أخبار الآن | بيروت – لبنان (بيانات تحليلية – نسمة الحاج)

بعد مرور قرابة الشهر والنصف على اندلاع الحراك الشعبي اللبناني، حيث احتشد آلاف اللبنانيين في الشوارع احتجاجاً على تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، ونددوا بالفساد الاقتصادي والسياسي المتفشي في مفاصل الدولة، ونادوا بإقالة الحكومة الحالية وتعطيل مهام رئيس الجمهورية والبرلمان وإجراء انتخابات برلمانية مبكرة وفق قانون انتخابي نسبي دون قيد طائفي، لتشكيل حكومة تكنوقراط مؤقتة، ونجحوا بالفعل في دفع رئيس الوزراء سعد الحريري، إلى التنحي عن منصبه، يتجه اللبنانيون اليوم إلى الإضراب العام للضغط على الحكومة الحالية لبدء الاستشارات النيابية والشروع في تشكيل حكومة الكفاءات الجديدة، خاصة وأن الحكومة الحالية لا زالت تماطل في ذلك.

إضراب القطاع المصرفي اللبناني

يرتبط إضراب القطاع المصرفي ارتباطاً مباشراً بالأزمة الاقتصادية التي كانت ولا زالت تنخر في هياكل الدولة، والتي يعود أصلها إلى لجوء الحكومة اللبنانية إلى تثبيت قيمة الدولار الواحد على 1500 ليرة، بعد الانحدار السريع الذي شهدته العملة خلال الحرب الأهلية اللبنانية، مما ألقى بمسؤولية تعويض فارق السعر بين الدولار والليرة على عاتق المصرف المركزي، وأودى به ذلك إلى إنفاقه لاحتياطي النقد لديه، والاقتراض من البنوك الخاصة بعد نفاد العملة الصعبة لديه، مما أدى إلى تراكم ديون داخلية، وانتهى الأمر بتراجع حاد في احتياطي النقد من 25.5 مليار دولار في عام 2018 إلى 19 مليار في العام الجاري، وزيادة في الدين العام البالغ 86 مليار دولار، ما يعادل 150% من إجمالي الناتج المحلي، وهو ثالث أكبر نسبة دين للناتج المحلي العالم، بحسب صندوق النقد الدولي.

وبسبب تراكم الأزمات لسنين طويلة، يشهد اقتصاد لبنان اليوم تراجعاً وتباطؤاً في تدفقات الأموال من الخارج مما أدى إلى شح إضافي في الدولار، وإلى زيادة الضغوط على الليرة اللبنانية المحدد سعر صرفها بالدولار، فأصبح القطاع المصرفي يعاني من تراجع قيمة احتياطي العملة الصعبة، وارتفاع معدل الديون، فضلاً عن “هروب” بعض الودائع والمستثمرين إلى الخارج نتيجة غياب الاستقرار السياسي.

يذكر أن ذلك يصب بشكل مباشر في الأزمات المعيشية التي يعاني منها اللبنانيون، فتراجع قيمة الاحتياطي دفع بمصرف لبنان إلى اتخاذ سلسلة إجراءات لحماية ما تبقى منه، مما أدى إلى ظهور أزمات معيشية بدءاً من الخبز والطحين والبنزين والدواء، وهي كلها مواد يستوردها لبنان بالعملة الصعبة.

وعلى صعيد آخر، ثار غضب الشعب اللبناني بسبب التراجع في الدولار في السوق اللبناني، وتجسد ذلك في تعاملهم مع المصارف، فالبنوك من جانبها بدأت تدفع وتصر على العملاء لتسديد قروضهم بالدولار بدلاً من الليرة اللبنانية، مما يضطرهم إلى شراء الدولار من الصراف بقيمة أعلى من السعر الرسمي لأن المصرف أوقف عملية التحويلات من الليرة إلى الدولار بسبب أزمة شح العملة الخضراء، وحتى التحويلات التي تأتي بالدولار من الخارج يتم صرفها بالليرة اللبنانية. كما بدأت البنوك بإجبار العملاء على سحب أموالهم من الصرافات الآلية بالليرة حصراً حتى وإن كانت حساباتهم المصرفية بالدولار، ووضعت عمولة على السحوبات بالدولار تتراوح ما بين 5 و10 آلاف، وعلى صرف الشيكات والتحويلات الخارجية.

