لماذا استبدلت روسيا ميدفيدشوك بمقاتلي آزوف؟

  • أتمت موسكو في يوم الحادي والعشرين من سبتمبر (أيلول)، صفقة لتبادل الأسرى مع الجانب الأوكراني
  • لم يتم التمهيد مسبقاً لهذه الصفقة ولا حتى الإعلان عنها من قبل الجانب الروسي

أتمت موسكو في يوم الحادي والعشرين من سبتمبر (أيلول)، صفقة لتبادل الأسرى مع الجانب الأوكراني بوساطة سعودية-تركية، في جو خيم عليه الغموض، حيث لم يتم التمهيد مسبقاً لهذه الصفقة ولا حتى الإعلان عنها من قبل الجانب الروسي، وتابعها الروس من خلال وسائل الإعلام الأوكرانية والغربية، بينما لم يصدر بيان رسمي من الجانب الروسي حتى كتابة هذا التقرير.

بحسب المعلومات التي تم تداولها في وسائل الإعلام الروسية المقربة من الكرملين، تم تبادل أكثر من 200 مقاتل تابع لفوج آزوف مقابل الأوليغارشي الأوكراني الموالي لموسكو فيكتور ميدفيدشوك. في المقابل عاد أكثر من 50 جنديًا روسيًا، بما في ذلك الطيارون إلى ديارهم، ويتوقع عودة 32 مقاتلاً آخر في الأيام القليلة القادمة. بحسب المراسلين العسكريين، تم إرسال 10 مقاتلين أجانب إلى السعودية، كانوا قد تطوعوا للقتال إلى جانب الأوكرانيين، من بينهم المواطنون البريطانيون أيدن أيسلين وشون بينر وأندرو هيل وجون هاردينغ وديلان هيلي، والأمريكان ألكسندر دريوك وآندي هيون، والمغربي إبراهيم سعدون، والكرواتي فيكوسلاف بريبيغ. وقد صدر ضدهم في السابق أحكام بالإعدام في روسيا وجمهورية دونيتسك الشعبية، الغير معترف بها.

آثار هذا الإعلان المفاجئ بجانب صمت السلطات الروسية، ومشهد استقبال مقاتلي فوج أزوف استقبال الأبطال في كييف مقابل استقبال غير رسمي في مطار مُظلم للأسرى الروس، ومبادلة 200 مقاتل تم تصنيفهم وفق الخطاب الروسي الرسمي على أنهم “نازيين جدد”، بشخص واحد مثل ميدفيدشوك، الذي يتهم على نطاق واسع من قبل القوميين الروس بأنه ضلل موسكو، ولم يقم بالدور الذي كان ينبغي عليه فعله في إثارة سكان المدن الشرقية والجنوبية ضد السلطات الأوكرانية. يأتي هذا الإعلان وسط حالة متزايدة من السخط داخل أوساط القوميين والمؤيدين للكرملين ولما تسمى روسيًا “العملية العسكرية الخاصة”. يرصد هذا التقرير أبرز ردود فعل هذه الجهات على ما تسرب من اخبار حول الصفقة المثيرة للجدل.

صفقة تبادل أسرى مثيرة للجدل.. مقاتلو آزوف مقابل ميدفيدشوك

أسرى الحرب من روسيا، يغادرون الطائرة العسكرية عند وصولهم إلى مكان مجهول في روسيا بعد تبادل الأسرى مع أوكرانيا.. المصدر: وزارة الدفاع الروسية / رويترز

شكرًا لكِ يا روسيا!

بهذا التعليق الساخر، كتب الصحفي واليوتيوبر الأوكراني الموالي لروسيا، أناتولي شاري، تحت صورة دميترو كوزاتسكي، المتحدث الإعلامي باسم كتيبة فوج آزوف، بعدما تم إطلاق سراحه، قائلاً شكراً لكِ يا روسيا! أخيراً كوزاتسكي، تم تحريره بلا أي مقابل”. ساخراً من أحاديث الإعلام الروسي الرسمي وكذلك تصريحات المسؤولين، التي تحدثت في السابق عن وضع مقاتلي فوج آزوف في أقفاص، ومحاكمتهم في ماريوبول”.

زيلينسكي سيعيد النازيين الذين سيقضون عليه!

