العراق بلد نفطي من دون كهرباء.. ما الذي فاقم أزمته مع الطاقة؟

  • العراق يشهد على موجة حر شديدة ترافقت مع انقطاع للتيار الكهربائي
  • وزارة الكهرباء لم تحدد وحداتها وبينها شبكة توزيع الطاقة ما يعني ضياع 40% من الانتاج
  • التدهور الكبير في واقع الكهرباء ترافق مع توقف الجانب الإيراني عن تزويد العِراق بالكهرباء والغاز
  • العراق يعتمد على الغاز المستورد من إيران في تشغيل محطات توليد الكهرباء في جنوب البلاد

يعيش العراقيون صيفاً لاهبا كل عام، لكن هذا المرة مع ارتفاع درجات الحرارة إلى 52. وفعلياً، يأتي ذلك وسط انقطاع الكهرباء في معظم المدن العراقية، قبل أيام، وتوقف أجهزة التكييف والمراوح وبرادات المياه.

ويقول علي كرار، وهو موظف حكومي يسكن مدينة الحلة الى الجنوب من بغداد ويعاني مثل غيره من نقص الكهرباء، إنه “كان يعمد احياناً الى وضع ابنه الرضيع في ثلاجة المنزل للحظات معدودة لحمايته من حرارة الجو، لكنه لم يعد قادراً على ذلك”.

وفي الديوانية، المدينة الجنوبية، فقد راهي عبد الحسين الأمل بالكهرباء وتوجه للبحث عن قطع ثلج لتأمين مياه باردة لأطفاله.

وفي شوارع مختلفة بمدن البلاد، يقوم أصحاب محال تجارية بتركيب أنابيب ووضع مرشات مياه على جانب الطريق ليتمكن المارة المتسوقون من الاستحمام مرتدين ملابسهم التي سرعان ما تجف.

ومع هذا، فإن الوضع الأكثر سوءاً تعيشه مدينة البصرة الساحلية الواقعة في أقصى جنوب العِراق، إذ ترتفع معدلات الرطوبة مع تزايد درجات الحرارة كما هو الحال في كل صيف.

ويقول مشعل هاشم (50 عاما) الذي يعمل في أحد موانىء البصرة والاب لـ3 أطفال: “أطفالنا ينامون على الارض بحثاً عن البرودة وكبارنا لا يغمض لهم جفن”.

البعد الإيراني

ويتساءل 40 مليون عراقي: من المسؤول عن كل ما يحدث لبلادهم التي ضاع نصف مواردها النفطية في الاعوام الـ20 الماضية وذهب الى جيوب سياسيين ورجال اعمال فاسدين.

وفعلياً، بات نقص الكهرباء موضوعاً رئيسياً على شبكات التواصل الأجتماعي في العِراق. وقال الباحث سجاد جهاد في تغريدة أن وزارة “الكهرباء تقول ان السبب النفط والنفط تقول المالية والمالية تقول إيران وإيران تقول الحكومة (العراقية) والحكومة تقول الشعب والشعب يقول السياسيين والسياسيون يقولون هذا ما هو موجود”.

وخلال الفترات الماضية، لم تجدد وزارة الكهرباء وحداتها وبينها شبكة توزيع الطاقة ما يعني ضياع 40% من الانتاج.

كذلك، لم تتمكن وزارة النفط رغم محاولاتها المتواصلة، من استثمار الغاز الطبيعي المرافق لعمليات الاستخراج والذي يحترق من خلال مشاعل على مدار الساعة، لتحويله إلى وقود لتشغيل محطات الطاقة الكهربائية.

ووسط هذا المشهد، فإن التدهور الكبير في واقع الكهرباء ترافق مع توقف الجانب الإيراني عن تزويد العِراق بالكهرباء والغاز بسبب تخلف الجانب العراقي عن سداد الديون المتراكمة عليه والتي تقدر بمليارات الدولارات، حسبما تحدثت تقارير عديدة.

وتعاني ايران نفسها من أزمة في الكهرباء بسبب العقوبات الدولية المفروضة عليها، وتشير بعض التقديرات إلى أن العراق يحصل على ثلث حاجته من إمدادات الكهرباء من إيران.

كذلك، تشهد إيران أزمات اقتصادية عديدة بسبب تراجع أسعار النفط والعقوبات الأمريكية والغربية عليها كما أن جائحة كورونا ألقت بظلالها على الإقتصاد الإيراني وبالتالي فهي بحاجة ماسة إلى العملة الصعبة لتمويل مستورداتها الضرورية.

