمقاطعة هوانغهاي الشمالية إلى دول مثل سوريا والصين وإيران.

ما لا يقل عن 800 من عسكريين وعمال كوريين شماليين وصلوا سوريا في 2019

وكشف تقرير للجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة والتي تراقب العقوبات المفروضة على كوريا الشمالية والصادر في أغسطس/آب 2020، عن وصول ما لا يقل عن 800 من العسكريين والعمال الكوريين الشماليين إلى سوريا في النصف الثاني من عام 2019.

وكان تقرير سابق تابع للجنة ذاتها، قد صدر في أغسطس/آب عام 2018، وجاء فيه أن كوريين شماليين سافروا إلى سوريا في عامي 2016 و2017، حيث قاموا بأنشطة محظورة لشركات الدفاع السورية مستخدمين جوازات سفر صادرة عن السفارة السورية في بيونغ يانغ، واعتبرت الجوازات أدلة على ذلك.

وقد بيّن الخبراء تفاصيل الرحلات الجوية من كوريا الشمالية إلى سوريا في فبراير/شباط 2011 وأغسطس/آب 2016 ونوفمبر/تشرين الثاني 2016 ومارس/آذار 2017 ، وقال الخبراء إن التعاون العسكري غير المشروع بين البلدين “استمر بلا هوادة”.

منشآت تحت الأرض أحد أوجه التعاون بين دمشق وبيونغ يانغ

أكّد ضابط الاستخبارات الأميركية السابق بروس بيكتول لـ”أخبار الآن“، أنه تحقق شخصياً من استمرار التعاون العسكري بين النظامين السوري والكوري الشمالي: “رغم استمرار جائحة كورونا العالمية، استمر الكوريون الشماليون بإرسال سفن شحن تحمل معدات عسكرية تشمل معدات خاصة بالصواريخ إلى سوريا، لقد بنى الكوريون الشماليون منشآت تصنيع في أكثر من بلد وهذا ما فعلوه في سوريا أيضاً”.

وأشار إلى أن كوريا الشمالية ترسل الخبراء والمستشارين الفنيين بعد عملية البيع لضمان استمرار الدعم اللوجستي وتشغيل المعدات العسكرية وصيانتها، بالإضافة إلى حاجة النظام السوري إلى قطع غيار تستوردها من كوريا الشمالية.

وقال: “شهدنا هذا لسنوات عديدة، بما في ذلك العام الماضي، وربما هذا العام ستصل المزيد من القطع، وبالطبع هناك كوريون شماليون مقيمون على الأرض (سوريا) لضمان تركيب تلك القطع في أي وقت، لاستخدامها في بناء الطائرات وأنظمة المدفعية، والأهم من ذلك الصواريخ الباليستية”.

من جانبه، أكد أستاذ العلاقات الدولية في جامعة أوكسفورد والمستشار السابق لوزارة الدفاع الفرنسية لعلاقات كوريا الشمالية، صامويل راماني لـ”أخبار الآن” أن كوريا الشمالية تزوّد النظام السوري بالمنتجات المُستخدمة في إنتاج الصواريخ، وكذلك البلاط والصمامات والأنابيب المقاومة للأحماض التي تستخدم عند إنتاج الأسلحة الكيماوية”.

وقال راماني، إن كوريا الشمالية تعمل على إضفاء الطابع المهني على جيش النظام السوري وإعادة بنائه، مشيراً إلى أن “كوريا الشمالية تتمتع بتاريخ طويل لا يقتصر على بيع التكنولوجيا فحسب، بل تدرّب المستفيدين منها على كيفية كيفية صنعها والبناء عليها وتحسينها”.

وبحسب بيتكول، توفر كوريا الشمالية خدمات لوجيستية لحلفائها وتتخصص ببناء الأنفاق والمنشآت تحت الأرض..”أقول لأولئك الذين لم يدرسوا سياسة كوريا الشمالية في الماضي، إن لدى الكوريين الشماليين خبرة واسعة في إنشاء العديد من المنشآت تحت الأرض، بما في ذلك المنشآت النووية الكاملة”.

