ما نقدّمه هنا قصة واحدة من ملايين القصص التي حصلت ومازالت تحصل في معتقلات شينجيانغ الواسعة. جميعُنا بات يعرفُ حجمَ المعاناة التي يعيشُها الإيغور، ورغم أنّ جزءاً من المجتمع الدولي وصفَ ما تتعرض له تلك الأقلية بالإبادة الجماعية، إلّا أنّه لم يحرّكْ ساكناً حتى الآن. لكن إذا أردنا الحديثَ عن معانتِهم في شهر رمضان، هل تعرفون كيف يُمضي المسلمون الإيغور ذلك الشهر؟ ما الذي يُرغمون على فعلِه؟ وما الذي يُمنعونَ عنه؟

  • عبد الوالي ايوب يروي تفاصيل حادثة في معتقلات شينجيانغ انتهت بمعاقبة السجين لصيامه 
  • السلطات الصينية في شينجيانغ قلّصت عدد الذين يسمح لهم بالصيام خلال شهر رمضان
  • لسنوات عديدة منعت السلطات الصينية الإيغور وغيرهم من المسلمين من صيام رمضان
  • المعتقلون في شينجيانغ مجبرون خلال رمضان على تناول الفطائر الصينية أو حساء الملفوف الصيني

 

أخذ عصاه الكهربائية وصعق فيها معدة السجين، فصرخ ووقع أرضاً، وتقيأ لاحقاً

عبد الوالي أيوب

يروي لنا الناشط الإيغوري عبد الوالي أيوب، الذي يدأب على توثيق انتهاكات حقوق الإنسان بحقّ الإيغور، قصةً حصلت في أحد معتقلات شينجيانغ، حيث كان شاهداً عليها، لا بل كان جزءاً منها. كان ذلك في العام 2014، آنذاك كان أيوب في المعتقل، وكان مجبراً على تنفيذ الأوامر كأيّ معتقل آخر، لكنّه عصى التعلميات. قبل بداية شهر رمضان في ذلك العام، أتى حارس وأبلغهم أنّ رمضان يبدأ في اليوم التالي، وكلّ مَنْ يصوم سيدفع الثمن.

يقول لـ”أخبار الآن“: “في الصباح، كنت أنفّذ مهمّة لأنه يتعين على كل سجين تنفيذ مهمّة لساعتين لمنعه من النوم فيُطلب منه الوقوف فحسب. بينما كنت واقفاً، رأيت شاباً إيغورياً يقف ويشرب الماء، كانت الساعة الثالثة ثمّ غسل وجهه مرّة واحدة وعاد إلى النوم. الساعة العاشرة تقريباً من اليوم التالي، جاء حارس السجن وسألني إنْ رأيت أحداً يصوم في ذلك الصباح. فقلت له كلا، لم أرَ أحداً يصوم ولم يحدث شيء إطلاقاً، لكنه قال أعلم أن أحدهم قد صام فأجبته لا أعرف، لم أرَ أحداً يصوم، إلا أنه أردف قائلاً: سأريك بعينيك. فأخذ عصاه الكهربائية فحسب لأننا كنا نقف في الصفّ ومدّها لامساً معدة سجين كان يدعى علي، فصرخ وعندها ضغط الحارس على عصاه الكهربائية ووقع السجين أرضاً. لقد اكتشفت أنه تقيّأ الدواء الذي كان قد تناوله في الصباح. لقد قال لي حارس السجن: أنظر، إنه يترك دواء الصباح في فمه ولم يبتلعه”.

"صعقة كهربائية تكشف أنّه صائم".. إيغوري يروي تفاصيل الحادثة الأليمة في شينجيانغ

كلَّ صباح كان يتعين على المعتقلين تناول دواء معين، ولم يكن عبد الوالي يعرف أنّ زميله كان يبقي الدواء في فمه من دون أن يبتلعه تجنباً لإفساد صيامه. وهنا يتابع عبد الوالي قائلاً: “بعد الضربة على معدته، بصق كلّ الدواء فقال لي حارس السجن أنظر، قلت أنك لم تكن على علم وأنك لم ترَ شيئاً، لكن هذا هو الدواء الذي تناوله صباحاً ولم يبتلعه. في الصباح تناول الماء وصام. لقد رأيته ولكنك لم تبلغنا. هذه مسؤوليتك. ثم أرسلوه إلى زنزانة انفرادية كان السقف فيها لا يعلو أكثر من ارتفاع الرأس وهناك يجلس السجين على كرسي ويتم تكبيل الرقبة والمعصمين والرجلين بالسلاسل بهذه الطريقة”.

