رئيسة منظمة إنارة أروى دايمون تتحدث لأخبار الآن عن هول المشاهد التي رأتها في غزة

بعد نحو أسبوعين على مقتل 7 نشطاء من منظمة المطبخ المركزي العالمي، استهدف الجيش الإسرائيلي حافلتهم في قطاع غزة، مطلع الشهر الحالي، أعلنت إسرائيل، في وقت سابق أنها ستسمح بشكل مؤقت بإدخال مساعدات إنسانية إلى شمال قطاع غزة، وذلك بعد ساعات من تحذير حليفتها الولايات المتحدة بتغيير كبير في سياساتها الداعمة للحرب في القطاع.

 

View this post on Instagram

 

A post shared by Arwa Damon (@iamarwadamon)

الموافقات.. قصة صعبة في إيصال المساعدات

وحول المساعدات والأوضاع الراهنة في قطاع غزة، أكدت أروى دايمون Arwa Damon رئيسة ومؤسسة INARA “الشبكة الدولية للإعانة والإغاثة والمساعدة” لأخبار الآن، أنها “دخلت مع منظمتي الإنسانية إلى غزة، ونحن نعمل حالياً في 13 ملجأ في رفح، ونحاول إنشاء نقاطاً طبية في رفح، واستمر وقت الحصول على موافقة حوالي أسبوع، ولكن كل من يريد الدخول إلى غزة، يحتاج إلى موافقة إسرائيلية ثم موافقة مصرية.. المشكلة الأصعب من الموافقة هي إمكانية تنفيذ العمل الإنساني في الداخل، والانتقال بين رفح ومناطق أخرى تحتاج أيضاً إلى موافقات”.

"بحر من الأرواح نصف الميتة" رئيسة منظمة إنارة أروى دايمون تروي مشاهداتها من غزة

وأضافت: “هناك بعض المشاكل التي نواجهها في غزة، مثلاً إن أردنا التحرك من رفح إلى مدينة غزة فنحن بحاجة إلى موافقة من إسرائيل، وعندما يريد وفد إنساني التحرك فهو يحتاج إلى موافقة من كل الجهات الداخلة في الحرب، وهذا لا يعمل في الوقت الحالي، ويتجلى ذلك فيما حدث مع المطبخ المركزي العالمي رغم أن لديهم أحسن خطوط للتواصل مع الجانب الإسرائيلي”.

بحر من الأرواح نصف الميتة

أردفت دايمون القول: “هناك بحر من الأرواح نصف الميتة في غزة، والازدحام الموجود في رفح حالياً لا يوصف، والملاجئ ممتلئة، والشخص يواجه صعوبة في التحرك، والناس لا تعرف كيف تعيش حياتها هناك.. هناك أمواج من الألم والتوتر والصدمة، ولا يوجد أحد هناك يستطيع تصديق هذه المعيشة”.

وتابعت حديثها: “لا يوجد في غزة مياه نظيفة، ولا حمامات كافية، ولا طاعم كاف ولا مساعدات ولا حفاضات”.

وتابعت: “وزعنا أدوات تشبه الفوط النسائية، ولكن نتكلم عن مئات الآلاف من النساء، وحفاضات الأطفال ليست متوفرة بشكل كاف، وعندما دخلنا إلى إحدى المناطق، تقاطر الناس علينا وكلهن أمهات، ولديهن أطفال، ولا يملكن الحليب وأجسامهن متضررة”، مشيرة إلى أن الكثير لديهم أمراض علاوة على نقص الأدوية.

كابوس لا يمكن استيعابه

رئيسة ومؤسسة INARA أوضحت أنه “من ضمن العمل في الملاجئ هو توزيع الطعام والحفاضات والبودرة للأطفال، وتنفيذ أنشطة حول الصحة النفسية مع الأطفال”.

وعن الوصول الجرحى تحدثت: “من الصعوبة الوصول إلى الجرحى داخل غزة، وأكثر من نعمل معه من الجرحى هو من يصل إلى الخارج الذين يصلون إلى مصر وتركيا”.

