الأزمة السياسية في تونس وعلاقتها بالأزمة الاقتصادية؟

خلال جلسة استماع عقدت بمجلس الشيوخ الأمريكي أواخر الشهر الماضي، حذر وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن من خطورة الوضع السياسي والاقتصادي في تونس، وقال إن الاقتصاد التونسي يسير نحو المجهول.

لم يكن تصريح بلينكن هو الأول من نوعه لمسؤول غربي، إذ سبقته تحذيرات من مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، من انهيار الوضع في تونس، وقال “الوضع في تونس خطير للغاية. إذا انهارت تونس، فإن ذلك يهدد بتدفق مهاجرين نحو الاتحاد الأوروبي والتسبب في عدم استقرار في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. نريد تجنب هذا الوضع”.

كما أدلى كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني بتصريحات مماثلة.

من جانبها تعتبر الحكومة التونسية هذه التصريحات مبالغا فيها، وتدعوا لتفهم خصوصية الوضع في البلاد، و”اعتماد خطاب مسؤول وبناء يعكس حقيقة الواقع ويثمن ما تم تحقيقه في إطار السعي إلى إرساء ديمقراطية حقيقية”.

تواجه تونس أزمة اقتصادية تزايدت شيئا فشيئا في الشهور الأخيرة، حيث لم تكد البلاد تتعافى من آثار وباء كورونا، حتى جاءت الحرب الروسية الأوكرانية، التي ألقت بظلالها على اقتصاد العالم بأسره.

تواجه تونس أزمة اقتصادية تزايدت شيئا فشيئا في الشهور الأخيرة، حيث لم تكد البلاد تتعافى من آثار وباء كورونا، حتى جاءت الحرب الروسية الأوكراني

لكن بعض يشير بأصابع الاتهام للوضع السياسي في البلاد، ويحمل سياسيات الرئيس التونسي قيس سعيد مسؤولية تعميق الأزمة. كما يتهمونه بعدم التعاطي بشكل مناسب مع الوضع الاقتصادي. فكيف وصلت البلاد إلى هذه النقطة؟ ولما يحمل البعض عدم الاستقرار السياسي مسؤولية الضائقة الاقتصادية في تونس؟

كيف وصلت الأزمة لهذا الحد؟

خلال الأشهر الماضي، ارتفع معدل التضخم السنوي إلى مستوى في تونس غير مسبوق منذ ثمانينيات القرن الماضي، حيث بلغ المعدل نحو 11% في فبراير شباط الماضي.

هذا التضخم جاء مصحوبا بأزمة في توافر عدد من السلع الأساسية كالبنزين والسكر والقهوة وزيت الطهي ومنتجات الألبان وبعض الأدوية.

 

في الوقت نفسه، تعاني الموازنة التونسية العام الجاري من أعباء ثقيلة، ونقص في الموارد المتاحة، فضلا عن تآكل الاحتياطي النقدي الأجنبي لنحو7 مليار دولار.

يتوقع أن يبلغ عجز الموازنة نحو 2.4 مليار دولار، وهو ما يقدر بنحو 14% من حجم الإنفاق في موازنة العام 2023، بحسب قانون المالية.

بجانب العجز، فهناك ديون خارجية وفوائد ديون تقدر ب 5 مليار دولار، منها نحو 2.13 مليار دولار ديون خارجية.

هذا يعني أن ثلث إنفاق البلاد المقدر ب 22 مليار دولار، سيوجه لسداد الديون وتغطية العجز، وتخطط الحكومة لتوفير هذه المبالغ عبر اقتراض نحو 7.52 مليار دولار، منها 2.2 مليار دولار من الخارج.

 

في السنوات الأخيرة، تفاقم أزمة الديون، حيث قفزت نسبة مديونية تونس  من 61.88% عام 2016 إلى نحو 90% من إجمالي الناتج المحلي.

نحو نصف هذه الديون هي ديون خارجية، على تونس أن تسددها بالدولار أو اليورو، وفقا لوزارة المالية التونسية.

وبلغ معدل الديون مؤخرا إلى أقصى مدى له منذ استقلال البلاد، مقارنة بالناتج المحلي.

 

مخاوف من الإفلاس

علاوة على المخاوف من توجه الاقتصاد التونسي نحو المجهول، صنفت وكالة موديز للتصنيف الائتماني مرتبة تونس إلى  CAA2 مع نظرة مستقبلية سلبية. هذا الخفض هو العاشر على التوالي منذ عام 2011, وقد وضع تونس في المرتبة 18 من على مقياس من 20 درجة. يحذر اقتصاديون من أن الخفض القادم سيكون متربطا بعجز البلاد عن سداد ديونها.

في الوقت نفسه، توقع بنك مورجان ستانلي أن يرتفع تستمر الديون في التراكم لتتجاوز 100% من الناتج المحلي عام 2025، إذا لم تحصل تونس على قرض من صندوق النقد الدولي.