تمّ إرسالي إلى زنزانة وتمّ تكبيلي لأنّني لم أفضح أمر زميلي الصائم في المعتقل

عبد الوالي أيوب

ويضيف لـ”أخبار الآن“: “لقد تمّ إرساله إلى زنزانة إنفرادية وأنا كذلك لأنني لم أفشِ عنه، قاموا بتكبيل يديّ ورجليّ معاً ورموني في زنزانة أخرى مخصصة لمعاقبة مَن يعصون التعليمات. إذاً لقد أرسلني إلى تلك الزنزانة وكبّل يديّ ورجليّ بهذا الشكل وبقيت هناك 7 أيام فقط لأنني لم أبلّغ أن السجين كان يصوم”.

الفطائر السياسية

يقول عبد الوالي إنّ “الصعوبة تكمن أيضاً في ضرورة تناول الفطائر الصينية أحياناً، وأحياناً أخرى هناك حساء الملفوف الصيني. لكن خلال شهر رمضان، يجب على السجين تناول تلك الفطائر لكن لا يمكنه أن يسأل لماذا يُقدّم له ذلك الطعام فجأة خلال شهر رمضان بالتحديد. وكان المعتقلون يطلقون على تلك الفطائر تسمية، الفطائر السياسية، لأنّها تفرض عليهم”.

وقال: “كان يشكل ذلك الجزء الأصعب لأن المرء يجهل ما يفعله وما يأكله، وذلك أمر في غاية الصعوبة، وهو برأيي امتحاناً يقومون به لاختبار إيماننا لأنّه إن تقيّأ المرء أثناء تناوله الطعام وإن انزعج من الطعام، يمكنهم أن يشاهدوا ذلك عبر الكاميرات الثلاث التي تسجّل على مدار الساعة. لقد اصطحبوني إلى غرفة المراقبة، وهناك تمكنت من رؤية الشاشات. يمكنهم حتى أن يروا الشعرة الصغيرة على الوجه من خلال تكبير الصورة، وأن يسجلوا الصوت وكل ما يقوله المرء. تلك الكاميرات قادرة على أن تسجّل مقاطع فيديو لتحركات المرء لحظة بلحظة”.

الإيغور ممنوعون من صيام رمضان

لسنواتٍ عديدة إذاً، منعت السلطات الصينية في منطقة شينجيانغ الإيغور وغيرهم من المسلمين الأتراك، من صيام شهر رمضان. ويشمل ذلك منع موظفي الخدمة المدنية والطلاب والمعلمين من الصيام أيضاً. فقد قيّدت السلطات الصينية في شينجيانغ عدد المسلمين المسموح لهم بالصيام في رمضان، وتلقت بعض لجان الأحياء في أورومتشي وبعض المسؤولين القرويين في كاشغر وهوتان، إخطارات بأنّ 10-50 مسلماً فقط سيسمح لهم بالصيام خلال شهر رمضان.

سقف الزانزين في شينجيانغ لا يعلو أكثر من ارتفاع الرأس، والسجين على كرسي ويتم تكبيل الرقبة والمعصمين والرجلين بالسلاسل

عبد الوالي أيوب

يقول عبد الوالي أيوب الإيغوري الذي يدأب على توثيق الإنتهاكات بحقّ تلك الأقلية، إنّه بعد مرور 15 يوماً على بداية شهر رمضان، حصلت عملية توقيف جماعية في مدينة أورومتشي، لأشخاص أتوا من بلدة كاشغر، المعروفة بأنّها مسقط رأس الكثير من رجال الأعمال الذين يملكون بعض الشركات التجارية في أورومتشي.

