أخبار الآن | اسطنبول – تركيا (جابر المر)

بعد فرضه حصارا مذلا ومليئا بالحقد، قام النظام في الشهر الماضي باقتراح حل لـ "المسلحين" حسب تسميته للثوار في بلدة قدسيا، أفضى إلى إخراج 130 شخصا من البلدة باتجاه محافظة إدلب المحررة. تناولت وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي رحلة عبورهم من الحصار إلى الحرية في إدلب دون الولوج إلى صلب المشكلة ودون غوص في التفاصيل.

الهدنة والخروج

أعلن النظام أسماء المسلحين المطلوب منهم الخروج في بلدة قدسيا، بعضهم قبل، وبعضهم الآخر رفض الخروج، وكثرت حجج من ود البقاء، ففيهم من لم يأمن جانب النظام ولم يتوقع أن يتم الأمر دون اعتقال أو تصفية لأحد، ومنهم من صعب عليه أن يترك سلاحه ويخرج من المنطقة.

إلا أن الجانب الآخر للموضوع هو الشباب النشطاء المدنيين وأسرهم إن كانوا من أبناء قدسيا أو الهامة، الجارة المحاصرة، والتي لم يبادرها النظام بأي بارق حل لحصار مفروض عليها منذ قرابة الخمسة أشهر، وصل الخبر لمدنيين يطلبهم النظام لمجرد أن هناك تقارير رفعها عملائه بحقهم، أو لمجرد انتمائهم لأسر معينة لعب معظم شبابها دورا هاما في الثورة في كلا المنطقتين.

وإلى إدلب

الشباب الذين لم يدركوا كيف سيخرجون من البلدة التي أنهكها الحصار وأنهكهم، ولم يعد للعمل فيها من بارقة أمل إذ تعتبر المنطقتين بحكم الساقطتين عسكريا بسبب محاصرة النظام لها بمناطق سيطرته وبكتائبه العسكرية، وعدم وصول الإمداد العسكري للمقاتلين داخلهما، أولئك الشباب وجدوا الفرصة سانحة للنجاة بأسرهم نحو الشمال السوري الذي كان انطباعهم عنه على حد تعبير "فواز محمد" أحد النشطاء الخارجين: "حرية على مد النظر، إدلب تجعلك أكثر تفاؤلا بالنصر من المناطق المحاصرة، أنا لم أكن قد رأيت منذ بداية الثورة إلى اليوم مناطق شاسعة تسير فيها السيارة ولا يغيب عن ناظريك علم الثورة، شعور لا أستطيع وصفه في تلك اللحظات".

وصل المقاتلون والنشطاء وأسرهم إلى بلدة كفرنبل في ريف إدلب، كفرنبل التي عرفها السوريون من خلال لافتاتها ولطالما تمنى أبناء الريف الدمشقي كقدسيا والهامة زيارتها بصفتها معلما من معالم الثورة السورية، هناك اهتمت كتيبة "فرسان الحق" باستضافة القادمين من دمشق، ووزعتهم على البيوت، تقول "تالة": "لقد أكرموا ضيافتنا، وعاملونا معاملة حسنة كنا نقف أمامهم خجلين من كم الكرم والترحيب، كفرنبل التي حلمنا بزيارتها لم تخالف خيالنا ولم تبخل علينا بشيء".

والقدوم إلى اسطنبول

من كفرنبل، قرر البعض البقاء ونصف المجموعة الخروج من الأراضي السورية باتجاه تركيا، لأنهم لا يعرفون طبيعة المكان الذي أتوا إليه ولا يعرفون ما الدور الذي ينبغي عليهم لعبه في هذه المنطقة، وبالتحديد أصحاب الأسر حيث خرجوا من هناك بعد أن أمنهم الأهالي مع مهربين أدخلوهم الأراضي التركية وساعدوهم على اجتياز الحدود الوعرة ليلا لتنتهي رحلاتهم المرعبة في الداخل ويلجون إلى العالم الجديد.

من هناك ركب "فراس" وأسرته المكونة من زوجته وبناته الثلاث الصغار إلى اسطنبول، ليجد نفسه في صبيحة اليوم التالي في واحدة من أكبر المدن في العالم، وبدأت رحلة البحث عن عمل، فراس الذي كان مديرا لأحد المؤسسات التنموية في الهامة المحاصرة بات يبحث عن أي نوع عمل يحميه وزوجته وأطفاله بعد أن انفردت به الغربة.

تواصل فراس مع عدد من المنظمات التي اشتكت من عدم وجود الدعم الكافي لديهم لتشغيله، واضطر أن يتنازل عن كل خبراته السابقة ليعمل بالكهرباء من أجل تكاليف الحياة في اسطنبول، لا يؤلمه أن يعمل في الكهرباء، بل يؤلمه الابتعاد عن الثورة يقول: "عندما خرجت من البلد لم أخرج لأعمل بالكهرباء، ولا لأن الثورة انتهت، بل خرجت لأن العمل من داخل الهامة وقدسيا بات أشبه بالمستحيل في ظل الظروف التي يفرضها النظام، وأريد اليوم أن أتابع العمل الثوري من هنا من تركيا، اليوم أعمل بالكهرباء، إلى أن أستطيع إيجاد مؤسسة تهمها الخبرة التي اكتسبتها خلال أعوام الثورة الخمسة، فأفيد الثورة وأواصل من حيث أستطيع أن أقدم شيئا لأهلي في الداخل".

حال فراس كحال الكثير من اللاجئين الذين اضطرهم البعد عن سوريا للعمل خارج إطار الثورة السورية، لكن أعينهم ترنو إلى الداخل وأحداثه، يرقبون الساعة التي يستطيعون فيها بذل أي جهد من أجل إسقاط النظام المجرم الذي شردهم وغير شكل حياتهم.