عنف واضطهاد للإيغوريات في الصين.. قصةمروعة ترويها شاهدة عيان من الإيغور

تتعلض أقلية الإيغور في الصين إلى اضطهاد وانتهاكات جسيمة، وكشفت صور الأقمار الصناعية وملفات مسربة من الشرطة الحكومية على مدى السنوات الخمس الماضية، أن الصين أجبرت أكثر من مليون من الإيغور والأقليات العرقية الأخرى على الإقامة في معسكرات من أجل طمس هويتهم الوطنية ولغتهم ودينهم، ولغسل أدمغتهم ليصبحوا رعايا مخلصين للحزب الشيوعي الصيني.

وكشفت صور الأقمار الصناعية والوثائق الحكومية، بما في ذلك العمل الرائد للباحث أدريان زينز، سلسلة متوسعة من السجون الكئيبة المحاطة بالأسلاك الشائكة، كما تقدم عدد من شهود العيان بروايات مثيرة للقلق، فيما أنكرت الصين في البداية وجود المعسكرات، ثم ادعت أن المرافق مخصصة للتعليم المهني.

في نوفمبر من عام 2016، تلقت جلبهار هايتيواجي، وهي امرأة تنتمي لعرقية الإيغور وتعيش في المنفى بباريس، مكالمة هاتفية غامضة من إقليم شينجيانغ. وفي المكالمة، طلبت منها موظفة تعمل في الشركة التي كانت تعمل بها من قبل، أن تعود إلى الصين للتوقيع على بعض المستندات الخاصة بتفاصيل تقاعدها.

وعلى الرغم من تحذير زوجها لها، إلى جانب شعورها بحالة من عدم الارتياح، استقلت هايتيواجي طائرة متجهة إلى هناك، وربما كان ذلك أملا منها في أن تتمكن من رؤية أسرتها من جديد. ولكن الأمر تبين لاحقا أنه كان مجرد فخ فبمجرد وصولها إلى شينجيانغ، حيث يعيش الكثير من أفراد أقلية الإيغور، اختفت هايتيواجي خلف جدران أحد مراكز الاحتجاز وذلك بحسب صحيفة “واشنطن بوست.

"جٌردت من الإنسانية وتعرضت للإذلال".. إيغورية تروي معناتها بعد الاحتجاز

 

وكانت تلك هي بداية محنة استمرت لمدة عامين ونصف، قضتها هايتيواجي في السجون ومعسكرات إعادة التثقيف التي تصفها بكين بأنها “مؤسسات للتعليم ” في رحلة اتسمت بالقهر والرعب. وبسبب تمتعها بقدر كبير من الحظ، ولأن ابنتها قامت بكل ما في وسعها بمساعدة الدولة الفرنسية، تمكنت هايتيواجي من الهرب من هذا الكابوس.

وبعد تردد طويل، قررت هايتيواجي كتابة قصتها مع الصحفية الفرنسية روزين مورجات، في كتاب يحمل اسم “كيف نجوت من معسكر صيني /لإعادة التثقيف/”، في رواية قوية من شاهدة عيان، تم نشرها بعد انطلاق دورة الألعاب الشتوية في بكين مباشرة، لتسليط الضوء على الصين.

وهناك ما يقدر بنحو 10 ملايين شخص من الإيغور، وهم أقلية عرقية أغلبها من المسلمين، يعيشون في الصين، ويوجد معظمهم في إقليم شينجيانغ الواقع في شمال غرب البلاد. ويرتبط الإيغور عرقيا بالأتراك، ويشعرون بالاضطهاد من جانب الهان الصينيين الذين يحكمون البلاد – اقتصاديا وسياسيا وثقافيا. وبعد أن سيطر الشيوعيون على السلطة ببكين في عام 1949، استولوا على تركستان الشرقية السابقة وصارت جزءا من الصين.

ويعد كتاب هايتيواجي واحدا من بين عدد قليل جدا من روايات شهود العيان في شينجيانغ. وتقول جماعات معنية بالدفاع عن حقوق الإنسان إن هناك مئات الآلاف من الإيغور والأقليات الأخرى الذين تم سجنهم داخل “معسكرات إعادة التثقيف” هناك خلال الأعوام الأخيرة. كما تحدث سجناء سابقون عن تعرضهم “لغسل أدمغتهم وتعذيبهم وتلقيهم معاملات أخرى مهينة “.

