ديوانيون معزولون: “صدقنا حلم مسار 25 يوليو.. بلغنا عن الفساد فكان مصيرنا العزل”

  • حجز 23 حاوية كانت متجهة صوريا للقطر الجزائري لكن كان سيتم تفريغها في السوق الداخلية التونسية
  • عمليات العبور الوهمي تقدر بأكثر من 10 آلاف حاوية يعني ما يزيد عن 3 آلاف طن من المواد المهربة

يعتبر ملف العبور الوهمي نحو الجزائر من أكبر ملفات الفساد في تونس، وتم بسببه إعفاء المدير العام للديوانة التونسية كمال الزواغي، حيث تم الكشف عن هذا الملف عبر تبليغ عدد من عناصر الديوانة عن فساد مديرهم؛ إلا أنه قام بعزلهم قبل أيام قليلة من صدور قرار إعفائه.

وللحديث أكثر عن هذا الموضوع تواصلت “أخبار الآن” مع عدد من الديوانيين المعزولين على خلفية إبلاغهم عن ملف العبور الوهمي وغيره من ملفات الفساد.

العقيد المعزول، كريم العوني كشف مفهوم العبور الوهمي نحو الجزائر الذي يتمثل في عبور حاويات تحتوي على سلع قادمة في أغلب الأحيان من الصين يتم التصريح للديوانة بصفة مغلوطة أنها ستعبر من تونس، وسيتم تصديرها للسوق الجزائرية، لكن في الواقع يتم ضخ هذه السلع في الأسواق الداخلية التونسية.

وقال كريم تم حجز 23 حاوية كانت متوجهة صوريا للقطر الجزائري، لكن كان سيتم تفريغها في السوق الداخلية التونسية كغيرها من الحاويات التي مرت مرور الكرام قبل الكشف عن هذه العملية من قبلنا.

ديوانيون معزولون في تونس.. والتهمة: كشف الفساد.. ماذا قالوا لـ"أخبار الآن"؟

صورة لسلع صينية في السوق التونسية (أخبار الآن)

وأشار إلى أن عمليات العبور الوهمي تقدر بأكثر من 10 آلاف حاوية يعني ما يزيد عن 3 آلاف طن من المواد المهربة، ووفق تقديرات الخبراء، هناك خسائر مست الدولة التونسية بما يزيد عن 5 آلاف مليار من البضائع التي لم تحصل الدولة على معاليمها الجمركية.

وأكد العوني أنه تم ضخ مواد مقلدة في السوق الداخلية تتمثل في الذهب المزيف وكميات من التجهيزات المنزلية ذات الكلفة غير الباهضة والهواتف والمكيفات والمواد المكتبية كالأقلام والألعاب التي من الممكن أن تؤثر على صحة الأطفال لعدم مطابقتها لمعايير السلامة والجودة وغيرها من المواد التي يتم تهريبها بشكل مخادع للدولة التونسية.

ديوانيون معزولون في تونس.. والتهمة: كشف الفساد.. ماذا قالوا لـ"أخبار الآن"؟

وكشف العوني لـ”أخبار الآن” أنه في إطار عمله النقابي في الديوانة، قام رفقة زملائه بجميع الطرق الممكنة للتواصل مع رئاسة الحكومة ووزارة المالية والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، لإحاطتهم علمًا بتجاوزات مدير الديوانة، لكنه لم يتلقى أي رد منهم.

كما أشار العوني إلى أن تبليغه عن الفساد ساهم في النهاية في كشف التجاوزات الكبيرة، ومن أهمها أكبر ملف فساد في تاريخ تونس وهو ملف العبور الوهمي نحو الجزائر، وفق تصريحاته.

