من موت محقق إلى بر الأمان: ضابطة باكستانية تُنقذ حياة فتاة في عملية بطولية

تعرضت فتاة باكستانية في مدينة لاهور لموقف عصيب، عندما وجدت نفسها محاطة بمئات الرجال الذين يريدون قتلها، بسبب ارتدائها‭ ‬فستاناً ‬مزيَّناً ‬بالخط‭ ‬العربي،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ظنّوا بالخطأ‭ ‬أنها‭ ‬ترتدي‭ ‬آياتٍ‭ ‬قرآنية،‭ ‬وهددوها‭ ‬بالقتل‭.

وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو للحادثة على نطاق واسع، أحدها يُظهر الفتاة وهي تلجأ إلى مطعم محلي بينما يطاردها حشد من الرجال يريدون قتلها، متهمين إياها بعدم احترام القرآن والدين، بسبب فستانها الملون الذي يحمل حروفاً مطبوعة بالعربية لكلمات مثل “حلوة”، لكنهم ظنوها قرآناً بالخطأ.

وأظهر مقطع فيديو آخر الفتاة وهي مرعوبة وخائفة في زاوية المطعم، وتخفي وجهها بيديها، حيث سمع رجل في الفيديو يطلب منها خلع الثوب وإلا سيتم خلعه منها بالقوة، فيما يُسمع صوت بعضهم وهم يهددونها بالقتل.

وقالت‭ ‬الشرطة‭ ‬إنها‭ ‬تلقت‭ ‬بلاغاً، الأحد، ‬يفيد‭ ‬بتجمع‭ ‬حشد‭ ‬من‭ ‬الناس (نحو 300 رجل)‭ ‬حول‭ ‬امرأة‭ ‬في‭ ‬مطعم‭ ‬في‭ ‬لاهور،‭ ‬عاصمة‭ ‬إقليم‭ ‬البنجاب‭ ‬الباكستاني، وفقاً لموقع “تايمز أوف إنديا”.

وظهرت الفتاة وهي محاطة بضباط الشرطة الذين شكّلوا حاجزاً بينها وبين حشد متزايد من الرجال، بينما كانت ضابطة شرطة تدعى “سيدة شهربانو نقفي Syeda Shehrbano Naqvi”، تخاطبهم وتحاول إقناعهم بعدم ارتكاب أي عمل إجرامي.

وأوضحت ضابطة الشرطة للحشد أن معنى الكلمة المكتوبة على فستان الفتاة ليست كلمة مقدسة ولا آية قرآنية، مضيفة: “سنأخذ الفتاة معنا، وستؤخذ أفعالها في الاعتبار، وسنحمّلها مسؤولية أي جريمة ترتكب وفقاً لقانون البلاد”.

وأظهرت لقطات فيديو الضابطة وهي تضع ذراعها حول الفتاة وهي مغطاة بالكامل، وترافقها خارج المنطقة عبر طريق تم إخلاؤه من قِبل أفراد الشرطة الآخرين.

وحظيت الضابطة سيدة شهربانو نقفي بشهرة كبيرة، وإشادات واسعة بشجاعتها وحسن تصرفها بعد أزمة الفتاة، لدرجة وصفها ببطلة شعبية في المدينة، مع ترشيحها لأعلى جائزة شجاعة في باكستان.

وفي حوار مع “أخبار الآن”، قال الضابطة الشرطية إنه “بالنظر إلى أنك تتعاملين مع حشد من الناس، والذي يتم تحفيزهم إما لسبب سياسي أو لسبب اجتماعي لاذع للغاية أو لسبب ديني، فمن الصعب جدًا التنبؤ بما قد تفعله الحشود، وقد كتب الباحثون في علم الاجتماع عن صعوبة التأكد من عقلية الحشد، وبالنظر إلى أن هناك فكرة عن المسؤولية المشتركة والتي بسببها يرغب الحشد في تجاوز أي حدود قد لا يفعلها الفرد، لذلك لو لم نستجب ولو لم تستجب القوة على الفور للمكالمة، لكنا عانينا من ظروف قاسية كانت ستواجهها البلاد بشكل عام والمجتمعات المحلية كانت ستواجهها لسنوات قادمة”.

