الانقلاب العسكري في غينيا قاده العقيد مامادي دومبويا في الخامس من شهر سبتمبر الحالي

ألقى الانقلاب العسكري في غينيا والذي قاده العقيد مامادي دومبويا في الخامس من شهر سبتمبر الحالي، الضوء على الأوضاع السياسية والاقتصادية غير المستقرة في البلد ذي الموارد الغنية، وسط تنديد دولي بالانقلاب الذي أسفر عن إلقاء القبض على رئيس البلاد ألفا كوندي، وتسلم قائد كتيبة جنود النخبة العقيد مامادي دومبويا مقاليد الحكم في غينيا.

  • انقلاب غينيا يطرح تساؤلات عن مصير الاستثمارات الروسية الصينية في البلد الأفريقي
  • غينيا تضم ثروات طبيعية ضخمة وخاصة من مادة البوكسيت الداخلة في صناعة الألمنيوم
  • الانقلاب ألقى بظلاله على أسعار أسهم شركات الألمنيوم العالمية
  • الصين أحد أكبر مستوردي البوكسيت من غينيا
  • روسيا عملت على دعم الرئيس المخلوع ألفا كوندي لتمديد حكمه إلى ولاية رئاسية ثالثة
  • طباخ بوتين وشخصيات دبلوماسية واستخباراتية روسية سيطرت على مقدرات البلاد في غينيا
  • مصير مجهول ينتظر الاستثمارات الروسية في غينيا بعد الانقلاب

وفي انتظار المستجدات التي ستطرأ على المشهد الغيني، في ظل الأوضاع السياسية والعسكرية الجديدة، يبقى مصير العلاقات الغينية مع روسيا والصين مجهولاً، وخاصة أن موسكو وبكين كانتا تعتبران غينيا احدى أهم حلفائها في أفريقيا، ولهما مصالح وأطماع في ثروات البلاد الهائلة وخاصة من مادة “البوكسيت” التي تدخل في صناعة الألمنيوم، حيث تعتبر غينيا أحد أكبر مصادر تلك المادة في العالم.

غينيا

جنود من الجيش يقفون في حاجز بعد الانتفاضة التي أدت إلى الإطاحة بالرئيس ألفا كوندي في حي كالوم بكوناكري رويترز

 

انقلاب غينيا ومخاطر التوريد على الألمنيوم الصيني

بعد وقوع الانقلاب في غينيا، ارتفعت أسعار أسهم الألمنيوم في العالم؛ وتم تداول الألمنيوم بالقرب من أعلى مستوياته منذ عام 2011 بعد أن أثار الانقلاب العسكري في غينيا حالة من عدم اليقين في جزء رئيسي من سلسلة التوريد العالمية للمعدن.

غينيا

لقطة شاشة من مقطع فيديو تم نشره على وسائل التواصل الاجتماعي يُزعم أنه يُظهر رئيس غينيا ألفا كوندي محتجزًا من قبل القوات الخاصة التابعة للجيش في كوناكري – رويترز

 

وعلى الرغم من التطمينات التي أرسلها زعيم الانقلاب العقيد مامادي دومبويا يوم الإثنين، من أنه يريد “استمرار الإنتاج” في التعدين، والالتزام باتفاقيات المناجم القائمة، إلا أن مستثمرو السلع الأساسية باتوا يراقبون عن كثب الانقلاب.وما قد ستؤول إليه الأوضاع في البلد الأفريقي.

يتعلق الأمر كله بالبوكسيت، وهو خام أحمر غير معالج، تتم معالجته ليصبح الألمنيوم اللامع المستخدم في السيارات وعلب المشروبات.

ومنذ عام 2015، برزت الدولة الواقعة في غرب إفريقيا كمنتج رئيسي للبوكسيت، حيث تم إرسال جميع صادراتها تقريبًا إلى صناعة الألمنيوم الضخمة في الصين التي تستورد أكثر من نصف البوكسيت من غينيا. وساعد توفر مادة البوكسيت الغيني عالي الجودة ورخيص الثمن في ترسيخ مكانة الصين كمنتج رائد عالميًا في إنتاج الألمنيوم. لكنه يترك أيضًا سوق الألمنيوم العالمي عرضة للاضطرابات في الدولة الأفريقية. ويُستخرج خُمس الألومنيوم الموجود في العالم من المواد الخام الغينية.

غينيا

معالجة البوكسيت في غينيا – Getty Images

ومن المعروف أن أي اضطرابات تصيب أي دولة في العالم، قد تعني ارتفاع أسعار المواد الخام فيها، وهو ما شهدناه في قطاع الألمنيوم في الصين الذي يتعرض بالفعل لضغوط من زيادة أسعار الطاقة والحملة الحكومية على الصناعات الملوثة.

