العالم لا يزال على فوهة بركان مع نهاية العام 2022

كيف سينظر المؤرخون إلى العام الحالي (2022) الذي يوشك على الانقضاء؟ من طبيعة الأحداث الكبرى التي وقعت هذا العام لا بد أن هؤلاء المؤرخين سيعتبرونه عامًا فاصلاً بين حقبتين أو زمنين. ينتهي هذا العام والعالم لا يزال يضع يده على قلبه من الأهوال التي وقعت وجعلته على حافة هاوية وفوهة بركان كاد يعصف بالإنسانية.

لا شك أن المشكلة الأكبر التي جعلت العالم يتنبه لهذا الخطر هي الحرب في أوكرانيا والغزو الروسي لأراضيها. وهذه الحرب التي بدأت في أواخر شباط الماضي ما زالت تشغل العالم وتشكل مصدر خطر وخشية من مزيد من التدهور الذي قد يجر إلى ما هو أسوأ.

كان هدف الحرب إطاحة حكومة أوكرانيا ومنعها نهائيا من الانضمام إلى حلف الأطلسي. لكن بعد استحالة تنفيذ هذا الهدف عدلت موسكو أهدافها من الحرب لتصبح إجبار أوكرانيا على الحياد. فما رأته روسيا بأنه قد يكون حربا محدودة في الزمان والمكان لتفرض بعد ذلك شروطها وتفرض أرادتها وتملي ما تريد وتنجزه كان الأمر عكس ما تمنت وتكاد الحرب تكمل سنة من غير أن تلوح في الأفق أي بادرة سلام ومصالحة.

حرب أوكرانيا العالم على حافة صدام

وضعت حرب أوكرانيا العالم على حافة صدام خطير خشي الكثيرون أنه قد يجر إلى ضربات نووية في أوروبا التي ظنت أنها بعيدة عن الصراعات الساخنة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فالتهديدات بمواجهة نووية والأخبار المسربة عن وضع القوات الاستراتيجية الروسية في حالة استعداد وتهيئة القدرات النووية لاستعمالها في حال تعرض روسيا لأي “اعتداء غربي” رفعت منسوب التوتر العالمي بشكل لم يحدث من قبل.

 

الحرب الأوكرانية أخلت العالم إلى حقبة معقدة

أدخلت الحرب الأوكرانية العالم إلى حقبة معقدة لم يتوقعها أحد لكن المؤكد أن العالم بعد هذه الحرب سيدخل في عملية تشكيل نظام جديد. وما ترغب به موسكو وفق ما يراه عدد من خبراء الأمن الأوروبيين هو إعادة هيكلة البنية الأمنية الأوروبية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة في محاولة استعادة نفوذ روسيا السوفياتية.

شكلت حرب أوكرانيا تنبيها مهما لدول العالم ليس فقط في مجال العلاقات الثنائية بين الدول الصغيرة والكبيرة ولكن أيضًا يما يخص الأمن الغذائي. اكتشفت دول كثيرة مخاطر اعتمادها في الغذاء على مصدر أجنبي واحد قد يتوقف توريده لأي سبب. كما أن العقوبات الأميركية والأوروبية على روسيا أوقفت إمدادات الغاز والنفط من روسيا وهذا خلق أزمة إضافية.

المشكلة الثانية التي أرّقت العالم هي التضخم والركود الاقتصادي الذي نجم عن تعطل العالم لما يزيد عن سنتين جراء جائحة كورونا التي خلقت أجواء مرعبة في العالم وأوقفته على رجل واحدة. لأكثر من سنتين ظل العالم متحفزا باحثا عن مخرج من تأثيرات تلك الجائحة على صعيد الصناعة والتجارة والسياحة والعلاقات الاقتصادية. لم يختف المرض الذي أوقع أكثر من ستة ملايين وفاة وأصاب ما يزيد عن ستمئة وستين مليون شخص لكنه انحسر وانخفضت الإصابات بشكل ملموس وكذلك الوفيات الناجمة عنه. لكن التعافي الاقتصادي من تلك النتائج سيأخذ وقتا طويلا والآثار السلبية لن تزول بسهولة.

ما أسباب التضخم والركود والخوف من نقص الغذاء؟

التضخم والركود والخوف من نقص الغذاء والدواء نتيجة التوترات العالمية خلقت ارتفاعا حادا في أسعار المواد الغذائية وزاد من معدلات الفقر وأعداد الفقراء في كثير من الدول. وزاد من حدة هذه المشكلات وعمقها تفاقم مشكلة الاحتباس الحراري والتغير المناخي الذي كشف عن الكثير من المشكلات الخفية المتعلقة بالزراعة والري وازدياد الجفاف وندرة المطر. ما أكده مؤتمر المناخ الذي انعقد في شرم الشيخ اظهر أن التغير المناخي لم يعد مشكلة ينتظرها العالم بل مشكلة يعاني منها في الوقت الراهن ولا بد من جهود حقيقية لحماية الكوكب وسكانه وتأمين مستقبله.

