وسط تخمة درامية رمضانية تضم 45 مسلسلاً على مائدة المشاهد المصري، تلاشت أعمال كثيرة ولم يشعر بها أحد رغم وجود أبطال ونجوم شباك أول بها، وانشغل الناس بعدد لا يزيد عن أصابع اليد الواحدة.كان من ضمن مفاجآت الموسم الرمضاني بالنسبة لي مسلسل “مين قال؟!” بطولة أحمد داش وجمال سليمان ونادين ومجموعة موهوبة من الوجوه الشابة الجديدة. تصدر المسلسل ترتيب الأكثر مشاهدة على منصة شاهد، والسر في ظني أن الخلطة كانت “متسبكة” كما وصفها أحمد داش بطل المسلسل، طبخة بحرفية شديدة من المخرجة نادين خان وورشة سرد بإشراف المبدعة مريم نعوم.

 

مين قال؟!.. عن ريادة الأعمال والإسكافي وأبو طاقية وإيلون ماسك

أحمد داش بطل مين قال؟! مع مخرجة المسلسل نادين خان

 

 

تحكي حلقات المسلسل الخمسة عشر عن نماذج من الحياة العادية لستة من المراهقين، شلة واحدة باختلافاتها وتنوعها ومشاكلها، لكل واحد فيهم له قصة وحكاية تكاد تكون في معظم بيوتنا، ثم بحرفية شديدة ينكأ مؤلف المسلسل ملف صراع الأجيال وفرض سيطرة أولياء الأمور على حيوات أبنائهم، في ظل ثورة تكنولوجية ومعلوماتية كبيرة، لذلك حقق المسلسل انتشاراً كبيراً وبخاصة بين جيل المراهقين الذين يمثلهم، والمسلسل مفيد جداً لأولياء الأمور لفك شفرة وطلاسم علاقتهم من أبنائهم لأن مستقبل ملايين الشباب ومسار حياتهم يتحدد في تلك الفترة.

 

مين قال؟!.. عن ريادة الأعمال والإسكافي وأبو طاقية وإيلون ماسك

بوستر  للنجوم الشباب من مسلسل مين قال؟

 

 

البداية من الجراج

قصة المسلسل المحورية عن شاب رفض والده أن يدرس البيزنس، وأصر على دخوله كلية الهندسة. تظاهر أحمد داش (البطل) بالذهاب إلى الكلية وحضور المحاضرات، ثم يكتشف الوالد خدعة الإبن الذي لم يتقدم أصلاً بأوراق اعتماده في الكلية ولم يدفع مصاريفها، وصب كل تركيزه لتحقيق حلم حياته بمشروع جديد وفكرة جديدة وأسس شركة بخديعة والدته أيضاً كونه لا يزال دون السن القانوني،  لكنه في النهاية نجح أن يكون رائد أعمال. تتحول صدمة الأب من قطيعة ابنه وطرده من المنزل إلى دعم ومساندة عندما يفوز الإبن في مسابقة لرواد الأعمال والشركات الناشئة.

بدأ “شريف” بطل المسلسل مشروعه لتصنيع مقاعد (بنشات) وأسرة للنوم من الورق المقوى في بدروم (جراج) بمنزل صديقته، ووفر فرص عمل للشباب اللاجئين. بدايته في الجراج تحاكي بداية الكثيرين من أغنى أغنياء العالم حالياً، فالجراج شهد انطلاقة شركات عالمية بمليارات الدولارات. القصص الملهمة في ذلك كثيرة، جيف بيزوس بدأ حلم أمازون في جراج، وبيل جيتس وبول آلن مؤسسا مايكروسوفت بدايتهما كانت في جراج، وأول أستديو لـ “والت ديزني” كان في جراج، وشركة آبل العملاقة بدأها ستيف جوبز وصديقه في جراج، وجوجل وغيرها من الشركات.