 

غينيا

تحصل الصين على أكثر من نصف وارداتها من البوكسيت من غينيا – بلومبيرغ

 

الرابحون والخاسرون!

كان الخاسر الأكثر وضوحًا في التداول يوم الاثنين الماضي،  “China Hongqiao Group Ltd”، وهي جزء من مجموعة الألمنيوم المقيدة بشكل وثيق والتي كانت رائدة في شراء البوكسيت الغيني. وذكر تقريرها السنوي لعام 2020 أن الشركة “حافظت على طاقة إنتاجية سنوية من البوكسيت” في غينيا بمعدل بلغ 50 مليون طن. وبلغ إجمالي واردات الصين العام الماضي 111 مليون طن. وارتفعت الأسهم بنسبة تصل إلى 5.1 في المائة يوم الثلاثاء الماضي، منتعشة من انخفاضات يوم الاثنين.

غينيا

مؤشر يظهر ارتفاع أسعار أسهم شركات الألمنيوم بعد انقلاب غينيا – بلومبيرغ

 

وكان من بين المستفيدين الكبار المنتجون المرتبطون بالألمنيوم خارج الصين. وصعدت أسهم الشركة الروسية المتحدة “روسال إنترناشونال بي جي إس سي” إلى ما يقرب من 15 في المائة، أي إلى أعلى مستوياتها منذ 2012 يوم الاثنين الماضي. كما ارتفعت أسهم شركة “ألومينا” الأسترالية المحدودة بنسبة 9 في المائة، وسط رهانات على أن الصين قد تحتاج إلى البحث في مكان آخر عن المواد اللازمة لتغذية صناعة الألمنيوم لديها.

ومن الجدير بالذكر أن غينيا تعتبر أيضًا موطن “سيماندو”، وهو مشروع خام حديد عملاق غير مطور مع داعمين بما في ذلك مجموعة “ريو تينتو” ومجموعة “الصين باوو” للصلب أكبر منتج عالمي للصلب. وترى الصين أن “سيماندو” قد تشكل أفضل رهان لصناعة الصلب لديها لتعويض الاعتماد على خام الحديد الأسترالي والبرازيلي، وستراقب عن كثب أي تغييرات محتملة في بيئة الاستثمار في كوناكري.

 

غينيا

حجم الاستثمارات من مادة البوكسيت – بلومبيرغ

 

حلم بوتين في أفريقيا

روسيا بدورها لم تغفل عن أهمية الموارد الطبيعية في غينيا، وعملت بشكل حثيث على ضمان استقرار مشاريعها وتثبيت نفوذها في البلد الأفريقي، فأرسى اجتماع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نظيره الغيني ألفا كوندي في شهر أكتوبر عام 2019، أسس تثبيت أطماع موسكو في غينيا.

في ذلك الوقت، عمل بوتين على تعزيز نفوذ بلاده في إفريقيا من خلال استضافة القادة الأفارقة في قمة استمرت يومين في مدينة سوتشي الواقعة على البحر الأسود. وكان الرئيس الروسي يحاول إحياء الروابط القديمة التي أقامها الاتحاد السوفيتي مع كثير من الدول وخاصة دول أفريقيا.

 

غينيا

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الغيني ألفا كوندي خلال اجتماع على هامش القمة الروسية الأفريقية لعام 2019 – Getty Images

 

وكان الاتحاد السوفيتي قوة مهيمنة في إفريقيا خلال الحرب الباردة، حيث استغل الإرث الاستعماري الغربي لدعم حركات الاستقلال وبناء النفوذ في القارة، وكسب دعم السكان والنخب على حد سواء. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، انهارت أو تلاشت العديد من هذه الروابط حيث قلصت روسيا المنهكة طموحاتها العالمية، لكن الدعم السوفيتي لا يزال يُذكر باعتزاز في العديد من العواصم الأفريقية، على غرار روابط حقبة الحرب الباردة مع سوريا ونظام الأسد.

ويمكن بالفعل قراءة نوايا موسكو في جميع أنحاء القارة بعد الكشف عنها عام 2019، في وثائق مسربة نشرتها وحدة تحقيق بتمويل من رجل الأعمال الروسي المنفي ميخائيل خودوركوفسكي وتم مشاركتها مع صحيفة الغارديان. ووفقًا للوثائق، سعت موسكو إلى إخراج الولايات المتحدة والقوى الاستعمارية السابقة مثل المملكة المتحدة وفرنسا من المنطقة، كما سلطت تلك الوثائق الضوء على مشاركة روسيا في 13 دولة، بعمليات تضمنت جمع المعلومات، ودعم التنمية، والعلاقات الاقتصادية، ومبيعات الأسلحة، والأمن، ومجالات أخرى، بهدف إقامة علاقات قوية وموثوقة مع القادة الأفارقة وإبقائهم في السلطة.