"بحر من الأرواح نصف الميتة" رئيسة منظمة إنارة أروى دايمون تروي مشاهداتها من غزة

وتابعت في سرد مشاهداتها المروعة: “عندما دخلت إلى المستشفيات، كأن هناك كابوس لا يمكن استيعابه، هناك عائلات تعيش على الدرج، والكثير من الأطفال لديهم إعاقات، والكثير ترجونا لنخرجهم.. وصدمت عندما رأيت طفلاً تعرض لإطلاق نار في رأسه، وقد خرجت الرصاصة من الطرف الثاني”.

أسهبت القول: “كمنظمات إنسانية نشعر بتقييدنا، وعند أي حالة أخرى خارج غزة نقوم بإخراج سيارة إسعاف، ولكن في غزة لا نستطيع”.

وأضافت: “في غزة هناك من يريد الحفاضات والحليب، ولكننا لم نتمكن من إيجاد الحل السريع هناك، بخلاف ما يحدث خارج غزة”.

بيع الطعام لقاء أجرة إيصال للمستشفى

أوضحت دايمون أن “الناس يحتاجون كل شيء في غزة، الموضوع ليس أن تصل المساعدات إلى حدود غزة، ولكن يجب إدخالها إلى غزة، مثلاً موضوع الأكل، البعض بدأ يبيع الطعام ليتمكن من الحصول على حفاضات، أو أن الأب يبيع جزء مما يصله، ليوفر لنفسه النقود لإسعاف ابنه إلى المستشفى”.

ولفت إلى أنها مع فريقها “نسأل الإسرائيليين دائماً عن البطئ بإدخال المساعدات، ولكنهم يجيبوننا بأنهم يدخلون كل شيء، وهذا ليس صحيحاً، ومن يدخل إلى غزة يرى أن ذلك ليس صحيحاً.. الإسرائيليون قالوا منذ فترة أنهم أدخلوا شاحنات مساعدات إلى شمال غزة، ولكن هذه الشحنات كانت تجارية، وليست مساعدات، قبل دخول هذه الشحنات كانت سعر الدجاجة 50 دولار مثلاً، والآن سعرها حوالي 14.5 دولار”.

وأكدت أن “الأشخاص الذين لديهم حاجات خاصة يتم الاعتناء بهم من قبل عوائلهم قدر الإمكان، والمستشفى يعج بالأطفال مبتوري الأطراف، وهناك كبار أيضاً.. وعندما يكبر الأطفال مبتوري الأطراف فإنهم بحاجة من 5 إلى 7 عمليات، قبل أن يصلوا عامهم الـ 18، أو الـ 21″، موضحة أن “هناك نقص بالكراسي المتحركة والعكازات، ومنذ فترة قريبة دخلت شحنة منهم، وهناك عائلات تتوسل للحصول على هذه المعدات”.

لم أتعود.. لا أريد أن أخسر إنسانيتي

استمرت أروى في رواية ما شاهدته بالقول: “بالنسبة لي هذه ليست أول مرة أدخل إلى منطقة حرب، عرفت ذلك لـ 20 عاماً، ولكني لم أتعود، ولا أريد التعود، لا أريد أن أخسر إنسانيتي، وهناك تأثير قوي، ولكن الدخول والخروج هو خياري.. قبل أن أدخل إلى غزة كنت أقول أن الوضع في غزة لن يوصف، وبعدما دخلت، فأنا لا زلت عاجزة عن وصفه”.

"بحر من الأرواح نصف الميتة" رئيسة منظمة إنارة أروى دايمون تروي مشاهداتها من غزة

وصورت ذلك قائلة: “الوجع الذي يعاني منه الناس كأنه يقفز إليك ليشنقك”.

وبيـّنت أنها سألت أعضاء من فريق إنارة، “كيف تستطيعون التحمل؟.. وجاءني الجواب: (أروي هؤلاء أهلنا والأولاد أولادنا)”.

واعتبرت أن “الغزاويين لا يوجد لديهم خيار آخر وهم مجبرون على العيش”.