 

مين قال؟!.. عن ريادة الأعمال والإسكافي وأبو طاقية وإيلون ماسك

شركات جوجل وأبل وأمازون وديزني بدأت من الجراج

 

 

جمال سليمان وإدوارد زوكربيرج

في مسلسل “مين قال” يقف الأب جمال سليمان أمام طموحات الإبن أحمد داش، بينما في أمريكا قبل ربع قرن كان إدوارد زوكربيرج طبيب الأسنان يعلم نجله “مارك” لغة البرمجة الخاصة بلعبة الأتاري ويجلب له مدرساً خصوصياً ليثقل مهاراته التكنولوجية، ولم يقل له لا بد أن تكون طبيباً. يكبر الابن وأول برنامج من تصميمه يكون لحل مشكلة تواصل والده مع ممرضته في عيادته الخاصة، ثم في الجامعة يؤسس شبكة للتواصل مع أصدقائه المقيمين معه في نفس الغرفة، وتتوسع الشبكة إلى زملائه في الكلية والجامعة وتصبح فيس بوك أكبر وأقوى شبكة تواصل اجتماعي في العالم وتستحوذ على شركات كبرى أخرى مثل واتس آب وغيرها.

 

مين قال؟!.. عن ريادة الأعمال والإسكافي وأبو طاقية وإيلون ماسك

مارك زوكربيرج مؤسس فيس بوك مع أسرته

حكاية الإسكافي وابن قرية أبو رقبة وأبو طاقية

يظن البعض أن ريادة الأعمال في مصر بدأت مع الجيل الجديد بمصطلحاته عن الشركات الناشئة والجولات التمويلية والاستحواذات ورأس المال المغامر، وبخلاف حكاية طلعت حرب وتأسيس (شركة) بنك مصر بثمانية مصريين، ثم إنشاء المطبعة والشركات التابعة للبنك فيما بعد، فإن هناك حكايات أخرى كثيرة منها حكايتان لاثنين من رواد الأعمال المصريين العصاميين، بدأتا في الثلاثينات من القرن الماضي، وحكاية ثالثة لرائد أعمال من القرن السادس عشر!

الإسكافي صاحب أول مصنع أحذية

الحكاية الأولى لطفل يدعى “محمد لطفي”، ترك قريته في العاشرة من عمره راكباً القطار متجهاً للقاهرة، ليعمل في مهنة الإسكافي (تصليح الأحذية) مع إسكافي أجنبي يصنع الأحذية للعائلة المالكة، تعلم منه الحرفة وأجادها في ورشته، ثم قامت ثورة 1952 وغادر صاحب الورشة مصر مع الملك فاروق،فتولى الشاب المصري إدارتها، وبعدها بعامين يحول “لطفي” الورشة إلى أول مصنع أحذية في مصر، تخصص في صناعة الأحذية العادية والعسكرية، ثم استكمل نجله الرحلة وبدأ بتصنيع “الكوتشي” الذي أصبح ماركة شعبية يطلقها المصريونعلى أي حذاء رياضي في مصر، وتصل رحلة الإسكافي رائد الأعمال إلى حفيده “باسم لطفي” ليصبح رائد أعمال عصري من الجيل الثالث للعائلة، يترأس حالياً شركة “لطفي لصناعة الجلود” ويخوض غمار السياسية من خلال تنسيقية شباب الأحزاب.

مين قال؟!.. عن ريادة الأعمال والإسكافي وأبو طاقية وإيلون ماسك

محلات لطفي للأحذية بدأت بشاب عمل في ورشة إسكافي أيام الملك فاروق

 

ابن قرية أبو رقبة مؤسس توشيبا العربي

الحكاية الثانية لطفل يدعى “محمود العربي”، ولد في الثلاثينيات أيضاً لأسرة فقيرة بقرية “أبو رقبة” التابعة لمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وبعد وفاة والده في طفولته، انتقل إلى القاهرة أيضاً وهو في العاشرة من عمره مثل”لطفي الإسكافي”، وعمل في محل صغير لبيع الأدوات المكتبية بمنطقة الموسكي، ثم تجارة الأجهزة الكهربية، كالتلفزيون والراديو والكاسيت، ثم يحصل على توكيل شركة “توشيبا” اليابانية، ليدخل مجال التصنيع وينشئ مصنع “توشيبا العربي” ويخوض غمار السياسية ويدخل البرلمان دورة واحدة ثم ينسحب من عالم السياسة ويكتفي بدوره كرجل تجارة وصناعة، وينشئ فيما بعد مستشفى العربي الخيري بمسقط رأسه بقرية أبو رقبة، ليرحل “شهبندر التجار” عن عالمنا في 2021 في مشهد مهيب يحكي عظمة وأسطورة رائد أعمال عصامي.