كما تحدث شاري، بشكل ساخر عن التغطية الإعلامية المتوقعة من الاعلام الحكومي، قائلاً، سيخرجون علينا غداً لو قرروا إخبار الشعب بالحقيقية للقول: زيلينسكي سيعيد النازيين الذين سيقضون عليه! – هل يجب علينا إطعامهم والاحتفاظ بهم إلى الأبد؟ دع كييف تطعمهم! – لا يوجد أحد أثمن من الجندي الروسي – لو عادوا مرة أخرى لقتالنا سنمسك بهم من جديد! دعوهم يعانون في أوكرانيا في شققهم الباردة!”. موضحاً كيف أن هذه الصفقة في صالح كييف، بعدما ذكر تصريحات الرئيس الأوكراني: “زيلينسكي، لقد استبدلنا 200 من أبطالنا بميدفيدتشوك، الذي قدم بالفعل كل المعلومات التي كنا بحاجة لها في التحقيق، بجانب 5 من أبطال مصنع آزوفستال – مقابل 55 سجيناً روسياً لا قيمة لهم”. متسائلاً عن سبب تدمير مدينة ماريوبول، وما هو تبرير السلطات الروسية لسكانها بعدما أفرجت عمن وصفتهم بأنهم “نازيين خطرين”: لماذا دُمرت ماريوبول تقريباً، منازلنا وجيراننا قتلوا؟ لماذا فقدنا كل شيء؟ حتى يصبح مقاتلي آزوف، الذين قاتلونا حتى قبل الحرب أبطالاً؟” بالتأكيد سترد الحكومة الروسية بالقول: “هذا ليس من شأنك، لقد جئنا لتحريرك من النازية، فكن ممتنًا لنا”.

صفقة تبادل أسرى مثيرة للجدل.. مقاتلو آزوف مقابل ميدفيدشوك

أسرى حرب تم إطلاق سراحهم من الأسر الروسي، تشيرنيهيف، أوكرانيا. المصدر: رويترز

أوكرانيا الأمة مقابل روسيا القرون الوسطى

بينما علقت قناة “كوميسار إيشيزايت”، ذات التوجهات القومية، على الصفقة بالقول: أوكرانيا باتت دولة من المستوى الرفيع، حيث أصبح لديها الآن أمة وجمهورية مقابل روسيا ذات المستوى المنخفض في هذا الاتجاه، حيث يوجد ما يشبه بالديوان الملكي القروسطي وشعب لا دور له في الحياة العامة. الجنود الروس الذين تمت معاملتهم بشكل متدني بعد إطلاق سراحهم من الأسر وإحضارهم سراً إلى مطار فارغ قارنهم بمقاتلي آزوف رفيعي المستوى الأبطال المنتصرون للأمة الأوكرانية. قارن كل ذلك أيضًا بما حدث مع الأوليغارشي الأوكراني الموالي للكرملين ميدفيدتشوك رفيع المستوى، إنها مأساتنا، نظام قائم على عقلية البويار”. تكمن مشكلة روسيا في أنه “لم يعد من الممكن إنشاء أمة وجمهورية في العالم الحديث، لقد تأخرنا كثيرًا”. كانت أوكرانيا قادرة على فعل ما فعلته – فقط وحصريًا لأنها باعت الحرب ضد روسيا للعالم.

حسنًا، نحن لن نتمكن من بيع أي شيء من نفس النوع “ربما باستثناء الحرب ضد الصين – بنتيجة سريعة جدًا ويمكن التنبؤ بها في المستقبل”. بالمناسبة، أنا لا أستبعد أن تكون هذه هي الخطة الحقيقية لـ “روسيا الجميلة في المستقبل”. نتعارك مع الغرب للوصول لصفقة نقاتل بعدها معه بكين. المشكلة في عدم وجود مجتمع مدني روسي وحكومة مسؤولة أو حتى تدعي اهتمامها بشعبها على سبيل النفاق.

صفقة تبادل أسرى مثيرة للجدل.. مقاتلو آزوف مقابل ميدفيدشوك

أوكرانيا، كما نرى ونعرفها الآن، أصبحت بنسبة مائة بالمائة عدو للشعب الروسي، قاسية بلا حدود ومتغطرسة بلا حدود. لكن الاتحاد الروسي عبارة عن سلطنة عفا عليها الزمن تدار من قبل مافيا، يبدو من المستحيل الحصول على إلى روسيا التي كنا نحلم بها، لكن في المقابل لا يمكننا الذهاب إلى أي مكان آخر – هذه هي الحياة!

الحكومة الروسية لا تفهم الشعب الذي تحكمه!

في استعارة من مقولة الزعيم السوفيتي السابق يوري أندروبوف، علقت قناة “ميغ” ذات التوجهات القومية اليسارية، على صفقة تبادل الأسرى، مستخدمة عبارة أندروبوف، الذي قال: “نحن لا نعرف البلد الذي نعيش ونعمل فيه”، بينما ردت القناة بالقول: “تبين أن المعلومات حول تبادل ميدفيدشوك صحيحة. لا توجد كلمات، باستثناء شيء واحد: الحكومة لا تفهم المجتمع الذي تعيش فيه، وأولئك الذين ستعبئهم. مختتمة تعليقها: “أفضل طريقة لعدم الانبهار مما يحدث حولنا، هي قراءة ما كتبه ماركس وأتباعه عن الوطنية من الأعلى في المجتمع الرأسمالي. تذكر هذا، وسيصبح المسار الإضافي للأحداث واضحًا، وما هو واجبنا في هذه الحالة (كما في أي موقف آخر) – بغض النظر عما يحدث، أولاً وقبل كل شيء أن نبقى بشرًا.