وكشف العوني أن سائقي الشاحنات الذي كان من المفترض أن يقوموا بإيصال السلع القادمة من الصين إلى الجزائر؛ اكتشف الحرس التونسي أن جميعهم لا يمتلكون جوازات سفر، وبعضهم غير حاملين أصلا لبطاقات هوية، وهذا ما يؤكد أن عملية العبور نحو القطر الجزائري لم تتم وأن الشحنات التي تحملها عرباتهم يتم تفريغها في مناطق عدة من البلاد التونسية كمدينة القصرين ويتم بعدها نشرها في كافة الأسواق التونسية.

السلع الصينية خربت الاقتصاد التونسي

تعتبر الصين ثالث أكبر مزوّد للمنتجات إلى تونس. ففي العام 2018، بلغت قيمة الواردات الصينية إلى تونس حوالى 2 مليار دولار، وشملت سلعًا استهلاكية وأدوات كهربائية وإلكترونية ومواد بلاستيكية ومواد كيميائية عضوية. لكن هذه الأرقام لا تعبّر عن الحجم الفعلي للواردات الصينية، إذ إن جزءًا كبيرا منها غير رسمي، وهذا الجزء الغير رسمي سهلته شبكات التجارة غير الرسمية، التي لا تخلو من بؤر فساد، تمامًا مثل قطاعات أخرى في الاقتصاد التونسي وفق مركز مالكوم كير كارنيغي للشرق الأوسط.

هذا وقال نائب سابق في البرلمان التونسي وصاحب مصنع أحذية:”بدخول السلع الصينية إلى تونس، النسيج الاقتصادي في البلاد تم تخريبه تماما”.

وأضاف: “لا يوجد أي إمكانية لمقاومة خصم لديه مصاريف أقل منك بنسبة 60 بالمائة، وأكد أن الدولة كانت ومازالت تدافع عن الصين والمهربين أكثر مما تدافع عن الصناعيبن التونسيين”.

ديوانيون معزولون في تونس.. والتهمة: كشف الفساد.. ماذا قالوا لـ"أخبار الآن"؟

وأكد أن خسارته وخسارة أبناء قطاعه كبيرة منذ غزو السلع الصينية للأسواق التونسية وإقبال الناس على شرائها.

وكشف العذار أنه واجه في وقت سابق وزير المالية ومدير الديوانة بسؤالهما:” هل وقعت في تونس من قبل مرور حاويات دون أي مراقبة أو تثبت من محتواها؟ والإجابة الصادمة وفق تعبيره كانت بالإيجاب.

عزل الديوانيين والتهمة “التبليغ عن الفساد” وفق روايتهم

ووفق العوني فإن العبور الوهمي تضاعف 4 مرات في فترة وجود المدير العام السابق للديوانة من 300 عملية سنة 2017 إلى 11 ألف عملية سنة 2020.

يقول العوني إنه تم عزله بسبب كشفه لملف العبور الوهمي، وأن قرار عزله وردت به اتهامات واهية مثل نشر تدوينات فيسبوكية، وهذا ما لم ينكره لأنه كان يعتمد وسائل التواصل كطريقة من أجل الضغط وكشف تورط مديره السابق في ملفات الفساد.

قرار إداري بفصل كريم عوني

ليس العقيد العوني الوحيد من عناصر الديوانة ممن طالبوا برحيل رئيسهم السابق وكشف تورطه في الفساد، كان الرائد الصغير الحسيني والمقدم رضا الجزيري من بين الديوانيين الذين كانوا يحملون نفس المطالب إلا أن جميعهم واجهوا قدرا واحدا ألا وهو العزل.

أكد الديواني المعزول رضا الجزيري أنه كان مثالا للانضباط في سلك الديوانة وأن ذنبه الوحيد أنه لم يسكت على الظلم والتجاوزات وقال الجزيري باكيا:”دفعت ثمن صدقي ووطني..ها أنا اليوم في سن الستين بلا عمل ولا مال وغير قادر حتى على معالجة زوجتي المريضة أو حتى مداواة نفسي.”

ديوانيون معزولون في تونس.. والتهمة: كشف الفساد.. ماذا قالوا لـ"أخبار الآن"؟

وأشار إلى أنه اضطر للعمل كعامل بناء وكصائد سمك وإعانات الأقارب والأصدقاء خاصة وأن لا أحد يقبل بتوظيفه.