ضابطة شرطة باكستانية تتحدث لأخبار الآن بعد إنقاذها لفتاة من "موت محقق"

الضابطة الشرطية سيدة شهربانو نقفي خلال تكريمها بعد الحادثة

وأضافت أن “هذه ليست المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك وهو ما نسميه بـ(الشرطة المجتمعية الحديثة) هنا في باكستان، عندما يحاول شخص ما إخبارك بما يجب عليك فعله وما لا يجب فعله بناءً على ما يعتقد أنه صحيح وخاطئ. لذا فإن هذا النوع من الشرطة المجتمعية الحديثة في المنطقة التي وقع فيها الحادث هو نوعاً ما معتاد”. لافتة إلى أنه “لسوء الحظ، فقد حدث هذا الأمر من قبل ولم يتم الإبلاغ عن الحالة للشرطة. ولو تم الإبلاغ عن ذلك، لكنا اتخذنا الإجراءات اللازمة. والأشخاص الذين أثاروا الحشد هذه المرة اعترفوا بأنهم فعلوا مثل هذا الشيء من قبل أيضًا”.

"أخبار الآن" تُحاور ضابطة باكستانية بعد إنقاذها فتاة من موت محقق

أكدت “سيدة شهربانو نقفي” في حواره مع “أخبار الآن”، أنه “في المرة السابقة كانت امرأة ترتدي عباية مخطوط عليها، وطلبوا منها تغييرها، وكانت مع زوجها أيضًا، وطلبوا منها أن ترتدي عباية بسيطة أو عباية سوداء لأنهم اعتبروها مسيئة دينيًا. ولسوء الحظ، استسلمت المرأة في الحادث الماضي. وغيرت العباية وأبعدت نفسها عن الموقف. السبب الحقيقي وراء تفاقم الحادث الأخير هو أنهم استمروا في القول أنهم رأوا سابقًا حالة مثل هذه المرأة، والتي لم تبدِ أي اعتراض على ما كانوا يقولونه لها. ووافقت على ما طلب منها. وسألوا لماذا تجادلنا هذه المرأة هذه المرة على وجه الخصوص؟ لماذا قالت إنها مع زوجها. وهي مع محرمها وأنه ليس بإمكانهم أن يقولوا لها ما ترتديه وما لا ترتديه. ولماذا كانت تجادلهم باللغة الإنجليزية؟ هذه كانت حججهم، للأسف. لذلك عندما تطرح مثل هذه الحجج. تصبح القصة محيرة للعقل لأنه من الصعب على أي شخص عادي فهمها. لماذا يعتبر الشخص أنها إهانة عندما يدافع شخص آخر عن حقه في ارتداء ما يحلو له؟”

 

 

أوضحت أنه “عندما رأوا أن المرأة لم تكن تستمع إليهم، جمعوا حشدًا كبيرًا من حولهم وبدأوا ينادون الناس بأن لديها، آيات قرآنية مكتوبة على ملابسها، ويجب ألا يسمحوا لها حتى بالجلوس. لذلك جعلوها تق.. كانت واقفة، لم يُسمح لها بالجلوس.. وظلت واقفة لبعض الوقت، وقبل إجراء المكالمة، جاء ضباط الشرطة الذين كانوا أول المستجيبين، وأرسلوها إلى مكان أكثر أمانًا، الأمر الذي من شأنه أن يبقيها في مأمن من الحشود. هذا ما حدث بالكامل”.