صفقة تبادل أسرى مثيرة للجدل.. مقاتلو آزوف مقابل ميدفيدشوك

هل حررنا ميدفيدشوك لكي نحاكمه في روسيا؟

كتب الناشط السياسي القومي أليكسي بيلكو، حول صفقة تبادل أسرى فوج آزوف الـ 200، مقابل فيكتور ميدفيدشوك، قائلاً: “هناك سؤال مهم يتعلق بتبادل الأسرى – لماذا تم تبادل فيكتور ميدفيدشوك؟ ربما من أجل محاكمته في روسيا، على المعلومات المضللة للقيادة السياسية العليا لروسيا حول الحالة المزاجية للنخب الأوكرانية”.

علق الناشط السياسي ياروسلاف بيلوسوف، حول الصفقة، بالقول: لو كان الأمر يعود لي، كنت سأبادل ميدفيدشوك فقط لمرافقته من مركز الاحتجاز الأوكراني إلى قاعة المحاكمة في روسيا، لأنه يجب أن يجيب عن السؤال الهام حول فشل انشاء شبكة مؤيدة لروسيا في أوكرانيا كما وعد، والجواب بالتأكيد لدى موسكو وليس في كييف. أنا أعتبر أنه من غير المقبول احتمال تعيينه في الأراضي المحررة. المستقبل الذي قد ينتظره في روسيا هو في أحسن الأحوال، التقاعد في منزل ريفي بالقرب من موسكو بجانب يانوكوفيتش. أما بالنسبة لتبادل الأسرى بشكل ما، فهذا أمر ضروري للغاية (لكن “آزوف” قضية منفصلة، وكان من المستحيل السماح لهم بالرحيل).

حكومة الوعود الزائفة!

كتب الناشط السياسي القومي كونستانتين سيمين، حول الصفقة قائلاً: “لقد وعدونا بمحاكمة النازيين، نحن نفهم أن تبادل الأسرى ضروري وأحيانًا لا مفر منه، لكن لماذا مرة أخرى، وللمرة الألف، لماذا تعطي وعودًا كاذبة لشعبك؟ لماذا تكذب سلطات الاتحاد الروسي وتعد بأشياء ثم تتخلى عنها؟ حاول أن تتخيل أن الاتحاد السوفيتي قام بعقد صفقة لتبادل الأسرى مع القادة النازيين. الشيوعيون لم يفعلوا ذلك بل قاموا بتعليق النازيين، لكن هذه الحكومة تعامل النازيين بطريقة مختلفة تمامًا.

صفقة تبادل أسرى مثيرة للجدل.. مقاتلو آزوف مقابل ميدفيدشوك

الخيانة.. الوصف الوحيد لما حدث

تحت هذا العنوان، كتب القائد العسكري القومي إيغور جيركين، معلقًا على الصفقة: “هل تتذكرون ما كتبته عندما سابقًا عن عملية تسليم مقاتلي آزوف في ماريوبول؟ إن إطلاق سراح كامل طاقم قيادة فوج آزوف هو دليل آخر على خيانة الوطن.

إن إطلاق سراح 5 مرتزقة بريطانيين وتبادل باقي فوج آزوف الذي كان لا يزال في الأسر، تم أمس وهو أسوأ خطأ وجريمة. هذا غباء لا يصدق. كان من المستحيل على ما يبدو، القيام بذلك قبل يومين على الأقل من صدور المرسوم الرئاسي قبل التعبئة”.

صفقة تبادل أسرى مثيرة للجدل.. مقاتلو آزوف مقابل ميدفيدشوك

الخلاصة

مثلت هذه الصفقة ضربة قوية لمصداقية الكرملين، والدعاية التي روج لها في الداخل الروسي والأوكراني وحول العالم، في وصفه لمقاتلي فوج آزوف، بأنهم أخطر الجماعات “النازية” في أوكرانيا، ووعوده بمحاكمتهم بشكل علني على غرار محاكمات نورنبيرغ (1945-1946)، والثمن الذي رأى الكثيرين أنه لا يستحق استبدال شخص فاقد للمصداقية والقيمة مثل ميدفيدشوك، مقابل قادة آزوف، وذلك فقط للعلاقة الشخصية التي تربطه بالرئيس بوتين.

هذا ويستمر الوضع الحالي المربك للكرملين، حيث اعتمد لسنوات على دعم القوميين، وفتح لهم المجال الإعلامي العام لتعبئة الداخل الروسي، والآن بات لهم شعبية وجمهور واسع وشعروا بأنهم مؤثرون، ولم يعودوا راضيين عن سياسات الكرملين، ومع الوقت تتعالى أصواتهم أكثر في معارضته وإثارة السخط تجاه سياساته، فهل ينتهي الأمر عند هذا الحد، ويستجيب هذا التيار للتحذيرات التي كان قد سبق وأطلقها المتحدث باسم الكرملين ديمتري بسكوف، حول ما أسماه “الخط الفاصل” بين النقد “البناء”، ومخالفة القانون بشأن انتقاد السلطة السياسية والعسكرية، أم ربما يدخل كلا الطرفين في مواجهة وينتهي هذا التحالف؟ سنرى في الأيام والتقارير المقبلة كيف ستتطور العلاقة بين الطرفين.