وعلى خلفية كل هذه القرارات والقيود، قفز سعر صرف الدولار في السوق اللبناني إلى 2000 ليرة مقابل الدولار الواحد، وهو ما يزيد بـ50% عن السعر الرسمي عند 1501-1514 ليرة، وبات المستوردون غير قادرون على تأمين الأموال لتسديد ثمن البضائع الأساسية، مما أدى إلى نقص في الإمدادات الغذائية والطبية، خاصة وأن لبنان يعتمد بشكل كبير على الاستيراد، حيث أن 80% من قطاع الأغذية يعتمد على الاستيراد، وفقاً لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة.

 وعليه، أعلن اتحاد نقابات موظفي المصارف عن إضراب عام لأول مرة منذ اندلاع الاحتجاجات، في تاريخ 12 نوفمبر/ تشرين الثاني، حتى “عودة الهدوء إلى الأوضاع العامة التي يحتاجها القطاع المصرفي لمعاودة العمل بشكله الطبيعي المعتاد”، ذلك بعد أن تعرض بعض موظفي القطاع المصرفي لاعتداءات جسدية ولفظية من العملاء الغاضبين، مما أثار حالة من الفوضى وأدى إلى “ظروف عمل غير مقبولة”.

وبعد مرور أسبوع، عادت المصارف اللبنانية إلى العمل بعد أن عقدت نقابة موظفي المصارف اجتماعاً مع جمعية المصارف اللبنانية لبحث الإجراءات الأمنية المتخذة لحماية القطاع.

وبسبب مماطلة الحكومة الحالية في اتخاذ إجراءات حاسمة والشروع في الاستشارات النيابية لتشكيل حكومة الإنقاد “التكنوقراطية”، استمرت أوضاع البلاد في التدهور، مما دفع بالهيئات الاقتصادية التي تضم أغلب الصناع والمصرفيين في القطاع الخاص للإعلان عن إضراب عام بدءاً من تاريخ اليوم 28 نوفمبر/ تشرين الثاني، إلا أنها علقته فيما بعد، بعد أن رفضت المصارف المشاركة فيه، ونسبة للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد واحتياج الموظفين للحصول على رواتبهم.

إلا أن نقابة الصرافين لم تتراجع، وأعربت عن استنكارها وشجبها الشديدين لما وصل إليه سعر صرف الليرة من انخفاض، وأكدت رفضها لاستمرار انخفاض قيمة العملة الوطنية لكونها تتأثر بالأزمة، إذ أن عمليات البيع والشراء تستنزف رساميل الصرافين وتهدد وجودها لأن غلاء أسعار السلع الاستهلاكية يؤثر على جميع القطاعات ومن بينها قطاع الصرافة.

إضراب قطاع المحروقات

تتفاقم أزمة المحروقات مع تفاقم أزمة شح الدولار وتشدد المصارف في بيعه بسبب اعتماد القطاع على الدولار لتأمين استيراد مشتقات النفط، خاصة بعد أن أعلنت شركات النفط الكبرى أنها ستتوقف عن تسليم المشتقات النفطية لأصحاب المحطات بالليرة اللبنانية وستعود إلى اعتماد الدولار، في حين يقومون ببيعها بالليرة اللبنانية للمستهلكين في المقابل، مما ألحق خسائر كبرى ومتتالية بالقطاع، لذا بدأ عدد من أصحاب المحطات بتنفيذ إضراب مفتوح من صباح اليوم وقاموا بتعليق لوحة “نعتذر من الشعب اللبناني بسبب عدم توفر الدولار لشراء المحروقات، تقفل محطتنا قسراً لحين توفر البضاعة بالليرة اللبنانية”، وسرعان ما تحول إلى إضراب رسمي أعلنته نقابة موزعي المحروقات في لبنان وأصحاب المحطات في اجتماع طارئ، ليشمل كل الأراضي اللبنانية.

وعليه، تزاحم العشرات والمئات أمام المحطات لتأمين احتياجهم من الوقود في صورة سريالية شبيهة بالحرب الأهلية اللبنانية، لتضاف أزمة الوقود إلى أزمة الخبز والدواء على عاتق المواطن اللبناني، مع استمرار واستسلام أحزاب السلطة لحالة الإنكار وتحول تضارب مصالحها دون التوصل إلى الاتفاق على حكومة إنقاذية تخلص البلاد من كل هذه الأزمات المتراكمة، فهل سيكون الإضراب العام بمثابة الورقة الثورية الناجحة للضغط على الحكومة لتشكيل حكومة الإنقاذ أخيراً؟

 

اقرأ المزيد: 

احتجاجات لبنان: آخر التطورات حتى الساعة