لا طيور تعلو في إقليم كردستان

  • يمكن أن يتأثر النظام الصوتي بين الطيور بأزمة المناخ
  • استجابة لارتفاع درجات الحرارة، قد تُغير بعض الطيور أوقات الاتصال

في قرية واقعة بمنطقة شبه قاحلة في إقليم كُردستان العراق، اسمها قَلاجَرمَلة، خرجت مع أفراد من عائلتي وأقربائي فجراً بهدف توثيق بعض من الحياة البرّية. تُعرف هذه المنطقة التي تسمى (كَرميان) بأنواع ثدية متوسطة وصغيرة مثل الذئاب، الثعالب والغزلان والأرانب البرّية، وكذلك

طيور مقيمة ومهاجرة مثل القطا والحجل الشُقّر والزرزور والعصافير والحمام البرّي.. الخ من الأنواع. كانت تشكل هذه الأنواع مشهداً فريداً من الحياة البرّية في الماضي. تعرّفت على أنماط حياة هذه الحيوانات وعلاقاتها وسبل تكاثر الكثير منها بالفطرة الاجتماعية والطبيعية حين كنت صغيراً.

أتذكر كيف كان صوت الدرّاج الكُردي يصل الى مسامعنا في القرية صباحاً، تحديداً من جهة الشرق من القرية.

أردت من خلال رحلتي في الصيف الماضي إعادة اكتشاف الحياة البرّية تلك، وكان عليّ من اجل ذلك الخروج قبل بزوغ الشمس لأن ارتفاع درجات الحرارة خلال النهار يحول دون رؤية الحيوانات البرّية.

يضاف الى ذلك القحط المائي جراء فصول جفاف متتالية تضرب المنطقة، ما أدى الى تجفيف العيون والمنابع في المنطقة.

وعلى رغم من أن الوقت كان صباحاً ومناسباً لنشاط الثدييات، باستثناء ثعلب بدا تائهاً في واد صغير، لم ألحظ أي حيوان آخر، كانت الطيور وحدها تشعرنا بأن قلب البرّية لازال ينبض. حين طغى الحرّ عل كل شيء بعيد طلوع الشمس، حتى على حركتنا أنا ورفاق الرحلة،

توقفت الطيور عن إصدار الأصوات أو بالكاد كنا نسمعها.

في تلك الأثناء أثارت وحشة بعض الطيور انتباهي وهي تحتمي بالأماكن التي لا زالت توفر قليل من الفيء. كنت أسأل نفسي طوال تلك الرحلة الصباحية في كَرميان، ما الذي سيحصل لهذه الأنواع إذا استمر الجفاف لفصل آخر واختفى ما بقي من العيون ومصادر المياه النادرة في المنطقة؟

حال المشي لساعات في البراري دون الإجابة على مثل هذا السؤال، -ولا وزلت أجهل الإجابة- انما واقع حال الطيور دفعني للتفكير بما يمكن ان يحصل لها في ظل ارتفاع درجات الحرارة والجفاف، وهل يتغير سلوك وأنماط حياتها وتتأقلم مع المناخ الجديد أو تتعرض للانقراض وتخلو المنطقة من التنوع الأحيائي؟

الطيور

تعد الطيور من الملقحات الرئيسية لمشتقات البذور ونقل الحبوب بين النباتات ما يتيح التخصيب والتكاثر وإنتاج الغذاء. تتفاعل الطيور المحلية مع النباتات في النظم البيئية المختلفة وهناك علاقة منفعة مشتركة بينهما، بينما يتلقى الطائر الرحيق أو الفاكهة من النبات الذي يزوره، يستفيد

النبات من خلال وجود الزائر حيث يقوم بعملية التلقيح أو نثر البذور. لا تستطيع العديد من الأشجار المحلية إجراء هذه العمليات دون هذا الدور الجوهري الذي تلعبه الطيور. ويضاف الى ذلك دور الطيور في القضاء على العديد من الحشرات والحفاظ على التوازن البيئي.