واستند الخبير في شؤون كوريا الشمالية إلى معلومات قال إنها مؤكدة تفيد بأن كوريا الشمالية ساعدت حزب الله في عامي 2005 و2006 ببناء الأنفاق قبل حرب حزيران 2006 بين حزب الله وإسرائيل، مؤكدا أن بناء الأنفاق والمنشآت تحت الأرض هو أحد أوجه التعاون بين دمشق وبيونغ يانغ.

توأما الظل: سوريا وكوريا الشمالية.. مليارات الدولارات حصيلة تعاونهما

ملايين الدولارات قيمة التعاون بين دمشق وبيونغ بانغ.. من يدفع الفاتورة؟

أكد مؤلف كتاب “الانتشار العسكري الكوري الشمالي في الشرق الأوسط وأفريقيا: تمكين العنف وعدم الاستقرار” بروس بيكتول، أن التعاون بين دمشق وبيونع يانغ قائم على مستوى عال، وقال إنه خلال ذروة الحرب في سوريا بين عامي 2013 و2017 وصل النظام السوري 41 شحنة من كوريا الشمالية محملة بـ”قذائف الهاون والمدفعية وأجزاء الدبابات إلى حاميات الصواريخ والأسلحة الكيماوية”.

وأضاف بيكتول، وهو أيضاً محلل أول عن شمال شرق آسيا في البنتاغون، إن النظام السوري يدفع لكوريا الشمالية بالعملة الصعبة، إما عن طريق الحكومة السورية أو عن طريق إيران “خصوصا في السنوات الـ10 الماضية”.

بيكتول: كوريا الشمالية تجني ما بين مليار إلى و3 مليارات دولار أميركي سنوياً من الشرق الأوسط

وبين بيكتول أنّ كوريا الشمالية تجني ما بين مليار إلى و3 مليارات دولار أميركي سنويا من الشرق الأوسط، ومن إيران والجماعات التابعة لها والنظام السوري، وقال: “هذا مقدار كبير جداً من المال بالنسبة لدولة ذات ناتج محلي إجمالي صغير. يأتي 40٪ من الاقتصاد الحقيقي لكوريا الشمالية من الأنشطة غير المشروعة، والجزء الأكبر من تلك الأنشطة غير المشروعة يأتي من مبيعات الأسلحة والانتشار العسكري، ولا يعني ذلك فقط بيع الأسلحة بل المساعدة في البرامج العسكرية وتدريب القوات، وصيانة أنظمة الأسلحة، وما إلى ذلك”.

وأضاف: “يبدو منطقياً أن تحافظ كوريا الشمالية على علاقاتها بالشرق وتنخرط في بيع الأسلحة والمساعدة العسكرية لجني الأرباح، ما يمد النظام الكوري الشمالي بالأموال اللازمة للاستثمار في برنامجهم النووي من خلال إنشاء صواريخ خاصة، وليتمكن كيم جونغ من رشوة النخبة لتستمر في دعمه”.

ومن أجل هذه الغاية، تعمل كوريا الشمالية مع السوريين على استخدام سلسلة من شركات “الواجهة” وفقا لبيكتول، الذي قال “أضرب على ذلك مثالاً “شركة تيغن”، التي تعمل باسم مكتب رقم 39 للعمال الكوريين التابع للحزب الشيوعي في كوريا الشمالية، أو شركة تطوير التعدين الكورية، وهي شركات نشطة نسبياً، تحمل أسماء وهمية وتعمل في أماكن مثل سوريا وإيران وتتعامل مع شركات واجهة أخرى في سنغافورة وماليزيا وماكاو”.

وقال ضابط الاستخبارات الأميركية السابق: “دفع الإيرانيون أموالاً لجيش النظام السوري عام 2017، لشراء قذائف هاون وقطع مدفعية وبعض الأسلحة الكيماوية.

انتقلت الأموال من بنك إيراني إلى شركة واجهة كورية شمالية في ماليزيا، ثم استخدمها الكوريون الشماليون للاستثمار في كازينو في ماكاو، ويمكن القول إنهم بارعون في استخدام أكثر من واجهة للالتفاف على العقوبات المفروضة عليهم حالياً”.

