فانية وتتدهور (2): ألاعيب داعش لاختيار “خلفاء” مجهولين

في أعقاب الإعلان عن تنصيب “أبو الحسين الحسيني” زعيمًا جديدًا لتنظيم داعش خلفًا لأبو الحسن الهاشمي، الذي قُتل منتصف أكتوبر/ تشرين الأول 2022 في اشتباك مع مقاتلين سوريين محليين بمدينة جاسم (محافظة درعا- جنوب غربي سوريا)، سارع ديوان الإعلام المركزي للتنظيم إلى نشر سلسة من الإصدارات المرئية تُظهر عشرات من مقاتليه في دول عدة وهم يؤدون البيعة لخليفته الجديد دون أن يكشف عن هويته أو سيرته.

وظهر عدد من مقاتلي وقادة داعش في الإصدارات التي نشرها التنظيم من مناطق نشاطه في العراق وسوريا والساحل الإفريقي وغرب ووسط إفريقيا والصومال وباكستان وأفغانستان (خراسان) أثناء عقدهم البيعة لـ”أبو الحسيني الحسيني”، فيما استعان بعضهم بخطابات مكتوبة أُعدت مسبقًا للتأكيد على استمرارهم على نهج داعش تحت قيادة الخليفة الجديد.

وأعادت حملة البيعة التي أطلقها تنظيم داعش عن طريق إعلامه الرسمي والرديف/ المناصر تسليط الضوء على واحدة من المشكلات الرئيسية التي عانى منها، خلال السنوات الماضية، التي شهدت مقتل 3 من خلفائه، وهي تجهيل هوية الخليفة أو الزعيم الداعشي، إذ أن الفقه الحركي الذي تتبناه التنظيمات الجهادية يُوجب الإعلان عن مقتل أو وفاة الخليفة كما ينص على وجوب الكشف عن شخصيته وهويته حتى تصح بيعته لأنه “لا بيعة لمجهول، وبيعة المجهول هي والعدم سواء”، كما ذكر عدد من المنظرين الجهاديين.

خلافة الكذب والخيانة.. كيف خدع تنظيم داعش أنصاره بالأمراء الزائفين؟

أخيراً داعش يعثر على خليفته الدائم

تحولات داعش من “الخليفة الصوتي” إلى “الخليفة المجهول”

ولجأ تنظيم داعش ونسخه الأسبق “تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، ومجلس شورى المجاهدين في العراق، ثم تنظيم دولة العراق الإسلامية” إلى تجهيل هوية زعيمه أو أميره عقب مقتل أبو مصعب الزرقاوي الأردني (أحمد فاضل الخلايلة) عام 2006، بعد نشر القسم الإعلامي لتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، في مايو/ آيار 2006، إصدارًا مرئيًا ظهر فيه “الزرقاوي” وهو يتفقد أحد قواطع نشاط التنظيم بمنطقة صحراوية داخل العراق ويُطلق النيران من بندقية أمريكية الصنع، فحينها، تمكنت الاستخبارات المركزية الأمريكية من التعرف على مكان تواجد زعيم القاعدة الأسبق وتوصلت له واغتالته بالتعاون مع عملاء آخرين على الأرض، حسبما أعلن المتحدث باسم القوات الأمريكية وقتها كلاد بيل، وأكده مستشار الرئيس العراقي (الأسبق) وفيق السامرائي.

وحينما تولى المصري عبد المنعم عز بديوي منصب أمير تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين خلفًا لـ”الزرقاوي”، أقدم على تغيير كنيته التي عُرف بها في العراق من “أبو أيوب المصري” إلى “أبو حمزة المهاجر”، لكن هذا لم يمنع من التعرف على هويته إذ كان “المصري” معروفًا لغالبية مقاتلي تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين (العراق)، وكذلك لمقاتلي تنظيم دولة العراق الإسلامية الذي أُعلن عنه بعد حل “قاعدة العراق”، وكذلك اتبع التنظيم نفس الحيلة لما تولى أميره “أبو عمر البغدادي” (حامد داوود الزاوي).

ففي بداية توليه منصب أمير تنظيم دولة العراق الإسلامية، أواخر عام 2006، اعتقدت بعض الدوائر المعنية بشؤون التنظيم أن “أبو عمر البغدادي” هو نفسه عبد الله بن رشيد البغدادي، رئيس مجلس شورى المجاهدين في العراق والذي تشكل من تنظيم القاعدة وفصائل مسلحة مقربة منه في نفس العام قبل أن يحل نفسه ويندمج في ما أُطلق عليه دولة العراق الإسلامية، لكن خروج أبو عمر البغدادي في تسجيل صوتي بتاريخ 22 ديسمبر/ كانون الأول 2006 كشف أن الأخير هو “حامد الزاوي” الذي عمل لفترة ضابطًا في الشرطة العراقية إبان حكم نظام البعث السابق ورئيسه صدام حسين، فيما أعلن داعش، بعد نحو 10 سنوات وتحديدًا في 2016، أن عبد الله بن رشيد البغدادي كان “عبد الرحمن القادولي” المعروف بأبي علاء العفري وأبو علي الأنباري، نائب خليفة داعش الأسبق، والذي قتل عام 2016.

وخلال تلك الفترة لم تكن هوية الزعيم أو خليفة التنظيم أمرًا محل جدال، إذ أن أبو حمزة المهاجر وأبو عمر البغدادي كانا معروفين لدى غالبية مقاتلي تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين وتنظيم دولة العراق الإسلامية، بينما آثر القياديين الجهاديين عدم الظهور في أي إصدار مرئي تحسبًا لرصدهم أو كشف مكانيهما كما حصل مع أبو مصعب الزرقاوي، وهو ما أقر به أبو عمر البغدادي في كلمة صوتية نشرتها مؤسسة الفرقان الإعلامية (الداعشية) في 30 مايو/ آيار 2009 بعنوان “الأقصى بين ضلال النصارى وحقد اليهود”.