وفي جمهورية إفريقيا الوسطى التي كانت تحت رحمة الحرب الأهلية المستمرة، شحنت موسكو طائرات من الأسلحة إلى البلاد، إلى جانب خمسة من أفراد القوات المسلحة وأكثر من 200 متعاقد عسكري خاص لتدريب المئات من قوات النخبة، في حين أن “فاليري زاخاروف”، وهو مسؤول مخابرات روسي سابق، أضحى مستشار الأمن القومي للرئيس “فوستين أرشانج تواديرا”.

غزل بين بوتين وكوندي

حاول كوندي قبل الإطاحة به، إيجاد طريقة للبقاء في السلطة بعد انتهاء ولايته الثانية – والأخيرة من الناحية القانونية – في شهر أكتوبر المقبل. وكان الرئيس الغيني كشف في أواخر عام 2019 النقاب عن دستور جديد مقترح قد يسمح له بتمديد حكمه.

 

غينيا

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الغيني ألفا كوندي يتصافحان خلال اجتماع على هامش قمة روسيا وأفريقيا 2019 – Getty Images

 

روسيا استغلت حاجة كوندي إلى الدعم ليبقى في ولاية رئاسية ثالثة، فألقت بثقلها وراء حملة كوندي غير المعلنة، وهذا جعل غينيا، صاحبة أكبر مخزون من البوكسيت في العالم تقبع تحت رحمة موسكو وأطماعها.

 

أصابع طباخ بوتين تعبث بأفريقيا

وكما هو معتاد، لعبت أصابع رجل الأعمال الروسي سيئ السمعة  “يفغيني بريغوجين”  بمقدرات دول أفريقية عديدة، ووفقًا للوثائق المسربة، فإن حقيبة أنشطة روسيا في أفريقيا،  يديرها يفغيني بريغوجين، أو كما يعرف بـ”طباخ بوتين”. وكان له أنشطة بارزة عبر مجموعة فاغنر من المرتزقة الروس، في أوكرانيا وسوريا والسودان وجمهورية إفريقيا الوسطى مقابل امتيازات الذهب والماس. كما ينشط مرتزقته في مناطق إستراتيجية أو غنية بالمعادن في القارة السمراء، مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية وليبيا.

 

غينيا

يفغيني بريغوجين رفقة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين

 

وبالعودة إلى صلب موضوعنا عن مئال الاستثمارات الأجنبية وهنا نتحدث عن الروسية في غينيا بعد الانقلاب العسكري، لابد أن نتذكر أن الرئيس ألفا كوندي سعى قبل الإطاحة به إلى فترة ولاية ثالثة غير دستورية. وقد تلقى دعمًا عامًا من السفير الروسي السابق ألكسندر بريجادزه لتعديل حدود الولاية الرئاسية في الدستور قبل الانتخابات هذا العام.

وبعد ترك منصبه كسفير، تولى بريجادزه وظيفته في شركة الألمنيوم الروسية روسال. وهو الآن يرأس الوحدة الرئيسية للشركة في غينيا، موطن أكبر مصالحها في التعدين.

عقبات ولكن..

تواجه عودة روسيا وطموحاتها في إفريقيا عقبات كبيرة بسبب اقتصاد القارة الهش والركود الاقتصادي فيها. وتعد روسيا بالفعل أكبر مصدر للأسلحة إلى إفريقيا وقد وقعت اتفاقيات تعاون عسكري مع 28 حكومة أفريقية على الأقل. كما تستثمر الشركات الروسية المملوكة للدولة، والتي تم استبعادها إلى حد كبير من الأسواق الغربية في النفط والغاز والطاقة النووية في القارة السمراء.

الأبرز والذي يمكن أن نلخص فيه ما ستؤول إليه أوضاع الاستثمارات الروسية والصينية وغيرها في غينيا، ماذ يمكن أن تفرز صراعات المصالح بين الدول الكبرى في البلد الأفريقي؟، وهل سيتمكن الرئيس الغيني والذي أضحى مصيره مجهولا من إعادة قبضته على السلطة؟ وكيف سيتعامل أصحاب النفوذ الجدد في غينيا مع الاستثمارات الروسية والصينية؟ وهل سيشهد البلد الأفريقي عودة للمصالح الغربية على حساب المصالح الروسية والصينية؟!