ومن جانبها، تنفي الصين كل هذه المزاعم وتتهم بعض جماعات الإيغور بدعم القضايا الانفصالية، وحتى بالوقوف وراء الهجمات الإرهابية.

وتعتبر أسباب اعتقال الإيغور سخيفة. فقد تم اعتقال هايتيواجي بسبب مشاركة ابنتها في مظاهرة نظمها أشخاص من الإيغور يعيشون في المنفى في باريس. وأفادت تقارير باستخدام أدلة فوتوغرافية مزعومة لإقناعها بالاعتراف بأن ابنتها إرهابية.

 

"جٌردت من الإنسانية وتعرضت للإذلال".. إيغورية تروي معناتها بعد الاحتجاز

 

وفي الكتاب، تشرح هايتيواجي كيف تم تقييدها بالأغلال في سريرها لأسابيع، وكيف تم تعريضها لضوء النيون القوي طوال الليل والنهار. كما كان يتعين عليها تحمل ساعات من الاستجواب، شأنها شأن غيرها من السجينات الأخريات. وعندما علمت أخيرا أنها سيتم نقلها إلى “مدرسة”، شعرت بالتفاؤل من جديد، إلا أن المدرسة تحولت إلى معسكر وحشي لإعادة التثقيف.

وفي الكتاب توضح السجينة السابقة نوعية التدريبات العسكرية اليومية الوحشية، وأساليب المراقبة الاستبدادية، والدروس النظرية، التي ترقى إلى غسل الدماغ، والتي تهدف إلى جعل السجينات تنسى حياتهن السابقة وهويتهن، من أجل استبدالها بالإيديولوجية الشيوعية. وبحسب رواية هايتيواجي، تخضع السجينات أيضا لعلاج طبي غامض، من المحتمل أنه يتم بغرض جعلهن غير قادرات على الانجاب.

ومع ذلك، ففي ظل كل هذا القدر من الكآبة، ظهر شعاع أمل صغير. وفي يوم من الأيام، استعادت هايتيواجي ملابسها مجددا. وحكت أنها شعرت للحظة وجيزة بجمالها. ومع ذلك، فقد كانت مجرد ظل لنفسها السابقة خلال هذا الوقت.

ومع تغير الأمور بصورة بطيئة نحو الأفضل لهايتيواجي، يتم الكشف عن سخافة النظام برمته.

ورغم أنه كانت هناك بعض التقارير الصحفية اللاذعة جدا بشأن معاملة الصين لشعب الإيغور خلال الأعوام القليلة الماضية، إلا أن رواية هايتيواجي، بوصفها شاهدة عيان، لها تأثير مختلف تماما. إنها صادمة ومروعة ومُدينة لسياسات بكين اللاإنسانية وعدم مبالاة العالم.

"جٌردت من الإنسانية وتعرضت للإذلال".. إيغورية تروي معناتها بعد الاحتجاز

 

في عامي 2019 و2020، أغلقت الصين العديد من معسكرات إعادة التأهيل الأصغر حجمًا ونقلت المعتقلين إلى العمل القسري أو سجنتهم بأحكام طويلة بالسجن بعد محاكمات وهمية. وتم توسيع كل من السجون والمرافق الأمنية المشددة. وتستمر جوانب أخرى من الإبادة الجماعية الثقافية للإيغور، بما في ذلك فصل الآباء والأطفال، والسياسات القاسية لتقليل معدل مواليد الإيغور، وانتشار التلقين السياسي وغسل الدماغ على نطاق واسع.

ومن خلال تسليط الضوء على محنتها في المخيمات، ساعدت السيدة هايتيواجي في ضمان عدم “اختفاء الثقافة والناس ببطء”، كما تخشى. لكن الحقيقة الكاملة ليست معروفة بعد. ويجب أن يتم كشفها بشكل كامل ومحاسبة الصين.