يضيف أيوب لـ “أخبار الآن“: لطالما شعرت بأنّه ربما استُهدف رجال الأعمال هؤلاء يوماً لأنهم عبّروا عن هويتهم من خلال هندسة المبنى لتعذّر التعبير بطرق أخرى، فعبّروا عن هويتهم عن طريق البناء والعمران. أما هذه المرة فقد استُهدف رجال الأعمال لأنهم يملكون شركات في أورومتشي ولديهم بعض المراكز التجارية والمتاجر، ولأن أصحاب المتاجر قد كانوا يصومون ففُرض عليهم أن يحضروا كل مساءٍ إجتماعات الحزب الشيوعي السياسية فقط لمنعهم من المشاركة في الإفطار. ثم تمّ اكتشاف أنّ البعض يصومون ولأن بعض الإيغور المتحدرين من تلك البلدة كانوا يصومون لقد تمّ استهداف كل سكان تلك البلدة في أورومتشي، وتم اعتقال أكثر من ألف مواطن من الإيغور لهذا السبب”.

"صعقة كهربائية تكشف أنّه صائم".. إيغوري يروي تفاصيل الحادثة الأليمة في شينجيانغ

يقول مسؤول في إحدى القرى حيث يشرف على عشر عائلات إيغورية، إنّه يُسمح لكبار السن والبالغين الذين ليس لديهم أطفال في سنّ المدرسة، بالصيام، وذلك لتجنب آثار الدين السلبية على عقول الأطفال، وفق منطق النظام الصيني، وبين تلم العائلات العشرة، تمّ تحديد شخصين يمكنهما الصيام فقط. لكن ماذا عن لطلاب، كيف تعمل السلطات الصينية على منعهم من الصيام؟

في رمضان ثمّة إخطارات تُعلم الطلاب الإيغور بضرورة حضور الصفوف السياسية في المساء، وفي الصباح عليهم حضور حفل رفع العلم الصيني وتناول الطعام

في ذلك السياق يقول أيوب: بالإرتكاز على المواقع الإلكترونية الخاصة بالجامعات الصينية، أعلم أنّ هناك إخطارات تُعلم الطلاب الإيغور بضرورة حضور الصفوف السياسية في المساء.  أمّا في الصباح، فعليهم حضور حفل رفع العلم الصيني، وخلال ذلك الحفل يتعيّن عليهم تناول الطعام. مثلاً إْن أقيم حفل رفع العلم في تمام الساعة العاشرة، عليهم تناول الطعام والشراب.

وكل أسبوع  يتعيّن على هؤلاء الطلاب كتابة رسالة اعتراف يقولون فيها : لقد صام أهلي خلال شهر رمضان بسبب ممارساتهم الدينية، وأنا نادم على رؤية ذلك وعلى عدم قيامي بمنعهم، وعليّ أن أعترف بذلك. لقد ترعرعت في ظل تلك الظروف وعليّ أن أطهّر عقائدي من تلك الأفكار الإسلامية الملوّثة”.

وتابع حديثه لـ “أخبار الآن“: “هذا في ما يخصّ الطلاب  الجامعيين. أما  تلاميذ المدارس الداخلية، فيطلب منهم المعلمون الصينيون أن يشربوا ويأكلوا 3 وجبات، بينما في أوقات أخرى يمكنهم أن يأكلوا مع الطلاب الآخرين، لكن في مثل تلك الأوقات عليهم أن يطلبوا الإذن من المعلم كي يراقبهم بينما يأكلون، وهكذا يتمكن من منعهم من الصوم بشكل سرّي. لقد وصلتني تلك المعلومات عن الطلاب، لكنّني أجهل ما يحدث للآخرين مثل المعلّمين والمسؤولين الإيغور. لقد وصلتني فقط معلومات عن الطلاب الجامعيين وعن المعتقلين”.

في السنوات الماضية، حذّرت السلطات الإيغور من إمكانية معاقبتهم على الصيام، ولوّحت بإرسالهم إلى معسكرات الإعتقال في شينجيانغ. وقد أجبرت السلطات أيضاً المتقاعدين على التعهّد قبل شهر رمضان، بأنهم لن يصوموا أو يصلّوا، ليكونوا مثالًا يحتذى به للمجتمع الإيغور ككل.

إذا كنت صائماً، تخيّل أنّك ممنوع من تناول وجبة الإفطار عند غروب الشمس، تخيّل أنك ممكنوع من ممارسة الطقوس الدينية خوفاً من نعتك بالإرهاب، أو بالمتطرف. وفي المحصلة، وكما قيل لن يكون هناك رمضان للإيغور هذا العام، فلم يكون ولن هناك عيد أيضاً.

شاهدوا أيضاً: محنة الإيغور.. وثائق تفضح الرئيس الصيني و”غوان” يخترق أسوار شينجيانغ