صمت الطيور

بالعودة الى السؤال حول آثار الجفاف على الطيور، يجيب العلماء عبر دراسة جديدة عن تأثير متغيرات الظروف البيئية على الاتصال الفردي بين الطيور المُغرّدة وكيف يمكن أن يتأثر النظام الصوتي بين الطيور بالتغيرات المناخية. تُظهر الدراسة كيف تقود قلة الموارد المائية والمناخ الجاف

مجتمعات الطيور الصحراوية الى الانهيار وتراجع نسبة التكاثر أو تحولات سريعة في أنماط حياتها وسلوكيات أفرادها بدافع البقاء في البيئة المستجدة الناجمة عن الجفاف.

الطيور

صورة لطائر تعود لأخبار الآن

بادئ ذي بدء، تتسم النظم البيئية شبه القاحلة بحساسية خاصة من ناحية أزمة المناخ، فهي الأكثر تعرضاً لارتفاع درجات الحرارة، انخفاض هطول الأمطار، تعرية التربة، الغطاء النباتي المتناثر، وقلة الموارد مثل الغذاء والمياه العذبة. ففي صحراء موهافي في جنوب غرب الولايات المتحدة

الأمريكية والتي أُجريت فيها الدراسة المذكورة على سبيل المثال، أدت الزيادات في درجة الحرارة والجفاف، بجانب انخفاض الموارد المائية، إلى انهيار مجتمعات الطيور المحلية.

وما يحدث هو، أن الطيور المغرّدة تعتمد النظام الصوتي للاتصال بين الشركاء والدفاع عن موائلها. في ظل المناخ الجاف لا يعمل الاتصال الصوتي بشكل فعال لجذب الشريك أو الاتصال بالجيران أو ارسال الإشارات في حال وجود خطر. وقد يؤدي فقدان هذه الثقافة الصوتية جراء الجفاف الى

تقليل فرص التزاوج بين أنواع من الطيور ولا يستبعد انقراضها.  وقد قام فريق البحث من أجل فهم آثار الجفاف على الاتصال الصوتي بمحاكاة توهين الإشارة الصوتية في ظل مجموعة متنوعة من السيناريوهات البيئية للمروج الجنوبية شبه القاحلة في الولايات المتحدة، بدءًا من الظروف

الجوية المعاصرة وحتى حالات الجفاف المتوقعة في ظل تغير المناخ.

في ظل ظروف الجفاف الناجمة عن تغير المناخ، وجد الباحثون أن أعداد قليلة من الطيور المغرّدة استطاع الاتصال بنجاح بجميع الجيران المجاورين مقارنة بطيور أخرى في ظل ظروف المناخ الطبيعية. كما وجدوا أيضاً أنه عند الترددات الصوتية العالية وفقدان الماء التبخيري العالي، تمكن عدد

أقل من الطيور من الاتصال بنجاح بجميع أقرانها. تشير هذه النتائج إلى أن التجشؤ الناتج عن تغير المناخ قد يغير المساحات الصوتية التي تتحرك فيها الطيور، بحيث لن يعود الاتصال الصوتي يعمل بشكل فعال لجذب الشريك أو الدفاع عن الموائل الطبيعية. ومع تقدم تغير المناخ، قد تؤدي

زيادة الجفاف في الأراضي العشبية إلى تحولات نحو الأغاني ذات التردد المنخفض، بل حتى في استخدام موارد موائلها، وكذلك التركيبات المتغيرة لسكان الطيور المغردة.

الغناء والإنجاب في غير وقتهما

استجابة لارتفاع درجات الحرارة، قد تُغير بعض الطيور أوقات الاتصال، الإنجاب والغناء إلى تواريخ سابقة في موسم التكاثر، فضلاً عن ممارسة الغناء في وقت مبكر من اليوم حيث يكون الجو رطب ويساعد على الاتصال. كما ان استجابة الطيور لآثار تغير المناخ تساهم من ناحية الطلب على

الطاقة والمياه والاتصال ببعضها في فهم عوامل أخرى، مثل التكاثر وعلم وظائف الأعضاء وحتى تجنيد سكان مجتمع الطيور للعمل في الظروف الجوية المستقبلية.

