أشخاص مقربون من النظام السوري يتاجرون بالكبتاغون

كشف النقاب عن صلات مباشرة جديدة بين تجارة مخدرات الكبتاغون وشخصيات قيادية في القوات المسلحة السورية وكذلك عائلة الرئيس بشار الأسد، وذلك في تحقيق مشترك أجراه قسم التحقيقات في بي بي سي عربي وشبكة الصحافة الاستقصائية OCCRP.

الكبتاغون هو مخدر شبيه بالأمفيتامين يسبب الإدمان بشدة وقد ابتلي به الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة. خلال العام الماضي، رافقت كاميرا البي بي سي الجيشين الأردني واللبناني، لمراقبة حملاتهم لمنع تهريب الكبتاغون عبر الحدود إلى بلادهم من سوريا.

ويضيف التقرير أنه في مارس/آذار من عام 2023، فرضت بريطانيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات على قائمة من الأشخاص، بينهم اثنان من أبناء عموم الرئيس الأسد، يشتبه في تورطهم في تجارة الكبتاغون لكن تحقيق بي بي سي، في عمق دولة المخدرات في سوريا، وجد أدلة تشير إلى تورط مسؤولين سوريين كبار آخرين بالإضافة إلى أولئك المدرجين بالفعل في تلك القائمة.

 

الكبتاغون والنظام السوري.. تحقيق استقصائي يكشف العلاقة بينهما

تورط حزب الله

وفي تموز 2022، في مدينة السويداء جنوبي سوريا، سيطرت جماعة منافسة على مقر راجي فلحوط، زعيم ميليشيا موالية للنظام، وعثر أفرادها على أكياس بدا أنها تحوي حبوب الكبتاغون معدة للتوزيع، وآلة يمكن استخدامها لضغط الحبوب، بالإضافة إلى بطاقة هوية الجيش السوري الخاصة بشركة فلحوط، وهاتف محمول غير مقفل.

بعد حصولها على حق الوصول الحصري إلى الهاتف، وجدت بي بي سي سلسلة من الرسائل بين فلحوط ومسؤول لبناني يسميه “أبو حمزة”، ناقشوا فيها شراء الجهاز. هناك محادثة على الهاتف المحمول من أغسطس/آب 2021، يتحدث فيها فلحوط وأبو حمزة عن نقل آلات المصنع من لبنان إلى سوريا.

‎باستخدام رقم الهاتف، تتبعت بي بي سي هوية أبو حمزة الحقيقية، ليتضح أنه يُدعى حسين رياض الفطروني. وهو مرتبط بحزب الله، الحزب السياسي اللبناني والجماعة المسلحة المرتبطة بشكل وثيق بالحكومة السورية.

لعب مقاتلو حزب الله دورا رئيسيا في مساعدة الحكومة السورية على تغيير مسار الحرب الأهلية، ويقال إن لهم وجودا في جميع أنحاء سوريا. لقد اتهموا منذ فترة طويلة بالتورط في تهريب المخدرات، لكنهم أنكروا ذلك دائما.

وأوضح صحفي سوري من منطقة السويداء في حديثه لبي بي سي من المنفى، أن “حزب الله متورط ولكنه حريص للغاية على عدم قيام أعضائه بأدوار رئيسية في نقل وتهريب البضائع”.

لم تكن هذه هي المرة الوحيدة التي ورد فيها اسم حزب الله في التحقيقات. بعد شهور من الاستعدادات الأمنية، تمكنت بي بي سي من الوصول بشكل نادر إلى داخل القوات المسلحة في حلب التي تسيطر عليها الحكومة.

الكبتاغون والنظام السوري.. تحقيق استقصائي يكشف العلاقة بينهما

أخبر أحد الجنود، الذي تحدث إلى بي بي سي بشرط عدم الكشف عن هويته، أن الراتب الشهري لزملائه الجنود كان أقل من 150 ألف ليرة سورية (60 جنيها إسترلينيا؛ 65 دولارا أمريكيا). وقال إن العديد منهم أصبحوا تجار مخدرات في مناطقهم لتكملة دخلهم، وأن هذا أصبح أمرا روتينيا بالنسبة لهم. طلبنا منه أن يصف دور وحدته في تجارة الكبتاغون المحلية. قال: “لم يُسمح لنا بالذهاب إلى المصنع”. كانوا يختارون مكانا للاجتماع ونشتري من حزب الله. نستلم البضائع وننسق مع الفرقة الرابعة لتسهيل حركتنا”.

الفرقة الرابعة هي وحدة نخبوية في الجيش السوري مكلفة بحماية الحكومة من التهديدات الداخلية والخارجية. منذ عام 2018، كان يقودها رسميا ماهر الأسد، الشقيق الأصغر للرئيس بشار الأسد.