وتابع:”قاموا بعملية إجرامية في حقي، ليس المدير السابق الوحيد المسؤول، أحمل المسؤولية للوزيرة أيضا التي وقعت على القرار دون تمحيص أو مراجعة وأحمل أيضا المسؤولية لرئيس الحكومة.

ديوانيون معزولون في تونس.. والتهمة: كشف الفساد.. ماذا قالوا لـ"أخبار الآن"؟

قرار إداري بفصل رضا الجزيري

وكان الجزيري وفق روايته كبقية زملائه ينشط في نقابة الديوانة ويدعو إلى فضح التجاوزات والمتجاوزين ويندد بالقرارات التعسفية التي من شأنها أن تخمد كل صوت يدعو إلى التغيير أو فضح الفاسدين كما أشار إلى أن الزواغي عاث في الديوانة فسادا وتعامل معها كمغارة علي بابا.

وأضاف الجزيري أنه تعرض للعنف والإذلال والنقل القسري إلى الجنوب التونسي قبل أن يصدره فيه قرار العزل النهائي الذي أكد أن الاتهامات الواردة فيه لا تمت للواقع بصلة إذ قال إنه لم يتغيب يوما عن عمله بل كان يمارس نشاطه النقابي الذي يكفله الدستور ويحميه وأشار إلى الزواغي رغم أنه هارب حاليا من العدالة إلا أن تهديدات وصلتهم منه وقال لهم:”ستعودون للديوانة على جثتي.”

 

ديوانيون معزولون في تونس.. والتهمة: كشف الفساد.. ماذا قالوا لـ"أخبار الآن"؟

بيان النقابة الوطنية لضباط وأعوان الديوانة التونسية

التقت “أخبار الآن” أيضا بالرائد الصغير الحسيني الذي تم عزله هو الآخر على خلفية وقوفه في وجه الزواغي وفق روايته.

وقال الصغير إن المدير العام السابق يوسف الزواغي تعمد عزلهم قبل أيام من إعفائه من قبل رئيس الدولة التونسية، مشيرًا إلى أنه من المفترض أن تلغي كل قراراته التي اتخذها خلال فترة ترأسه للديوانة، خاصة وأن هذه القرارات تم اتخاذها من أجل التشفي والانتقام.

ديوانيون معزولون في تونس.. والتهمة: كشف الفساد.. ماذا قالوا لـ"أخبار الآن"؟

أخبار وصور من اعتصام ضباط الديوانة

كما تحدث عن إيقافه وتعرضه للعنف بسبب تدوينات كان ينشرها حول ملفات فساد تورطت فيها الديوانة.

وأشار الصغير إلى أنه صدق حلم التغيير واتبع مسار 25 يوليو ودعوات رئيس الدولة بضرورة التبليغ عن الفساد والفاسدين، إلا أن ما راعه هو محاسبته كمبلغ عن الفساد وترك بقية المتورطين أحرارا.

ديوانيون معزولون في تونس.. والتهمة: كشف الفساد.. ماذا قالوا لـ"أخبار الآن"؟

وختم الصغير حديثه لـ”أخبار الآن”:”لم أندم على تبليغي على الفساد.. أنا كنت ضحية وطنيتي ودفعت الثمن لكن لو عاد بي الزمن سأبلغ مجددا عن الفساد وأتصدى للتهريب والإخلالات القانونية.”

ما زال ملف العبور الوهمي نحو القطر الجزائري تحت أيادي القضاء، ويرجو الديوانيون أن تتم محاسبة كل المتورطين في هذا الملف وإعادة الاعتبار لهم.

وحاولت “أخبار الآن” التواصل مع الديوانة التونسية من أجل تصريح رسمي حول آليات مكافحتها للفساد، وغيرها من الملفات، لكنها لم تتلقى أي رد رسمي حتى نشر هذا التقرير.