الغاز الروسي تعتمد عليه عددًا من الدول الأوروبية

  • اتفاق لتزويد واشنطن دول الاتحاد الأوروبي بغاز إضافي
  • بات الأوروبيون يدركون المخاطر بالفعل بعد نشوب الحرب الدائرة

تواجه أسواقُ الطاقةِ العالمية تطوراتٍ متلاحقة منذ اندلاع الغزو الروسي لأوكرانيا، مما يضغط على الإمدادات العالمية بشكلٍ غير مسبوق، وسط عقوباتٍ متبادلة بين الدول الغربية وروسيا، كان آخرُها قرار موسكو بيع الغاز الروسي بـ”الروبل”.

في الوقت الذي أكد فيه محللون بأسواق النفط أن القرارَ الروسي يأتي لمحاولة الالتفاف حول العقوبات المالية، لكنه سيواجهُ صعوباتٍ أمام التطبيق العملي. لا سيما مع استحالة الحصول على الكميات اللازمة من العملة الروسية لسداد مستحقات النفط والغاز.

وبغض النظر عن إمكانية التطبيق، فالدولُ الأوروبية تبحث الآن عن البديل، حيث أعلنت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، عن صفقة كبيرة للغاز الطبيعي المُسال، في محاولة لتقليل اعتماد أوروبا على الطاقة الروسية.

ويشمل الاتفاق تزويد واشنطن دول الاتحاد الأوروبي بغاز إضافي، يعادل عشرةً بالمئة مما تستقبله الآن من الغاز الروسي، بنهاية العام الجاري.

وجاء الإعلان خلال الزيارة التي أجراها الرئيس الأمريكي، جو بايدن، إلى بروكسل.

الاتحاد الأوروبي قال إنه سيوقف فعليا استخدام الغاز الروسي، ردا على الغزو الروسي لأوكرانيا.

تحذير أمريكي منذ عقود

“إن خط أنابيب الغاز البالغ طوله 3500 ميل، من سيبيريا إلى ألمانيا، يمثل تهديدا مباشرا لمستقبل أوروبا الغربية”، لم يكن هذا التحذير الوارد في تقرير لوكالة الاستخبارات الأمريكية، مقدما للرئيس جو بايدن، بل كانت الـ”سي آي إيه” تقدم إحاطتها للرئيس الراحل رونالد ريغان قبل أكثر من أربعة عقود، بحسب ما كشفت صحيفة “نيويورك تايمز“.

ويحذر التقرير، من “تداعيات خطيرة”، من جراء اعتماد أوروبا الخطير على الوقود الروسي، واليوم بات الأوروبيون يدركون المخاطر بالفعل بعد نشوب الحرب الدائرة على بوابتهم الشرقية، ويساعدون في تمويلها، من خلال مشتريات الغاز من موسكو، ويبدون عاجزين عن فعل عكس ذلك.

كان خط الأنابيب هذا بالحقبة السوفيتية، موضوع معركة مريرة خلال إدارة ريغان، في وقت كان يشهد بداية اعتماد أوروبا الشديد على الغاز الطبيعي الروسي لتدفئة المنازل والوقود.

لجأ ريغان إلى فرض عقوبات في محاولة لوقف خط الأنابيب في عام 1981

لجأ ريغان إلى فرض عقوبات في محاولة لوقف خط الأنابيب في عام 1981، الذي كان بمثابة مبادرة سوفييتية كبرى تهدف إلى نقل كميات ضخمة من الوقود إلى حلفاء الولايات المتحدة المهمين في أوروبا.

لكن الرئيس الأمريكي الراحل الذي حكم بين 1980-1988 سرعان ما واجه معارضة شديدة، ليس فقط من الكرملين والدول الأوروبية المتلهفة للحصول على مصدر رخيص للغاز، ولكن أيضا من جماعات الضغط المرتبطة بشركات النفط والغاز التي استفادت من الوصول إلى احتياطيات الغاز الضخمة في روسيا.

وفي حملة علاقات عامة للضغط عليه، انتشرت عبر صفحات الرأي في الصحف ولجان الكونغرس، نداءات مباشرة للبيت الأبيض، للتراجع عن العقوبات، شارك فيها مسؤولون تنفيذيون في صناعة النفط والغاز، حتى أن رئيس شركة تابعة لشركة إكسون، لها حصة في خط الأنابيب في ذلك الوقت، ولفجانج أويهم، قال: “ليس لدى ريغان أي سبب على الإطلاق لمنع هذه الاستثمارات”، بحسب ما نقلت “نيويورك تايمز”.

وتُظهر هذه الجهود، بعد ما يقرب من نصف قرن، كيف لعبت بعض أكبر شركات النفط والغاز في العالم دورا حاسما في ضخ الغاز الروسي من خلال معارضة العقوبات والدعوة للمصالح التجارية، وتفضيل الأرباح على الأمن القومي أو معايير حقوق الإنسان أو حتى المخاوف البيئية.

وقد أدت كل هذه الجهود المعارضة، إلى فشل ريغان، بالفعل في منع خط أنابيب الغاز، ما جعل أوروبا في موقف خطر، حيث تواصل تمويل غزو تندد به، من خلال شراء الطاقة الروسية وتحويل مبالغ ضخمة من الأموال إلى موسكو، كما أصبح الأمر يعيق محاولات أوروبا لمواجهة تغير المناخ.

وفي مواجهة المعارضة الداخلية والخارجية، ألغى ريغان عام 1982، العقوبات التي منعت الشركات الأميركية من المشاركة في مشروع خط الأنابيب من سيبيريا إلى ألمانيا الغربية، والذي افتتح بعد ذلك بعامين.

كانت تلك المعركة قبل أربعة عقود بمثابة بداية تأسيس ضخم للبنية التحتية للغاز في أوروبا، واليوم تمتد شبكة واسعة من خطوط الأنابيب من روسيا إلى أوروبا، تزود القارة بنحو 40 في المئة من احتياجاتها من الغاز الطبيعي.

وأدى الاعتماد الكبير على الغاز الروسي، إلى صعوبة تفكيك خطوط الأنابيب حتى في لحظة الوحدة العالمية ضد العدوان الروسي الحالي، إذ تستمر الضغوط حتى الآن من قبل أصحاب هذه الصناعة الضخمة.