وأضافت: “تلقينا مكالمة تفيد بأن امرأة كانت محاطة بحشد من الناس حيث يعتقد هؤلاء الناس أنها ترتدي ملابس كُتب عليها آيات من القرآن وطلبوا منها تغييرها فيما ترفض التغيير. وقد تجمع الناس حولها وهي مكالمة حول إساءة دينية. هذه الحادثة كانت في اتشرا وبالتحديد إلى المكان الذي كانت ستقام فيه بعد بضع ساعات، مباريات “بي إس إل” أو الدوري الباكستاني الممتاز. لذا فإن المذيعين الدوليين كانوا قادمين إلى مباريات الكريكيت وكذلك لاعبي الكريكيت الدوليين سيحضرون أيضاً، لذلك لو تفاقمت هذه المشكلة، لكانت مصدر إحراج كبير للبلاد.. على أي حال، الحادثة وقعت في منطقة شوك الباكستانية، الموقع الدقيق يسمى شوك، هناك ثلاثة شوارع، أمام المتجر مباشرة، أو أربعة شوارع، أمام المتجر مباشرة. وكانت الأربعة مزدحمة بالرجال الذين يرددون شعارات دينية ويطلبون من المرأة أن تخرج. ودخلنا من هذا الجانب، من الجانب الأيسر، وبدأنا بالصراخ.. بدأت بالصراخ”.

تابعت: “كنا محبطين، يمكنك تخيل كيفية عمل الحشود الدينية.. كانوا مضطربين ومحبطين وطالبوا بإنزال العقوبة على المرأة على الفور مهما كان نوع العقوبة الواجب فرضها.. وكما تعلمون، لا يمكنكم فرض القانون بأيديكم فهناك قانون معمول به في باكستان. لذلك بدأنا بالصراخ، وبدأت بالصراخ، وبدأت في دفع الرجال بعيدًا.. كنت أقول أفسحوا لي المجال والمرأة كانت موجودة في الزاوية. كانت ترتجف.. مدير الشرطة كان موجوداً في الموقع، إضافةً إلى اثنين من ضباط المحطة، وكان علينا التأكد أيضاً من عدم حدوث أي ضرر مادي لأي شيء موجود في اتشرا، خصوصاً أنه سوق للأقمشة.. وإذا أشعلت فيه النار كان من الممكن أن يكون حريقاً ضخمًا”.

واصلت حديثها: “حرصنا على أن لا يتم عمل أي حالة شاذة عن القانون وأن لا يتم إغلاق أي طريق من قبل الأشخاص المضطربين أو المتظاهرين.. إذن هذه هي كانت اهتماماتنا الرئيسية الثلاثة، وأولاً حياة المرأة، لذلك عندما أدركنا أن الحشد كان مضطربًا للغاية، اقترح الضابط أن نطلب حضور (إيه بي سي) وهي مركبة مدرعة بحيث لا يمكن لأي شخص الدخول أو القيام بأي شيء، لكنني قلت إننا لسنا بحاجة إلى واحدة، كنت أقول، إذا اتصلنا بـ (إيه بي سي) في الوقت الحالي، فسنضع مثالًا أو سابقة بحيث يعتقد الموجودون أن بإمكانهم الإفلات من العقاب على مثل هذه الأشياء.. وعلينا حماية الشخص الذي يتهمونه.. وفي حال استخدمنا عربات مدرعة وبنادق، فتكون السابقة أو المثال الذي وضعناه خاطئًا، ولا يمكننا السماح لهم بمضايقتنا بهذه الطريقة أو أخذنا إلى وضع نخضع فيه لمطالب من هذا النوع.. في تلك اللحظة تحديداً تم تصوير الفيديو، الذي انتشر بسرعة.. في الأساس، كنت أقف على كرسي حينها”.

