أخبار الآن | دمشق – سوريا (آية الحسن)

على أبواب الذكرى الخامسة لاندلاع الثورة السورية وتحت شعار "الثورة مستمرة"، يبدو كل شيء مختلف عمّا سبق، الناس أكثر حماسة وتفاؤل، وكأننا عدنا إلى نقطة البداية في الأيام الأولى من الثورة.

بعد أن عادت المظاهرات السلمية عودتها الحيوية إلى جميع المناطق المحررة، باتت الحسابات السياسية والعسكرية مختلفة اليوم، الكل يتحدث عن الفيدرالية إذا ما استمر الحراك المدني بشكله هذا، إلى جانب الكثير من التنبؤات والتساؤلات حول مصير الدواعش في الشمال واعتداءاتهم المستمرة، وممارسات جبهة النصرة في إدلب، من يدعم المظاهرات ومن يقف ضدها.

ولكن بعد عودة الشعارات الأساسية المتبناة منذ الانطلاقة الأولى لجملة "الشعب يريد إسقاط النظام"، تصبح هذه فعلاً ذكرى سنوية مختلفة عن السنوات الفائتة، أمل جديد وطاقة لم تخمد رغم الحرب التي أرهقتها.

دمشق ليست على خارطة الثورة

عمد النظام، خلال أعوام الثورة الفائتة، إلى تحصين العاصمة وإبعادها عن كل النشاط الثوري الشعبي الذي كان يدور حولها، خصوصاً في ريف دمشق، إلاّ حدوث بعض الاستثناءات التي كانت تفاجئه وتخيب أمله، وهي تلك المظاهرات التي كانت تحدث في عدة مناطق مثل الميدان وكفرسوسة، دف الشوك، التضامن، مخيم اليرموك، والتي لقيت بعدها هذه المناطق عقاباً أليماً.

فقد استطاع النظام إبعاد بعض المناطق جغرافياً وتحييدها مثل "مخيم اليرموك" الذي ما زال تحت حصار خانق إلى اليوم، وخصوصاً قربه من بلدات "يلدا وببيلا" في ريف دمشق، تلك التي قامت فيها تظاهرات لم تخمدها إلا دبابات النظام ومدافعه. إلى جانب ذلك كان كل شيء في وسط العاصمة مُسيطر عليه تماماً، لم يخرقه إلاّ بعض السيارات المفخخة.

قبل ذلك، شهدت العاصمة بعض الحركات السلمية من قبل بعض الناشطين الشبان كوقفات صامتة ولافتات كُتبت عليها عبارات منددة بالقتل، وبالتأكيد سيّق الجميع من بعدها إلى الاعتقال.

كل ذلك التشديد الأمني الخانق أخرج دمشق عن خارطة الثورة السورية وأبقاها تحت السيطرة الأمنية المضاعفة، والتي لن تخرج منها طالما الأسد باق فيها.

دمشق حصن النظام

اليوم، وبعد كل التغييرات المفاجئة على الأرض السورية بقيت دمشق خارجها، وبشكل مؤسف بات ينعي الجميع أمر تفرد النظام بالعاصمة السوريّة بشكل مؤلم، لا ترى أيّ ردة فعل على كل المجريات المتسارعة، لا أعلام مرفوعة ولا مظاهرات ولا حناجر صادحة بالهتافات، حتى المناطق التي انبرت قبل خمسة أعوام وتسارعت للنهوض بالمظاهرات باتت اليوم خائفة تحت تهديد الاقتحام والاعتقال، ليس فقط بسبب قرب المقرات الأمنية والحواجز العسكرية التي جعلت من دمشق نتفاً صغيرة مقطعة، بل بات الشغل الشاغل عند أهالي دمشق هو تأمين الأساسيات لبقائهم على قيد الحياة، وهذا أكثر ما بات يؤرقهم.

يقول الناشط "ن. أ" من دمشق: "هذا التهميش والإبعاد فعل ممنهج من قبل النظام على مدار خمس سنوات، أراد منها زج دمشق وأهلها معه في صراعه مع ما يسميهم الإرهابين، وحوّل كل مواطن إلى عسكري متطوع للخدمة والدفاع عن شيء يؤمن بوجوده هو فقط".

ويتابع الناشط الميداني "أمجد. س": "زادتنا عودة المظاهرات تفاؤلاً وأملاً بحقيقة الثورة التي لم يستطع كل قمع النظام أن يثنيها عن مطالبها، ولكن هذا مفيد فقط في المناطق المحررة، لا نتائج له في دمشق، بالنسبة للدمشقيين الأمر هنا مختلف، لم يعد هناك ناشطين فعليين على الأرض لإعادة الحراك، فالأغلبية سافروا واكتفى البعض الأخر بالسكوت والانتظار خوفاً".

تقول الطبيبة "مريم" 45 عاما: "من أفضل الأشياء التي حدثت مؤخراً هي عودة علم الثورة والهتافات السلمية، ومن المفيد أيضاً أن تأتي الذكرى الخامسة خلال هدنة وقف الأعمال العدائية، ولكن بعد ذلك لا يمكن التنبؤ بأي شيء، الأمور ضبابية ولا نعرف على ماذا نحن مُقبلين".

إلى جانب الخنق والتهديد هناك عدة عوالم جعلت من العاصمة بعيدة عن الثورة، وبدا هذا الأمر واضحاً جداً اليوم، عندما أصبح الجميع يترقب التغييرات المنتظرة خلال الهدنة، وبعد أن تنفس البعض الصعداء وتأملوا بحلولٍ تنهي مأساة شعب ضاق الأمريّن، جاء كثيرين ليقولوا هذا لن يحصل.

رغم كل التفوق المعنوي للمتغيرات على الأرض، توجد الكثير من الخروقات التي يقوم بها النظام في عدة مناطق من سوريا، إلى جانب خروقات من نوع آخر كرفض بعض الفصائل المسلحة الاعتراف بشريعة رفع علم الثورة ومهاجمة من يُقدم على ذلك.
لربما كانت هذه الذكرى السنوية إيجابية إلى حد الكبير بالمقارنة مع ما كان يجري على الأرض قبل أشهر، إلاّ أن روح الثورة والحراك لم تدخل إلى الكثير من المدن السورية، وخصوصاً دمشق، ولكن نبقى على أمل بأن العنقاء ستعود مرةً ثانية للنهوض في وجه الطاغية.