وحتى في حال حصول البلاد على القرض، يرى البنك أن هناك احتمالية للحاجة لإعادة هيكلة الديون.

 

هل فاقمت الأزمة السياسية التردي الاقتصادي؟

تتفق بنوك عالمية ووكالات ائتمانية على أن الاتفاق على برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي، هو أول خطوات الحل. كما حث وزير الخارجية الأمريكي، والرئيسين الفرنسي والإيطالي في تصريحاتهما التي أدلا بها مؤخرا، على أن الإسراع فيه هذه الخطوة.

كل هذه المعطيات دفعت محافظ البنك المركزي التونسي مروان العباسي للتحذير مطلع العام الحالي من أن سنة 2023 ستكون صعبة إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق سريع مع صندوق النقد الدولي، يضمن حصول البلاد على القرض.

منذ نحو عامين، تسعى الحكومة التونسية جاهدة للحصول على هذا القرض، واتفقت مؤخرا مع خبراء الصندوق على الحصول على 1.9 مليار دولار على مدار عامين، إلا أن مجلس إدارة الصندوق أجل الخطوة في ديسمبر كانون الثاني الماضي، مطالبا بمزيد من الخطوات نحو الإصلاح.

المحادثات مع الصندوق سارت بطيئة، ما دفع البعض للتحذير من أن الصندوق الصندوق قد يقرر إعادة المفاوضات من البداية، إذا رأى أن الأرقام التي يستند إليها لم تعد واقعية.

يرجع محافظ البنك المركزي التونسي مروان العباسي تصريحات قبل أيام، قرار المجلس بتأجيل الاتفاق، لعدم جاهزية قانون المالية لعام 2023، وقت اجتماع مجلس إدارة الصندوق.

هل عمقت الأزمة السياسية في تونس ورطتها الاقتصادية؟

كما يطالب الصندوق، وفقا للعباسي، بإعادة هيكلة أكثر من 100 شركة عامة تونسية مديونة بشدة. ويقول العباسي، إن قانون الهيكلة خضع لمناقشة مطولة وسيعرض أمام مجلس الوزراء.

ولا تحظى الإصلاحات التي طلبها صندوق النقد بإجماع داخلي، حيث يعارضها نقابيون وأحزاب معارضة، ويعتبرنها تحمل المواطن عبئا شاقا، وتقلل من الدعم الذي يحصولون عليه، في وقت ترتفع في الأسعار عالميا بشكل جنوني.

لكن معارضين يلقون باللوم على حالة الفراغ السياسي في البلاد، التي خلقت بعد حل الرئيس سعيد للبرلمان قبل نحو عامين، وجمع السلطات في يده.

أما على صعيد الشارع، فقد شهدت تونس تظاهرات متكررة، خلال الأشهر الماضية، تحمل الرئيس قيس سعيد مسؤولية الأزمتين الاقتصادية والسياسية، شارك فيها أنصار جبهة الإنقاذ الوطني المعارضة، وبعض الموالين للرئيس. واعتبر المشاركون الأزمة الاقتصادية وثيقة الصلة بالأزمة السياسية.

ووفقا لتحليل أجرته وكالة رويترز، فإن ما يصعب الموقف، عدم وجود مؤشرات على استعداد سعيد للموافقة على الخطوات اللازمة للتوصل إلى اتفاق، كما لم يتبن الاتفاق مع الصندوق، ولم يلتزم بشكل علني بالتوقيع عليه حال إتمامه، وهو ما يثير الشك في نفوس المانحين.

ما زاد الأمر تعقيدا، تعليق البنك الدولي العمل المستقبلي مع تونس، على خلفية تصريحات للرئيس قيس سعيد، اعتبرت عنصرية ضد المهاجرين. من شأن هذا التعليق أن يوقف تمويل البنك لتونس، كما عبر صندوق النقد الدولي عن قلقه بشأن هذه التطورات.

من جانبه، يلقي سعيد باللوم في الأزمة على من يسميهم بالعابثين. ويكرر اتهامه باحتكار السلع لمن يصفهم بالفاسدين.

وينظر سعيد لطلبات صندوق النقد الدولي على أنها إملاءات خارجية، ويقول إذا أرادت الدول الأجنبية مساعدة تونس فعليها إسقاط الديون المتراكمة على البلاد.

خلال احتفال أقيم العام الماضي لإحياء ذكرى جلاء المستعمر الفرنسي عن تونس، قال سعيد  “سيحصل جلاء جديد في تونس حتى تتخلص من كل من يريد أن يضرب استقلالها أو يتعامل مع الخارج أو من يكون عميلا خائنا… سنصنع جلاء جديدا ليس من قوى الاستعمار، ولكن من عملائه في تونس.”

في ظل هذا السجال، يبقى المواطن التونسي، الطرف الأشد معاناة، والأكثر تأثرا بالأزمة الاقتصادية، بينما لا يلوم في الأفق سوى مزيد من التحديات.