وكانت لجنة الأمم المتحدة أكدت في أغسطس/آب عام 2018 أن كوريا الشمالية حققت عائداً اقتصادياً يصل لما يقرب من 200 مليون دولار أميركي خلال 9 أشهر من عام 2017، عبر تصدير غير قانوني لسلع ذات استخدام مزدوج وصواريخ باليستية إلى سوريا وميانمار.

صامويل

سفن كورية شمالية تجوب العالم بأعلام دول أخرى وتصل الشرق الأوسط

تستخدم كوريا الشمالية في نقل الشحنات العسكرية أعلام دول أخرى كالفلبين أو بنما، وفق ما أفاد به المستشار السابق لوزارة الدفاع الفرنسية لعلاقات كوريا الشمالية صامويل راماني لـ “أخبار الآن”.

وقال راماني إن الأسلحة والمعدات الدفاعية تأتي من خلال العلامات المزيفة للسفن والاعتماد على الوسطاء المحليين، “لديهم بالفعل وسيط محلي اسمه حسين العلي، وهو تاجر أسلحة، مقرب من النظام السوري. لقد توسط تاريخياً في صفقات أسلحة كورية شمالية إلى سوريا، بل توسط أيضا في عملية بيع الصواريخ للحوثيين في اليمن، ونقل الأسلحة الخفيفة إلى ليبيا والسودان أيضاً، لذلك أظن أن حسين علي ورفاقه في دمشق سيلعبون دوراً مهماً فيما يتعلق بالاتجار غير المشروع بالأسلحة”.

وكان تقرير سري للجنة الأمم المتحدة أكد وجود نشاط غير مشروع بين سوريا وكوريا الشمالية يديره مجموعة من سماسرة الأسلحة، حيث ذُكر اسم حسين العلي، المتورط في بيع معدات عسكرية كورية شمالية لجماعات مسلحة في عدد من دول الشرق الأوسط وأفريقيا.

من جانبه، أكد بيكتول استخدام كوريا الشمالية أعلام دول أخرى على سفنها، وحرصها على تغيير التكتيكات والتقنيات والإجراءات بشكل دائم، قائلاً:” تتصدى الولايات المتحدة لكل تلك الممارسات وتحاول الإمساك بالسفن المتجهة من كوريا الشمالية إلى سوريا”.

وأشار راماني إلى وجود وسيلة أخرى يمكنهم من خلالها التعامل مع النظام السوري دون عقوبات دولية من خلال وسيط ثالث أو ما أسماه بـ “سمسار أسلحة كيماوية”.

وكشف تقرير الأمم المتحدة أن كوريا الشمالية تنقل المنتجات النفطية بشكل غير قانوني من سفينة إلى سفينة، مؤكداً تعاون كوريا الشمالية مع سوريا عسكرياً في نفس السياق.

من تعاون عسكري إلى إعادة الإعمار

في مايو/أيار 2019، زار نائب وزير خارجية كوريا الشمالية باك ميونغ غوك دمشق للتعهد بدعم بيونغ يانغ لإعادة إعمار سوريا وتكثيف التعاون الثنائي بين البلدين ضد العقوبات الاقتصادية.

وفي يوليو/تموز 2019، ادعى وزير الخارجية السوري السابق وليد المعلم أن العمال الكوريين الشماليين يمكنهم المساعدة في “بناء وإعادة تطوير” سوريا.

فمع انخفاض وتيرة المعارك على مجمل الأراضي السورية واقتصارها على معارك في الشمال السوري، لم يعد الدعم العسكري للنظام السوري من قبل كوريا الشمالية كما كان سابقاً، وفقا لراماني الذي أكد أنه لم يتلاشَ بل هو مستمر من خلال إعادة إصلاح جيش النظام السوري.. “ستعمل كوريا الشمالية على تحديث عسكري وزيادة احتراف القوات المسلحة، وهو ما يحدث الآن بالفعل”.