وحتى لو أرادت الحكومة العراقية سداد الديون الإيرانية التي تبلغ حالياً نحو 6 مليار دولار، فإنها غير قادرة على ذلك بسبب العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران. وفي وقت سابق، كانت الولايات قد سمحت للحكومة العِراقية بدفع قيمة مستوردات العراق من السلع والبضائع الإيرانية بالدولار لكن دون أن يشمل ذلك الغاز والكهرباء.

ويعتمد العراق على الغاز المستورد من إيران في تشغيل محطات توليد الكهرباء في جنوب البلاد، وفي حال توقف إيران عن إمداد العِراق بالغاز فإن العجز في الكهرباء في البلاد قد تتجاوز نسبة الثلث.

وفي أوقات ذروة الطلب على الكهرباء في العراق في فصل الصيف تسد ايران العجز لدى الجانب العِراقي. وبحسب البيانات، يستورد العِراق ما بين 1.5 الى 1.8 مليار قدم مكعب من الغاز الإيراني يومياً.

تراجع كبير وهجمات منسقة

وتراجع انتاج الكهرباء في جنوب العِراق إلى أقل من ألف ميغاواط مؤخراً مما يعني أن واردات الغاز الإيراني أيضاً تراجعت إلى حد كبير.

ويصل الغاز الإيراني إلى العراق عبر خطي أنابيب يصلان إلى 4 محطات لتوليد الكهرباء في البصرة والسماوة والناصرية وديالى وقد تراجع إنتاج هذه المحطات بشدة مما يشير لتوقف إمدادات الغاز الإيراني.

وبحسب مركز إدارة معلومات الطاقة الأمريكي، فإن 23% من الكهرباء التي أنتجها العراق كان بامدادات الغاز القادمة من إيران خلال عام 2019 بينما استورد نحو 5% من حاجته من الكهرباء من إيران في ذلك العام.

وتحتاج محافظة البصرة التي تقع فيها أهم حقول النفط إلى أكثر من 4 آلاف ميغاواط بينما المتوفر حالياً هو أقل من ألف ميغاواط.

وترافق ذلك مع تزايد الهجمات المنسقة التي تستهدف خطوط نقل الكهرباء الرئيسية في البلاد، خصوصاً أبراج نقل الكهرباء التي يبلغ عددها في البلاد 46 ألف برج.

فخلال الشهر الماضي، تضرر خط أساسي لنقل الطاقة في محافظة كركوك الشمالية بعد أن تم تفجير برجين أساسيين حسب يبان لوزارة الكهرباء.

كذلك، بلغ عدد الهجمات التي استهدفت شبكة نقل الكهرباء في البلاد 35 هجوماً خلال العام الجاري.

ولم تقتصر الهجمات على خطوط نقل الطاقة بل شملت محطات توليد الكهرباء. ومؤخراً، تبنى تنظيم “داعش” قصف محطة سامراء الكهربائية التي افتتحها مؤخراً رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي بصواريخ الكاتيوشا.

وقال بيان مقتضب لوزارة الكهرباء العراقية إن الهجوم تسبب بأضرار جسيمة بأجزاء وحدة توليد الكهرباء في المحطة.

وفي العام 2018، بلغت حاجة العراق من الكهرباء خلال موسم الذروة في الصيف حوالي 27 جيغاواط بينما المتوفر كان 19.3 جيغاواط.

وبلغت الاستطاعة النظرية لمحطات توليد الكهرباء في العراق في عام 2018 نحو 33 جيغاواط بينما المتوفر أقل من ذلك بكثير ( 19.3 جيغاواط ) وتبلغ حاجة العراق في الأحوال العادية نحو 28 مليار جيغاواط وفي موسم الذروة يتجاوز 30 مليار جيغاواط بكثير حسب وزارة الكهرباء العراقية.

كذلك، بلغت نسبة الفاقد في الطاقة الكهربائية المنتجة في العراق خلال الفترة من 2008 إلى 2018 حوالي 52% وهي من أعلى النسب في العالم بسبب سوء أحوال شكبة توزيع الكهرباء وتقادمها إضافة الى السرقات الكثيرة، بحسب ما ذكرت هيئة الإذاعة البريطانية “BBC“.

شاهد أيضاً: صيف لاهب في العراق في ظل انقطاع تام للكهرباء