مين قال؟!.. عن ريادة الأعمال والإسكافي وأبو طاقية وإيلون ماسك

جنازة رجل الأعمال محمود العربي مؤسس توشيبا العربي

 

أبو طاقية صاحب مصنع السكر وشبكة التجارة الدولية

هناك “شهبندر تجار” آخر ذاع صيته في القرن السادس عشر الميلادي، هو “إسماعيل أبو طاقية” أحد رواد الأعمال الأوائل في مصر، والذي تحكي عنه الدكتورة  نيللي حنا في كتابها “تجار القاهرة في العصر العثماني سيرة أبو طاقية شاهبندر التجار”، كان يستورد القهوة من اليمن في وقت كان رجال الدين يحرمون شربها، واستثمر أمواله في زراعة قصب السكر في المنوفية والغربية بدلتا مصر، وأنشأ مصنعاً لإنتاج السكر في القاهرة التي أدار منها كل أعماله رغم جذوره السورية ونزوحه إليها مع والده، وكان يسجل الصفقات التي يبرمها في المحكمة، وامتدت شبكته التجارية الدوليةحتى الهند وتركيا ونيجيريا عبر ثلاث قارات.

مين قال؟!.. عن ريادة الأعمال والإسكافي وأبو طاقية وإيلون ماسك

غلاف كتاب سيرة أبو طاقية شاهبندر التجار

 

لماذا ريادة الأعمال؟

لا يخفى على أحد الوضع الاقتصادي المتأزم حالياً في مصر وارتفاع نسبة التضخم. خطة الإنقاذ طويلة المدى تحتاج لإرادة قوية للتركيز على الإنتاج بأنواعه المختلفة والتصنيع والاكتفاء الذاتي من السلع الأساسية ومن ثم التصدير. وذلك بجانب تعظيم موارد الدولة الأساسية التي تعاني لأسباب عدة، إضافة إلى الاهتمام بملفات الصحة والتعليم الجيد وربطه بسوق العمل وتجفيف منابع الفساد ومشاركة القطاع الخاص ودمج موازنات الدولة المختلفة في موازنة واحدة مع التوسع في الرقابة المالية والبرلمانية الحقيقية والأتمتة التي بدأت في بعض القطاعات مع التوسع في الشمول المالي،  والأهم بالطبع ترشيد الإنفاق وتخفيف العبء على كاهل المواطن ببرامج حماية مجتمعية حقيقية وزيادة الأجور خاصة مع انخفاض قيمة الجنيه.

لكن وسط كل هذا، لماذا ريادة الأعمال ضرورة قصوى للاقتصاد المصري؟ أهم شيء تفعله أنها تخلق فرص عمل جديدة مباشرة وغير مباشرة، وفكرة ريادة الأعمال عبقرية وبسيطة قد تجلب ثروات طائلة لأصحابها وللحكومة وللدخل القومي بصفة عامل، وتؤدي الحلول غير التقليدية إلى طفرة في حياة المواطنين والتنمية المجتمعية.

والحق يقال أن هذا الملف تحديداً حظي برعاية من الدولة وأطلقت وزارة التخطيط حملة المليون ريادي ضمن إستراتيجية التنمية المستدامة 2030، كما أقر البرلمان منذ عامين تشريعاً لقانون مشروعات ريادة الأعمال والشركات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، ولوحظ في الأشهر الماضية اهتمام الإعلام المصري بملف ريادة الأعمال، وخُصصت فقرات أساسية وحلقات في البرامج التليفزيونية لرواد الأعمال، كما ضخت البنوك الكبرى المملوكة للحكومة والخاصة استثمارات كبيرة في صناديق استثمارية لريادة الأعمال وشركات رأس المال المغامر. لكن هذا لا يمنع من وجود عراقيل وروتين وتضييقات دفعت واحدة من أنجح الشركات الناشئة في مصر “سويفل” إلى الانتقال ليكون مركزها في دبي وليس في القاهرة وتتوسع الشركة ليتم إدراجها في بورصة ناسداك الأمريكية.

مين قال؟!.. عن ريادة الأعمال والإسكافي وأبو طاقية وإيلون ماسك

بدء التداول على أسهم شركة “سويفل” ببورصة “ناسداك” الأمريكية 2022

 

لغة الأرقام

هناك عادة لدى الشركات الناشئة وهي أنها لا تعلن دائماً عن حجم التمويل الذي تحصل عليه، وتشير التقارير أن الشركات المصرية جمعت في عام 2021 تمويلات من 370 إلى 500 مليون دولار، وعالمياً بلغ تمويل الأسواق الناشئة 7 مليارات دولار  تقريباً، وتأتي شركة فلات 6 لابز المصرية في مقدمة المستثمرين النشطين في الشركات الناشئة.

الديون المغامرة

ينشغل المصريون، المتخصصون والمواطنون العاديون منهم، بالديون التي تلتهم موازنة دولتهم، وفي قطاع ريادة الأعمال هناك مصطلح آخر للديون يسمى “الديون المغامرة”، وهي قروض يقدمها مستثمرون للشركات الناشئة ويكون سدادها من خلال أقساط وفوائد كمان هو معمول به في البنوك، والديون المغامرة ليست بشهرة شركات رأس المال المغامر التي تستثمر في الشركات مقابل حصة فيها أو بالاستحواذ عليها كاملة.

 

حكاية إيلون ماسك وتويتر

من أبرز قصص الاستحواذ الأخيرة التي تابعها العالم وانشغلت بها وسائل الإعلام والسوشيال، هي رغبة رجل الأعمال المثير للجدل والمشاكس إيلون ماسك في الاستحواذ على شركة تويتر التي يزيد عدد متابعيه فيها عن 80 مليون متابع، وخلال السنوات الماضية استطاع الحصول على حصة تصل إلى من خلال شراء الأسهم بـ 9%، يقول إيلون ماسك إنه استثمر في تويتر لإيمانه بإمكانية أن يكون منصة لحرية التعبير في العالم، استخدمت إدارة تويتر خطة “حبة السم” التي تحظر على مالك واحد شراء أكثر من 15 % من الأسهم.

 

مين قال؟!.. عن ريادة الأعمال والإسكافي وأبو طاقية وإيلون ماسك

إيلون ماسك

 

إيلون ماسك الذي تقدم بعرض استحواذ على تويتر يبلغ 43 مليار دولار لا يملك منزل خاص به، لا شقة ولا فيلا ولا قصر، ويقيم لدى أصدقائه كما قال مؤخراً، ومالك فيس بوك يرتدي نفس التي شيرت، هذه هي حياة هؤلاء، وإن كان إيلون ماسك أكثر إثارة للجدل بما يفعله على تويتر كل يوم، وتغريدة منه عن شركة ناشئة ترفعها في السماء، وتغريدة أخرى عن شركة كبيرة تهوي بأسهمها في البورصة وتكبدها خسائر فادحة.

 

قد تكون تلك الخطوة من إيلون ماسك بداية لتأسيسه وسيلة تواصل إجتماعي جديدة كما فعل الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب المثير للجدل أيضاً، فهل يسعى إيلون ماسك هو الآخر لخوض الانتخابات الأمريكية؟ لا أحد يعلم الإجابة في الوقت الحالي، لكن الإجابة الواضحة أن فكرة واحدة لشركة ناشئة في دولة من العالم الثالث مثل مصر قد تجعل اقتصاد تلك الشركة أضعاف اقتصاد دول أخرى.. تحتاج مصر أن تتبنى ملف ريادة الأعمال بشكل أكبر وأن تغير التفكير النمطي لدى شعبها وتدعم التعليم الجيد بميزانيات تكفي للإنجاز وتوفر الموارد والدعم القانوني واللوجيستي لشبابها.. فهل تفعلها؟

 

تنويه: جميع الآراء الواردة في زاوية مقالات الرأي على موقع أخبار الآن تعبر عن رأي أصحابها ولا تعكس بالضرورة موقف موقع أخبار الآن