وتعمل كوريا الشمالية على تحديث أنظمة الدفاع الجوية للنظام السوري وتزويدها بصواريخ سكود أو صواريخ باليستية قصيرة المدى أو متوسطة المدى، وقطع غيار متنوعة، خاصة الفولاذ والجرافيت، وفقاً لراماني.

واعتبر راماني أن التعاون بين البلدين هدفه مواجهة العقوبات الأميركية المفروضة عليهما وهو “مرتبط بإعادة الإعمار، لا سيما في مجال البنية التحتية والعقارات”.

وأكد أن هذا التعاون قائم في السوق السوداء وليس قائما بين سفارة كوريا الشمالية ومقاولين سوريين، “لذلك من الصعب جداً على أي جهة دولية أو الأمم المتحدة أن تكتشف حقاً ما يحدث فيما يتعلق ببناء العقارات”.

وأشار إلى أن الأمر يتعلق بإعادة إعمار المنشآت الحيوية وبناء موانئ جديدة في اللاذقية، وشرق سوريا.

وأرجع بيكتول وصول 800 كوري شمالي إلى سوريا وفق تقرير لجنة تابعة للأمم المتحدة للمساعدة في تجديد وإصلاح الكثير من الأضرار الناجمة عن الحرب الدائرة في سوريا، مؤكدا وجود المئات غيرهم على الأراضي السورية للمساعدة في عمليات النظام القتالية عبر برنامجهم الصاروخي وبرنامجهم الكيميائي.

تعاون يحرج موسكو وبكين.. وحلفاء النظام يقطعون عنه المساعدات المالية

لم يتوان حلفاء النظام السوري، موسكو وطهران وبكين، عن دعمه إما في معاركه على مجمل الأراضي السورية أو الدفاع عنه في المحافل الدولية، ولكن عند الحديث عن دعم اقتصادي وإعادة الإعمار، فيبدو أنهم غير مستعدين للذهاب أبعد من ذلك.

وكان السفير الروسي في دمشق، ألكسندر يفيموف، اعتبر أن مسألة تخصيص الأموال لدعم الاقتصاد السوري “ليست سهلة للغاية”، مبرراً ذلك، خلال مقابلة صحفية في فبراير/شباط، أن روسيا اليوم تجد نفسها تحت تأثير العقوبات، وتعاني من ركود اقتصادي بسبب جائحة كورونا.

الموقف الروسي هذا، أكده المستشار السابق لوزارة الدفاع الفرنسية لعلاقات كوريا الشمالية صامويل راماني، إذ أشار إلى أن النظام السوري سيحصل على الحد الأدنى من الاستثمارات من روسيا التي تحاول تعويض تكلفة الحرب بدلاً من صرف الأموال لإعادة إعمار سوريا، والقليل جداً من الصين، مما دفع النظام السوري للجوء إلى كوريا الشمالية “الملاذ الأخير للنظام السوري”.

راماني: الشراكة بين دمشق وبيونغ يانغ ستنمو بشكل مستقل إلى حدّ كبير عن روسيا والصين

على الرغم من أن العلاقة بين دمشق وبيونغ يانع تفتقر إلى الشفافية والغموض، إذ يعملان في الظل، يؤكد راماني أن هذه الشراكة الثنائية ستنمو بشكل مستقل إلى حد كبير عن روسيا والصين، “استثمارات كوريا الشمالية في سوريا يمكن أن تفيد المصالح الروسية بشكل غير مباشر”.

التعاون بين دمشق وبيونغ يانغ لربما سيأتي بنتائج سلبية وعكسية على حليفي النظام موسكو وبكين مع وجود العقوبات الأميركية والدولية على النظامين السوري والكوري الشمالي، ومع ذلك فهم يتعاونون بشكل غير مباشر، وفقاً لراماني: “لكن ليس بالضرورة أن يكون هناك رابط واضح بين الأطراف جميعها”.

كيف بدأت عملية استنساخ الأنظمة؟

أكدت معلومات استخباراتية أمريكية صدرت مؤخراً أن المفاعل النووي السوري في منطقة الكبر بدير الزور، والذي دمرته إسرائيل عام 2007، بني بدعم من كوريا الشمالية، إذ قالت المحللة في وكالة المخابرات المركزية الأميركية ماجا لينوس لبرنامج على قناة cbs الأميركية، لم يُبث، أن صور المبنى أظهرت مكونات من نوع المفاعل الذي تستخدمه كوريا الشمالية، وهو مفاعل غازي مبرد بالجرافيت.