أشارت إلى أنه “بالإمكان التكلم مع الغزيين عن السياسة، وهم أنفسهم يتكلمون بين بعضهم، وهم يريدون الخروج لأنهم يريدون العيش.. وعندما يرى الغزيون شخصاً قادماً من الخارج يسألونه متى سيتم توقيف إطلاق النار؟، ثم متى سيتم الدخول إلى رفح؟، ثم هل بإمكانك مساعدتنا على الخروج؟”.

وأوضحت أن “هناك خوف قوي بشأن موضوع دخول إسرائيل إلى رفح، ويتساءلون إلى أين سنذهب؟.. هل سيرموننا في البحر أو يدهسوننا بالدبابات؟!”.

وشدت على أن “الناس لديهم رغبة بالخروج للعيش، ومنهم من يريد الصبر أكثر لأنهم لا يريدون خسارة أراضيهم”.

“أنتي اللوك تبعك كتير كوول”

وروت دايمون قصة مؤثرة حدثت معها وما زالت عالقة في رأسها: “رأيت فتاة في المستشفى تبلغ حوالي 15 عاماً، ولديها ابتسامة تنير المستشفى بأكملها، فقدت رجلها، وكان أخوها معها في المستشفى، فقدت 11 شخصاً من عائلتها، وفي منتصف المحادثة انقطعت الكهرباء، لتنظر إلى وتقول (أنتي اللوك تبعك كتير كوول عجبني)، أنا في تلك اللحظة ضحكت كثيراً، وكأنني رأيت الروح للفتاة، وقد بقيت هذه الفتاة وابتسامتها عالقة معي”.

وأضافت: “إحدى النساء روت لي ما يحدث مع ابنها، لقد كان يصرخ ويفعل بعض الحركات، لقد بكى بعدما انفجر رأس أخته أمامه، لقد كانت نبرة صوتها غير متغيرة، وكأن الألم الذي تملكه أجبرها على إبقاء نبرة صوتها بنفس المستوى لألّا تنكسر”.

تابعت حديثها: “كمنظمة إنارة، عندما نتسلم إحدى الحالات نقول لهم إن كل العمليات علينا، ولن نتخلى عنكم، ولكن عندما أتعرف على طفل في غزة، فأنا لا أستطيع أن أعده بشيء، أنا لا أعد أحداً بشيء إن لم أكن قادرة على تأمينه بنسبة 100%”.

"بحر من الأرواح نصف الميتة" رئيسة منظمة إنارة أروى دايمون تروي مشاهداتها من غزة

يجب علينا ألا نتوقف

وبيـنت دايمون صعوبة الوضع بقولها: “هذا الوضع لم يمر على أحد، عندما تتكلمين مع أشخاص يعملون في هذا المجال لـ 30 أو 40 عاماً، فإن أحداً منهم لم ير هكذا شيء سابقاً.. لا يوجد أي منظمة لديها الخبرة للعمل في ظل هكذا ظروف، لأنها لم تعمل في هكذا ظروف قبل ذلك.. هذه الظروف التي تفرضها إسرائيل المستندة لأمريكا علينا وعلى الشعب، لا أستطيع فهمها، وهم لا يستطيعون كذلك”.

وأكدت أنه “يجب علينا ألا ننسى وألا نتوقف، هناك فرق الآن بين ما يحصل الآن وما حصل سابقاً، لأول مرة الفلسطينيون يُرون العالم قصتهم، ويعملون تحت ظروف مستحيلة”.

أضافت: “الكثير من الناس يتساءلون ماذا بإمكانهم أن يفعلوا حيال ما يجري في غزة، ولكن الأشياء الصغيرة تؤثر في هذه الحالة”.

وأوضحت أنه “يمكن للناس المساعدة من خلال اللعب مع الأطفال هناك، ومن الخارج يمكن التبرع، أو من خلال أنشطة صغيرة للتكلم عن الموضوع”.

أردفت: “دخلت بعد يومين من استهداف فريق المطبخ المركزي العالم، وتساءلت لاحقاً، هل أنتي مجنونة؟.. ما الذي تفعليه؟”، مشيرة إلى أن “المطبخ المركزي العالمي كان يطعم الملايين، والنس شعرت بغيابه بعد الضربة التي تلقاها”.