يخضع ماهر الأسد لعقوبات غربية لشنه حملات قمع وحشية على المتظاهرين خلال الحرب السورية الحالية، كما تم ربطه باستخدام الأسلحة الكيماوية.

ويقال أيضا إنه أشرف على تحول الفرقة الرابعة إلى لاعب اقتصادي رئيسي.

تحدثت بي بي سي إلى ضابط سابق انشقّ عن الجيش السوري وقال :

“بسبب الظروف المالية الصعبة التي يمر بها الضباط وأصحاب الرتب خلال الحرب السورية، لجأ العديد من أفراد الفرقة الرابعة إلى التهريب. وهكذا بدأ استخدام سيارات ضباط الفرقة الرابعة في حمل المتطرفين والأسلحة والمخدرات. لأنها كانت الجهة الوحيدة القادرة على التحرك عبر نقاط التفتيش في سوريا.

اقتصاد متدهور

الاقتصاد السوري، الذي أصابه الشلل بسبب العقوبات والحرب، يقترب الآن من الانهيار. وقال محللون أن سوريا أصبحت تعتمد بشكل متزايد على حبوب الكبتاغون الصغيرة المربحة.

وقال جويل رايبورن، المبعوث الأمريكي السابق إلى سوريا، لبي بي سي:” حجم الإيرادات يفوق كثيرا ميزانيةالدولة السورية، إذا توقفت عائدات الكبتاغون أو تعطلت بشكل خطير، لا أعتقد أن نظام الأسد يمكن أن ينجو”.

ووجدت بي بي سي أدلة أخرى على تورط عائلة الأسد في الأعمال التجارية. في عام 2021، بدأت محاكمة في لبنان ضد رجل أعمال لبناني سوري سيئ السمعة يُدعى حسن دقو، الذي أطلقت عليه الصحافة اللبنانية لقب “ملك الكبتاغون”.

وأدين بتهريب الكبتاغون بعد ضبط شحنة ضخمة من المخدرات في ماليزيا. كانت الكمية، التي تحتوي على ما يقرب من 100 مليون حبة، متجهة إلى المملكة العربية السعودية حيث قدرت قيمتها السوقية بما يتراوح بين مليار دولار وملياري دولار، ما يجعلها واحدة من أكبر عمليات ضبط المخدرات في التاريخ.

الكبتاغون والنظام السوري.. تحقيق استقصائي يكشف العلاقة بينهما

الشرطة الماليزية تصادر حبوب كبتاغون (بي بي سي)

وتمت مداولة القضية خلف أبواب مغلقة لكن فريق بي بي سي التقى بالقاضي الذي قال إن معظم الأدلة جاءت من مراقبة الاتصالات الهاتفية بين دقو وعدد من مهربي المخدرات. في المحاكمة، قال دقو إنه كان يتعاون مع الفرقة الرابعة لمحاربة مهربي الكبتاغون، وقدم بطاقة هوية الفرقة الرابعة كدليل.

وبينما أُدين دقو بتهمة الاتجار بالبشر، قال القاضي لبي بي سي إنه لم يتم العثور على دليل على تورط مسؤولين سوريين في أعمال الكابتاغون الخاصة به.

لكن التحقيق وجد شيئا في وثيقة المحكمة المكونة من 600 صفحة يحكي قصة مختلفة.

سلسلة من لقطات شاشة رسائل التي أرسلها دقو إلى شخص يسميه “المعلم”، ويتكون رقم هاتفه في الغالب من نفس الرقم يتكرر عدة مرات، مما يجعله ما يسمى بـ “الرقم الذهبي”. تحدثت بي بي سي إلى مصادر مختلفة رفيعة المستوى في سوريا أكدت أن الرقم يخص اللواء غسان بلال. لذا حاول فريق بي بي سي الاتصال بالرقم بشكل متكرر لكننا فشلنا في الحصول على رد.

الكبتاغون والنظام السوري.. تحقيق استقصائي يكشف العلاقة بينهما

محادثات بين حسن دقو وشخص اسمه “المعلم” نشرتها (بي بي سي)

اللواء بلال هو الرجل الثاني لماهر الأسد في الفرقة الرابعة، ومن المعروف أنه يدير مكتب الأمن القوي. في رسائل الواتس اب، يناقش دقو مع “المعلم” حركة “البضائع”، التي يعتقد أنها كبتاغون، إلى بلدة تسمى صابورة، حيث يوجد للفرقة الرابعة قاعدة كبيرة، بالإضافة إلى مناقشة تجديد التصاريح الأمنية.

إذا كان “المعلم” هو غسان بلال، فإن المحادثة تشير إلى أن أحد كبار الضباط في سوريا مرتبط بتجارة الكبتاغون غير القانونية، والتي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات. بلال لم يرد على محاولات فريق بي بي سي في التواصل معه للتعليق.