وأظهرت الصور وجه التشابه الكبير بين مفاعل “الكبر” السوري ومفاعل طاقة البلوتونيوم في كوريا الشمالية، إذ أن الأخيرة هي الوحيدة التي بنت هذا النوع من المفاعلات في السنوات الخمس والثلاثين الماضية.

شخصيات متخصصة بالبرنامج النووي من كوريا الشمالية سافروا إلى سوريا

وأكدت لينوس أنّ واشنطن حصلت على معلومات استخباراتية عام 2001، تشير إلى وجود تعاون بين الكيانات النووية الكورية الشمالية والمسؤولين السوريين رفيعي المستوى، وأن هذا التعاون بدأ منذ عام 1997.

وقالت: “أشارت المعلومات الاستخباراتية إلى أن شخصيات متخصصة بالبرنامج النووي من كوريا الشمالية سافروا إلى سوريا بعد وقت قصير من تدمير المبنى، مما زاد من ثقتنا بأن الكوريين الشماليين كانوا يساعدون في بناء مشروع المفاعل النووي هذا”.

بيد أن هذا التعاون والإعجاب بين نظامي الحكم بدأ منذ عام 1974، زيارة حافظ الأسد لكوريا الشمالية ولقائه الرئيس كيم إيل سونغ، إذ أبدى حينها الأسد الإعجاب الشديد بالقبضة الحديدية لحاكم بيونع يانغ، وفي هذا السياق قال أستاذ علم الاجتماع السياسي ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون بالعاصمة الفرنسية، برهان غليون لـ”أخبار الآن”: بحسب رواية أصدقاء عن وزير الإعلام السابق أحمد اسكندر أحمد الذي رافق الأسد في هذه الزيارة، كان رأي الأسد الأب أن هذا هو النموذج الذي ينبغي أن يطبقه النظام القائم في سوريا، ومن ذلك الوقت أصبح حافظ الأسد يقلد كيم إيل سونغ، بينما يقلد ابنه بشار حفيد كيم”.

عمل النظام السوري على ترسيخ فكرة أن سوريا-الأسد قادرة على البقاء إلى الأبد، حيث تُستخدم شعارات مثل “إلى الأبد يا حافظ الأسد”، لتعظيم شخص الأسد وربط سوريا به إلى ما لا نهاية، تماماً مثل ربط سلالة بايكتو بكوريا الشمالية إلى الأبد وفقاً لغليون.

وَأضاف غليون: “نموذج كوريا الشمالية يقوم على إرضاء الرئيس فهو الأول والآخر والمخلص للشعب بعبقريته وإلهامه وأن الشعب والدولة والبلد لن يبقوا من دونه على قيد الوجود أياماً معدودة”.

وقد طبق النظام السوري نموذج كوريا الشمالية بعد تلك الزيارة، فوفقا لغليون، تأسس”دين عبادة الشخصية”، يقول: “لا يزال السوريون يعانون إلى اليوم منذ هذا الأمر، مع فارق أن الأب، حافظ الأسد، وإعلامه نجحا في أن يقدما صورة إيجابية عن الأسد أو صورة الداهية الذي يعرف كيف يستغل الفرص، وهذا ما جعل هذا الدين فاعلاً وحياً خلال فترة حكمه، وجعل السوريين يبكونه بالفعل ويخشون غيابه على مصيرهم من تضارب القوى العسكرية وشبكات المصالح المختلفة التي نمت في عهده، بينما لم يستطع الإبن بشار تقليد أبيه”.

نشأت الشراكة بين سوريا وكوريا الشمالية خلال الحرب الباردة، عندما ساعد الطيارون المقاتلون الكوريون الشماليون القوات الجوية السورية خلال حربي 1967 و1973 مع إسرائيل، وتعززت بعد أن أصبح بشار الأسد رئيساً لسوريا عام 2000.