ضابطة شرطة باكستانية تتحدث لأخبار الآن بعد إنقاذها لفتاة من "موت محقق"

أكدت أنه “حتى لو هاجموني، فلم يكن ليحدث ذلك فرقًا.. لأنه لا يمكن السماح لأحد بالإفلات مما كان يفعله، لا يمكن السماح لأحد بتولي أمور الدولة بيديه، هناك وكالات إنفاذ القانون في أي بلد لضمان تطبيق القانون وحماية حقوق الجميع، وقد رأينا العديد من الحوادث هنا في باكستان التي تصيب المجتمع وتؤذيه، ويحتاج إلى وقت للشفاء منها، وعندما تحدث مثل هذه الحوادث مرارًا وتكرارًا، فإننا نفتح الجرح نفسه ونصيبه، لذلك لم نكن لنسمح لهم بالإفلات من العقاب، لم يكن بإمكاننا السماح لهم بالفرار، لأن الأجيال القادمة لم تكن لتغفر لنا”.

وتابعت: “وقفت على الكرسي وبدأت في مخاطبتهم، لأنك بحاجة إلى صوت العقل والمنطق، ولم أكن أفكر في أي شيء آخر غير إخراج المرأة.. وقلت لهم، لا يُسمح لكم بفعل ذلك.. سأخرج المرأة وكانت تتشبث بي كطفل.. لا يمكنني أن أنسى ذلك أبدًا لبقية حياتي.. وقالت: (لا تخرجيني) سوف يقتلونني.. قلت لها لن يقتلوك، أعدك بذلك.. ربطنا شعرها لأنها كانت قد صبغت شعرها باللون الأصفر وربطت شعرها بشكل (كعكة) كما غطيت رأسها.. اعتقدت أنهم إذا رأوا أجزاء القميص التي كانوا يطلبون منها تغييرها قد يشعرون بالاضطراب مجدداً.. لذلك ما فعلناه هو أننا قمنا بلف القميص، وربطناه على بطنها، حتى لا يتمكن أحد من رؤيته من الأسفل.. ثم أعطيناها عباية وغطيت وجهها.. ثم أخرجتها وسحبتها من هناك دون التفكير في أي شيء آخر، بخلاف حقيقة أنني أردت الحفاظ على سلامتها.. وفي وقت لاحق، تمت مرافقتها إلى مركز شرطة آخر لأن الحشد تبعنا إلى الطريق الرئيسي.. وكانوا يرددون الشعارات ويتبعون السيارة”.

ضابطة شرطة باكستانية تتحدث لأخبار الآن بعد إنقاذها لفتاة من "موت محقق"

ضابطة الشرطة الباكستانية لدي إخراجها الفتاة

وأضافت: “أكثر ما لفتني عندما كنت أقوم بمساعدتها لتغيير ملابسها لاحقًا، قالت أنا بحاجة لرؤية طفلي.. لقد جئت إلى هنا للتسوق مع زوجي.. أعتقد أنني ارتكبت خطأ.. كانت مرتبكة جدًا لدرجة أن هذه السطور لن تخرج من رأسي أبدًا، لأنه من الصعب جدًا على النساء المطالبة بمساحتهن العامة أو استعادتها.. ومن ثم تخيفهن مثل هذه الحوادث لدرجة أنه ربما لن يُسمح لهن بالذهاب إلى مكان مثل المتجر لبعض الوقت. سيتردد آباؤهن أو أولياء أمورهن أو هن أنفسهن قليلاً قبل الذهاب إلى مكان عام.. لذلك في الأساس، هذا الحدث بحال حصوله معها، سيكلفنا الكثير كنساء لا سيما لجهة استعادة المساحة العامة التي كنا نسعى جاهدات للمطالبة بها لوقت طويل. أنا سعيدة لإنقاذ حياتها”.

وأردفت القول: “أدعو الله أن تصبح أروع شخص على الإطلاق والنسخة الأقوى من نفسها، وأن تكون قادرة في يوم من الأيام على إخبار كيف واجهت الحشود.. وأتمنى أن تخرج ذات يوم وتكشف عن هويتها وتخبر الناس أنها كانت الشخص الذي مر بكل ذلك.. وأن عليها أن تخرج أقوى.