أثناء تواجدي في البرّية بمنطقة كَرميان في كُردستان العراق لاحظت كيف خيَم الصمت على الطيور بعدما ارتفعت درجات الحرارة، بينما كانت تغني وتغرّد قبل طلوع الشمس.

الطيور

وبما أن الإشارات الصوتية للتواصل بين أنواع الطيور المختلفة تتأثر بالهواء الجاف الذي يعد موصلاً ضعيفاً للصوت بالمقارنة مع الهواء الرطب، يتوقع ان يتأقلم مجتمع الطيور مع التغير البيئي المرتبط بالمناخ أو بعوامل أخرى. وتم اختبار هذه النظرية عن طريق بث إشارات صوتية بترددات

مختلفة في بيئات مختلفة وفي أوقات مختلفة خلال النهار. انخفضت التغطية الصوتية بشكل كبير عبر جميع ترددات الإشارة عند تشغيلها في بيئة صحراوية في فترة ما بعد الظهر مقارنةً بتشغيلها في بيئة صحراوية في الصباح، أو مقارنةً بتشغيلها في الغابات المطيرة صباحاً.

بالنسبة للعديد من أنواع الطيور، فإن الغناء الجماعي أثناء الفجر هي فترة نشاط النطق العالي خلال موسم التكاثر. تتميز هذه الفترة عادة بدرجات حرارة منخفضة ورطوبة معتدلة إلى عالية حيث تساهم في نقل الصوت.

لذلك، قد يمثل الغناء الجماعي في الفجر تكيفاً سلوكياً يستغل خصائص نقل الصوت المثلى في الصباح الباكر. إنما تتنبأ النماذج المناخية بارتفاع غير متناسب في درجات الحرارة حتى أثناء الليل، مما يشير إلى أن ظروف الصباح الباكر قد تصبح أقل مثالية للتواصل الصوتي، ومن شأنها تقليل

فعالية الغناء الجماعي في الفجر للتواصل مع الجيران المجاورين.

ولا يستبعد أن تغير الطيور أوقات بدء الغناء الجماعي ما قبل الفجر والفجر الى وقت مبكر، ولا يخلو ذلك من الصعوبات بالنسبة للطيور حيث تكون الإضاءة منخفضة وغير مجدية من ناحية البحث عن الطعام بسبب انخفاض نشاط المفصليات وتقييد الرؤية أيضاً.

اختصاراً، ستؤدي زيادة الجفاف إلى تقليل الموارد مثل الطعام والماء، وبالتالي تغيير جودة المنطقة من ناحية التنوع البيولوجي. ويذهب الباحثون الى ان مجتمعات الطيور تحتاج الى توسيع أحجام موائلها بغية الوصول الى موارد كافية، وذلك من أجل البقاء والتكاثر.

إن الطيور التي تغني وتغرّد في ظل ظروف قاحلة بشكل متزايد، لن تواجه الصعوبات أثناء نقل أغنيات فقيرة وموارد قليلة في اقليمها فحسب، بل تزداد صعوبات تكلفة الغناء عليها أيضاً. تالياً تصرف الطيور النظر عن الغناء وتخصص الوقت والطاقة في تنظيم سلوكها لمواجهة الحرارة وكذلك البحث عن الطعام.

إضافة الى ما ذكر، من المحتمل أن يؤدي الجفاف إلى زيادة تكاليف المياه للطيور المغردة، وذلك بسبب فقدان التبريد التبخيري المتسارع؛ وهو ما يجبر أفراد مجتمعات الطيور على إظهار المرونة السلوكية أثناء الغناء في المناخ الجاف أو الهجرة نحو مكان آخر، ولا يستبعد الانقراض في ظل تسارع الاحترار.