توأما الظل: سوريا وكوريا الشمالية.. مليارات الدولارات حصيلة تعاونهما

من جانبه أكد بيكتول أن كوريا الشمالية زودت النظام السوري بالأسلحة والتدريب بشكل متقطع منذ حرب عام 1967، واعتبر أن ذلك التعاون شكل طفرة في المجتمع الصناعي العسكري لكوريا الشمالية.

في عامي 1991 و1992، سلمت كوريا الشمالية 24 صاروخ سكود- C و 20 منصة إطلاق متنقلة إلى سوريا، كما زود سماسرة الأسلحة الكوريون الشماليون سوريا بالجرافيت والصلب المتخصص وحناجر الفوهة، تسمح هذه الأجزاء لسوريا بإنتاج صواريخ باليستية قصيرة المدى ومتوسطة المدى.

في مارس/آذار 2016 أبلغت اللجنة العليا للمفاوضات التابعة للمعارضة السورية وفد الأمم المتحدة في جنيف أن وحدتين كوريتين شماليتين هما، Chalma-1 وChalma-7، موجودتان في سوريا، وبحسب ما ورد، فقد انتشرت Chalma-1 في حي جوبر بدمشق، وشاركت بنشاط في المهام القتالية، في حين كانت مسؤوليات Chalma-7 أكثر غموضاً.

انتشار أسلحة كوريا الشمالية بين المعارضة السورية

أظهر تحليل لصور الأسلحة المستخدمة بين الفصائل العسكرية للمعارضة السورية، استخدام الأخيرة لأنظمة الدفاع الجوي الكورية الشمالية المحمولة (MANPADS)، استولت عليها المعارضة السورية المسلحة من القطعات العسكرية التابعة للنظام السوري خلال سيطرتها عليها.

انتشار هذه الأسلحة يشير إلى حجم التعاون العسكري الكبير بين دمشق وبيونغ يانغ، رغم أنها تُعرّف دوما بأنها تتبع نظام Igla-1E السوفيتي المماثل لـ (SA-16) المستخدم أيضاً في سوريا، مما يعني أن الأسلحة ظلت إلى حد كبير دون أن يلحظها أحد.

وظهر هذا النظام لأول مرة على يد مقاتل تابع لتنظيم “داعش” في أغسطس/آب 2014 بعد أن استولى عليه جيش الإسلام في نفس العام، وكشفت أبحاث أخرى أن مجموعة كاملة من 18 قاذفة على الأقل استولى عليها الجيش السوري الحر وكتيبة الكوثر في اللواء 80 في حلب في فبراير/شباط 2013.

يختلف نظام الدفاع الجوي الكوري الشمالي عن نظيره الروسي، إذ يحتوي على مقدمة حرارية للبطارية لتشغيل منظومات الدفاع الجوي المحمولة، ونضوبها يعني توقف أنظمة الدفاع الجوي المحمولة عن العمل. ولذا، عمدت فصائل المعارضة للدفاع الجوي على التلاعب بتلك البطاريات في كثير من الحالات.

وكشفت صور أخرى وجود نظام دفاعي يتبع كوريا الشمالية يحمل التسمية HT-16PGJ (الصواريخ وحدها HG-16)، تم التقاطه في اللواء 80 وهو جزء من عقد أُبرم في الأول من يناير/كانون الثاني 2004 لتزويد النظام السوري بهذا السلاح، مما يعني أنه من غير المحتمل أن العمر الافتراضي للبطاريات الحرارية قد نفد.

وتشير تقارير استخبارية غربية أنه في العام 2003، تسلّمت سوريا عبر مورّد غير معروف “يقال إنه من بيلاروسيا” حوالي 300 نظام Igla MANPADS. في الواقع كانت صفقة تتعلق بالنظام الكوري الشمالي، وأكدت هذه المعلومات أن هذا النظام Igla لم يكن موجوداً بعد في سوريا.

وتخوفت تلك التقارير من مآلات تطوير الأسلحة الكورية الشمالية التي قد تصبح سلعة في سوق الاتجار غير المشروع بالأسلحة.

لمشاهدة التقرير: