في يوم الشباب الدولي.. “روشتة” لتجنب شبح البطالة واكتساب مهارات المستقبل

  • يوجد 1.2 مليار شاب وفتاة يمثلون 16% من سكان العالم
  • الأمم المتحدة، تُعرّف “الشباب” بأنهم من تتراوح أعمارهم بين 15 و24

يحتفل العالم، الجمعة 12 أغسطس، بيوم الشباب الدولي، وهو مناسبة سنوية، لتركيز اهتمام المجتمع الدولي بقضايا الشباب والاحتفاء بإمكانياتهم، وبحث أبرز التحديات التي تواجههم، وفي مقدمها شبح البطالة.

يوم الشباب الدولي هذا العالم، يأتي في ظل طوفان من “التحديات العالمية”، ففي الوقت الذي لايزال فيه العالم لم يلتقط أنفاسه بعد من تأثيرات جائحة “كوفيد-19” وما صاحبها من تداعيات اقتصادية وصحية، يتصاعد الحديث حاليًا عن موجة كبيرة من الركود الاقتصادي والغلاء، وتباطؤ معدلات

النمو، خاصة بعد اندلاع الحرب بين روسيا أوكرانيا، وما تبع ذلك من ارتفاع قياسي في التضخم ومعدلات الفائدة، وأزمة في سلاسل التوريد حول العالم.

كما يأتي أيضًا في ظل تحديات أخرى مثل تغير المناخ والصراعات المسلحة والفقر المتواصل، بالإضافة إلى التغير التكنولوجي السريع والتحول الديموغرافي.

هذه التحديات تضع هذه الفئة التي تمثل ذروة القوة والحيوية والنشاط بين جميع مراحل العمر لدى البشر في اختبار صعب، يتطلب المزيد من الجهد والتكاتف للخروج إلى بر الأمان بأقل الخسائر.

ورغم عدم وجود تعريف دولي متفق عليه عالميًا للفئة العمرية للشباب، إلا إن الأمم المتحدة، تُعرّف “الشباب” بأنهم من تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا.

أعداد هذه الفئة ليست بالقليلة على كوكب الأرض، إذ يوجد 1.2 مليار شاب وفتاة يمثلون 16% من سكان العالم، ومن المتوقع أن يرتفع عددهم بنسبة 7% بحلول عام 2030، ليصل إلى حوالي 1.3 مليار.

يوم الشباب الدولي

مناسبة اليوم هي مبادرة دولية اقتُرحت من قبل مجموعة من الشباب الذين اجتمعوا خلال منتدى الشباب العالمي بالعاصمة النمساوية فيينا في عام 1991، حيث أوصى المنتدى بإعلان يوم دولي للشباب لجمع تمويل يدعم صندوق الأمم المتحدة للشباب بالشراكة مع المنظمات الشبابية.

وفي عام 1999، وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على هذا الاقتراح، خلال اجتماع عُقد في العاصمة البرتغالية لشبونة، وتم تعيين 12 أغسطس يومًا دوليًا للشباب.

الشباب

مجموعة من الشابات في تظاهرة من تنظيم الأمم المتحدة (سوشيل ميديا)

هذا اليوم يمثّل فرصة للاحتفال بأصوات الشباب وأعمالهم ومبادراتهم وتعميم مشاركاتهم الهادفة في الحياة والعمليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

شعار يوم الشباب الدولي هذا العام هو “التضامن بين الأجيال”، ويحمل رسالة مفادها أن هناك حاجة للعمل عبر الأجيال لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتجنب ألا يتخلف أي فرد عن ذلك الركب.

ولكي ندرك حجم التحديات الراهنة، وتأثيراتها على الشباب، يكفي أن نقول أن جائحة كورونا وحدها، كان لها تأثير غير مسبوق على سوق العمل وخاصة بين الشباب، حيث أشارت دراسة نشرتها منظمة العمل الدولية إلى توقف أكثر من واحد من بين كل 6 شبان عن العمل منذ ظهور الجائحة، ومع ظهور

الأزمات المتلاحقة التي يشهدها العالم، من البديهي أن تتعاظم التأثيرات السلبية على سوق العمل.

وحسب البنك الدولي، فإن مأساة الحرب في أوكرانيا تتفاقم ويتزايد تأثيرها الاقتصادي على العالم بأسره، لا سيما من خلال صدمات أسعار السلع الأولية التي تبطئ وتيرة النمو وتضاعِف من أزمة تكاليف المعيشة التي تؤثر على مئات الملايين من البشر، وخاصة الفقراء، وتوقع البنك أن تكون الأوضاع

قاسية في عام 2022، وربما أكثر قسوة في 2023 مع زيادة مخاطر الركود، خاصة في مجال التوظيف.

كيف نتجنب شبح البطاقة؟

التداعيات غير المسبوقة للتحديات العالمية على سوق العمل، تفرض على الشباب حتمية اكتساب مهارات جديدة، تتماشى مع التطورات المتلاحقة، حتى يجدوا لأنفسهم موطئ قدم في ظلّ فرص العمل المحدودة المتاحة حاليًا، تجنبًا لشبح البطالة.

ارتفاع معدلات البطالة في صفوف الشباب يُعد من أكبر المشكلات التي تواجهها مختلف الاقتصادات والمجتمعات حول العالم، بما في ذلك البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء.

وبلغة الأرقام، فإن التقديرات الأخيرة للأمم المتحدة تشير إلى أنه سيتعين استحداث ما لا يقل عن 475 مليون فرصة عمل جديدة خلال الـ10 سنوات المقبلة، لاستيعاب الشباب العاطلين عن العمل حاليًا والبالغ عددهم 73 مليونًا، والوافدين الجدد إلى أسواق العمل الذين يبلغ عددهم 40 مليونًا كل عام.

العدد الحالي للأشخاص الذين تتسم ظروف عملهم بعدم الاستقرار يبلغ 1.44 مليار نسمة حول العالم، ويمثل العمال في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب آسيا أكثر من نصف هذا العدد، بحيث يعمل 3 من أصل كل 4 عمال في هاتين المنطقتين في ظل ظروف يعوزها الاستقرار.

في الوقت ذاته، تشير استقصاءات منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي إلى أن أرباب العمل والشباب على حد سواء يعتبرون أن الكثير من الخريجين يفتقرون إلى المهارات اللازمة لسوق العمل.

حجم المشكلة الحقيقي ترصده أيضًا أرقام منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسيف”، التي كشفت في أحدث تقاريرها عن عُمق الأزمة؛ إذ يفتقر حوالي ثلاثة أرباع الشباب في 92 بلد، حسب البيانات المتاحة، إلى فرص اكتساب المهارات اللازمة للتوظيف، على رأسها المهارات الرقمية التي تمكنهم

من أداء الأنشطة الأساسية المرتبطة بالكمبيوتر، كما يفتقرون إلى فرص الحصول على التعليم القائم على المهارات الحياتية، والقابلية للتوظيف، والمهارات الريادية التي تمكنهم من الانتقال السلس إلى سوق العمل.

فضلا عن ذلك، ليس ثمة فرص كثيرة لتزويد الشباب بالمهارات اللازمة لرفع مستوى انخراطهم المدني لكي يصبحوا مواطنين فاعلين وواعين، ورفع وتيرة مشاركتهم في عمليات صنع القرار.

الشباب

شباب يطالبون بحقهم في التشغيل (أ ف ب)

التقرير يشدد أيضًا على أنه مع ارتفاع نسب الشباب خارج التعليم، وتدني مستويات التحصيل في مهارات التعليم الثانوي، تواجه الشباب أزمة مهارات، حيث نجد غالبية الشباب غير مؤهلين للمشاركة في القوة العاملة حاليًا.

ويضيف أن الفوارق العميقة بين البلدان، ولا سيما في المجتمعات الأكثر فقرًا، تتزايد مع اتساع هوة اللامساواة بين الجنسين. ففي بلد واحد على الأقل من كل 3 بلدان حول العالم، تتوفر بيانات عنها، نجد أن 85 % من الشباب خارج مسار التعليم الثانوي، والمهارات الرقمية، وتحصيل المهارات المؤهلة للتوظيف.

روبرت جنكنز مدير التعليم في “اليونيسف” يقول “إن وجود جيل من الأطفال والشباب الملهمين المتمتعين بالمهارات، هو أمر بالغ الأهمية لتحقيق الازدهار والتقدم والنجاح الاجتماعي والاقتصادي. لكن أغلب الأطفال والشباب، في شتّى أرجاء المعمورة قد خذلتهم أنظمة التعليم، وتركتهم دون تعليم،

وبلا إلهام، ولا مهارات، وهي العاصفة المثالية لعدم الإنتاجية. لذا لا بد من تفعيل الاستثمار المجدي اقتصاديًا، والحلول الرصينة من أجل تعزيز التعلم وتنمية المهارات لجيل اليوم وأجيال المستقبل وبشكل عاجل لمعالجة هذه الأزمة”.

تقرير “اليونيسف” يلفت نظرنا إلى أن مشكلة التعليم بين الشباب تبدأ من سن الطفولة، حيث تشير إلى أن البيانات المتوفرة من 77 بلداً تبين أن أقل من ثلاثة أرباع الأطفال بين الثالثة والخامسة من العمر، يتمتعون بنمو متوازن في 3 مجالات على الأقل من 4 من مجالات معرفة هي: القراءة والكتابة،

والحساب، والنمو البدني والاجتماعي، والتعلٌّم. إن غالبية الأطفال بعمر 10 سنوات تقريبًا في بلدان الدخل المتدني والمتوسط عاجزون عن قراءة وفهم النصوص البسيطة، علماً بأن هذه المهارات الأساسية تعتبر لبنات البناء في تطوير المزيد من التعلم والمهارات.

المهارات.. جسر العبور للمستقبل

ولكي يستعد الشباب لسوق العمل، ويعبرون بسلام إلى جسر المستقبل وما يحمله من تحديات، فإن هناك مهارات بالغة الأهمية، من دونها لن تتطور المجتمعات والنظم الاقتصادية معًا، تلك المهارات تبدأ من الطفولة عبر معرفة أساسيات القراءة والحساب، والمهارات التطبيقية المنقولة كمهارات

الحياة والمهارات الاجتماعية العاطفية، مرورًا بالمهارات الرقمية التي تتيح للأفراد استخدام التكنولوجيا وفهمها، وانتهاء بمهارات التوظيف الداعمة لدخول القوى العاملة المهارات الحياتية.

الشباب

صورة تعبيرية (غيتي)

الخبراء يحثون الحكومات والأفراد على الاستثمار في المهارات والتعليم للشباب لإعدادهم للمستقبل والمساعدة في دفع النمو الاقتصادي.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريس يقول: “يجب أن نضمن حق الشباب في التعليم والتدريب والتعلم مدى الحياة والفعال والشامل. يتطلب ذلك تكثيف تنمية مهارات الشباب مع الاستثمار في التعليم والتدريب المهني التقني، والاتصال واسع النطاق، والمهارات الرقمية”.

ويلعب التعليم والتدريب دورًا محوريًا في تنفيذ أهداف خطة التنمية المستدامة لعام 2030، خاصة التعليم والتدريب في المجال التقني والمهني، الذي يقود إلى التكيف مع الطلب المتغير على المهارات في الشركات والمجتمعات المحلية، ومساعدة الشباب والبالغين على تنمية المهارات التي

يحتاجون إليها للعمل وشغل وظائف لائقة، ومباشرة الأعمال الحرة، بالإضافة إلى تنمية قدرات ذوي المهارات المحدودة والعاطلين عن العمل والشباب غير الملتحقين بالمدراس؛ ما يسهم في تعزيز النمو والاقتصاد وتيسير الانتقال إلى الاقتصادات الخضراء والاستدامة البيئية.

ما هي وظائف وتخصصات المستقبل؟

وبما إننا حاليًا نشهد إقبال طلاب الثانوية العامة في كثير من بلداننا العربية على التقدم للالتحاق بالجامعات، فهناك نصيحة خالصة لابد أن تصل إليهم وإلي أولياء أمورهم، وهي التركيز على التخصصات التي ستشهد زخمًا في المستقبل، في ظل الثورة التكنولوجية التي نشهدها حاليًا، حتى يتمكنوا بسهولة من إيجاد فرص عمل بعد التخرج.

تقرير للبنك الدولي عن مستقبل الوظائف توقع أنه بحلول عام 2025 ستكون ساعات عمل الروبوتات والأفراد متساوية، ولذلك ستكون مهارات المستقبل مزيجًا من المهارات الشخصية والعملية، مثل العمل ضمن فريق وحل المشكلات والإبداع والإجادة الذاتية، بالإضافة لإتقان مهارات استخدام التكنولوجيا.

وبالنظر إلى تأثير الابتكارات على الوظائف الحالية، فمن الضروري أن يتطلع الشباب إلى التخصصات المرتبطة بالتكنولوجيا، لكي يستعدوا للمهن الأكثر طلبًا في المستقبل.

وتتركز أبرز وظائف المستقبل على تطوير البرمجيات، وإنشاء المحتوى الرقمي، والتدريس والتدريب عبر الإنترنت، والتسويق الإلكتروني والتجارة الإلكترونية، والشبكات وأمن المعلومات، والحوسبة السحابية، والتصميمات ثلاثية الأبعاد، وتطوير الأجهزة القابلة للارتداء، بالإضافة إلى تخصصات مثل علم

الوراثة، والطاقة النظيفة، والذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة، وإنترنت الأشياء، والبيانات الضخمة، والبرمجة، والتحول الرقمي، والأطراف الصناعية والطباعة ثلاثية الأبعاد.

ختامًا، فإن أفضل استثمار يمكن أن يحقق أعلى عائد للشعوب، هو الاستثمار في التعليم والتدريب، والتسلح بأدوات العصر، لمواجهة المتغيرات المتلاحقة؛ فبالعلم تُبنى الأمم وتنهض الشعوب وترتقي الأجيال، ولا مكان في المستقبل لمن يفتقد العلم والمعرفة.