العام 2022 على وشك الانتهاء لكن العالم لا يزال على فوهة بركان

العام 2022..اشتداد التنافس بين الولايات المتحدة والصين

في هذا العام اشتد التنافس بين الولايات المتحدة والصين وبعد أن تراجعت الولايات المتحدة عن فكرة تخليها عن الشرق الأوسط عادت إليه عبر قمة تاريخية عقدها الرئيس الأميركي جو با يدن مع قادة الدول العربية في الرياض. لكن الصين لم تترك الأمر للولايات المتحدة فجاء رئيسها إلى الرياض وعقد ثلاث قمم كانت ذات أهمية كبرى في ترسيخ العلاقات الصينية العربية فيما شكل تحولا مهما في هذه العلاقات لمصلحة الجانبين.

زيادة التنافس بين الولايات المتحدة والصين زاد من حدة التوتر في أكثر من منطقة في العالم وبرزت مسألة استعادة الصين لتايوان وهذا خلق بؤرة توتر إضافية بين واشنطن وبكين. هذا التوتر الصيني الأميركي كان على الدوام يؤثر على التعاون الاقتصادي ولهذا أثره السلبي على الدول الأخرى وبشكل خاص الصغيرة منها كما أنه يشوش على علاقات هذه الدول مع الدولتين الكبيرتين ويخلق نوعا من الانحياز الذي لا يخدم السلام العالمي.

في هذا العام ظل الملف النووي الإيراني يشغل العالم وبرغم المفاوضات التي استمرت أكثر من عشرين شهرا لم يتوصل الجانبان الأميركي والإيراني إلى تفاهم نهائي على الاتفاق. وسربت بعض المصادر قولا للرئيس الأمريكي أن الاتفاق اصبح ميتا. وطوال المفاوضات كانت إيران تراوغ في التفاوض وتضع مطالب تعجيزية ترفضها واشنطن التي هددت أكثر من مرة بأن لديها خطة بديلة في حال الإخفاق. هذا التفاوض جلب توترا إضافيا إلى العلاقات الدولية وأعاق الكثير مما يمكن إنجازه على صعيد السلام العالمي وأبقى نسبة التوتر عالية على عكس ما يريده العالم.

العام 2022 على وشك الانتهاء لكن العالم لا يزال على فوهة بركان

العام 2022 شهد إنتفاضة إيران وانفجار الشارع

أما في إيران الداخل والى جانب العجز الاقتصادي وتفاقم الفقر والبطالة والجفاف ونقص الغذاء والدواء انفجر الشارع الإيراني في انتفاضة مستمر منذ منتصف سبتمبر الماضي ضد تسلط رجال الدين على القيم الاجتماعية للشعب الإيراني. ومع أن السلطات حاولت استعمال كل ما لديها من قوة بطش وقمع إلا أن الانتفاضة مستمرة ونجح الشعب الإيراني في إسقاط شرطة الأخلاق التي كانت تحاول فرض نموذج ثقافي محدد على الشعب الإيراني.

فلسطين والأراضي المحتلة شكلت في هذا العام بؤرة توتر لم تهدأ. فالقمع الإسرائيلي زاد وتصرفات الاحتلال التي تنم عن سياسة عنصرية وسقط العشرات من الضحايا من الشباب. وفي الصيف الماضي قام الجيش الإسرائيلي بعملية عسكرية ضد حركة الجهاد في غزة وكانت ثمة خشية من تورط حركة حماس في العملية بما يستدعي توسيعها وكان ذلك سيؤدي إلى كارثة في غزة. لكن العملية انتهت بعد ترتيب تفاهمات عملت عليها مصر.

أما لبنان فقد عانى من أزمة سياسية مستمرة بشغور كرسي الرئاسة بعد انتهاء فترة ولاية الرئيس ميشيل عون ولم يستطع البرلمان اللبناني من انتخاب رئيس جديد بسبب التجاذبات السياسية والطائفية التي تعصف بالبرلمان وبالمجتمع هناك وهذا يخلق أزمات متلاحقة قد تؤدي إلى انفجار الأوضاع في صراع مسلح لا يريده أحد ولكن قد يتورط فيه الجميع.

العام 2022 على وشك الانتهاء لكن العالم لا يزال على فوهة بركان

 

بؤرة توتر أخرى شغلت العالم هي مشكلة اللاجئين. في هذا العام وبسبب الحرب الأوكرانية تشرد من أوكرانيا أكثر من أربعة عشر مليون إنسان اضطر نصفهم أن يغادر بلاده والنصف الآخر تشرد داخلها بسبب الحرب. وهذا التدفق للاجئين خلق مشكلة للدول الأوروبية التي استضافتهم وتحاول مساعدتهم. والى جانب اللاجئين من أوكرانيا هناك أكثر من نصف مليون لاجئ من ميانمار وأكثر من ثمانمئة وخمسين ألف لاجئ في أفريقيا وعشرات الألوف من اللاجئين في أماكن أخرى.

إلى جانب مشكلة اللاجئين كانت مشكلة المهاجرين غير الشرعيين التي غرقت بهم مراكبهم في أعالي البحار وفقدوا حياتهم وهم يحاولون البحث عن حياة جديدة خارج أوطانهم.

مضت أحداث هذا العام بشكل معقد ومضطرب ولم يكن من السهل معرفة الجهات التي ستقود إليها نتائج تلك الأحداث ولم يكن العام 2022 في حالة سلام كما تمنت الشعوب. وكانت شهور السنة وأيامها تشهد توترات وانسدادات سياسية وغير سياسية وكان العالم في حالة ترقب شديد لما قد يحدث ويقلب الموازين. فهل تنتقل توترات هذا العام إلى العام القادم أم أن العام القادم سيكون مختلفا؟