وعلق “البغدادي” في كلمته على إعلان القوات الأمنية العراقية القبض على شخص ادعت أنه “أبو عمر البغدادي” بأن الهدف من هذا الإعلان هو الضغط عليه ليظهر بصورة مكشوفة في إصدار مرئي، معقبًا بأنها حيلة لن تجبره على شيء ولن يظهر للعالم إلا في الوقت الذي يريده ويفيد تنظيمه، وأردف أيضًا أن اسمه وصورته (رسمه) معروفين لدى معظم عناصر التنظيم، فهو البغدادي سكنًا والحسيني نسبًا، كما أن صوته الذي يظهر في التسجيلات الصوتية التي تنشرها مؤسسة الفرقان هو صوته الحقيقي لا لمتحدث بالنيابة عنه كما لم يتم تغييره لأنه يرى ضرورة أن يكون صادق مع الناس، على حد تعبيره.

خلافة الكذب والخيانة.. كيف خدع تنظيم داعش أنصاره بالأمراء الزائفين؟

واتضح من المعطيات السابقة، أن العامل أو الهاجس الأمني لدى قيادات التنظيم هي التي دفعتهم لعدم الخروج في إصدارات مرئية، لكنهم مع ذلك لم يختفوا بصورة كاملة إذ كانوا معروفين لدى غالبية عناصر وقيادات التنظيم، على عكس خلفاء داعش التاليين (أبو إبراهيم القرشي “الهاشمي”، وأبو الحسن الهاشمي، وأبو الحسين الحسيني) الذين لم تُكشف هويتهم الحقيقية من جانب التنظيم حتى بعد مقتلهما على التوالي في فبراير/ شباط، وأكتوبر/ كانون الأول 2022، فيما كشفت الولايات المتحدة وجهات أخرى مناوئة لداعش عن الهوية الحقيقية للخليفتين السابقين، ليتبين لمقاتلي التنظيم وأنصاره أن أعدائه يعرفون عن خليفته أكثر مما يعرف قادته ومقاتليه.

إلى ذلك، اقتدى أبو بكر البغدادي، خليفة داعش الأسبق، بنهج سلفه أبو عمر البغدادي عندما تولى إمارة التنظيم خلفًا له إذ دأب الأول على نشر إصدارات صوتية طوال الفترة من يوليو 2012 (رمضان 1433 هجرية)، وحتى يوليو 2014 (رمضان 1435 هجرية)، قبل أن يظهر لأول مرة في إصدار مرئي من داخل الجامع النوري بمدينة الموصل العراقية، ليلقى خطبة الخلافة بعد إعلان تأسيس خلافة داعش المكانية عام 2014.

على أن ظهور أبو بكر البغدادي للعلن للمرة الأولى ارتبط بخلافات وسجالات داخلية وقعت في تنظيم داعش، حسبما ذكر القيادي السابق بالتنظيم عادل الكبيسي والمعروف باسمين حركيين هما “ابن جبير” و”أبو عبد الرحمن الزرقاوي المهاجر” في مقال سابق نشرته مؤسسة الوفاء الإعلامية، المنشقة عن داعش، عام 2019 بعنوان “سقوط الخرافة”، قائلًا إنه عندما قرر مجلس شورى التنظيم (الذي يعرف أيضًا بأهل الحل والعقد) إعلان الخلافة المكانية وقع اختلاف بينهم حول مسألة ظهور “البغدادي” بصورته ليعرفه الناس فاستشاروا تركي البنعلي، الشرعي البارز بالتنظيم وأمير مكتب البحوث والإفتاء التابع للتنظيم سابقًا، فأفتى بأنه لا بد من ظهوره للعلن، وهو ما تم بالفعل رغم معارضة قادة عراقيين منهم أبو محمد الفرقان، أمير ديوان الإعلام المركزي آنذاك، بحجة الضرورات الأمنية.

خلافة الكذب والخيانة.. كيف خدع تنظيم داعش أنصاره بالأمراء الزائفين؟

أبو عبد الرحمن الزرقاوي يكشف أن ظهور خليفة داعش أبو بكر البغدادي للعلن جاء بعد سجالات داخلية- المصدر مقال سقوط الخرافة – مؤسسة الوفاء المنشقة عن داعش

ومع انهيار خلافة داعش المكانية، عام 2019، خرج البغدادي في إصدار مرئي مرة أخرى وأخيرة، وهو ما وُصف وقتها بأنه مخاطرة من قبل خليفة داعش الأسبق لإنقاذ ما تبقى من تنظيمه، على حد تعبير جوشوا جيلتزر المدير التنفيذى لمعهد الدفاع الدستورى والحماية فى جامعة جورج تاون، ومدير لجنة مكافحة الإرهاب فى مجلس الأمن القومى الأمريكي سابقًا، في مقال نشرته مجلة “The Atlantic” في مايو/ آيار من نفس العام، بعنوان “لماذا خاطر البغدادي بالظهور في فيديو؟”.

واعتبر ” جيلتزر” أن ظهور أبو بكر البغدادي في فيديو شكل خطرًا على حياته لكن خليفة داعش (الأسبق) خاطر بذلك ليُنقذ تنظيمه المهزوم بعد تهاوي خلافته المكانية وسقوط آخر معاقلها في قرية الباغوز فوقاني السورية، في مارس/ آذار 2019.

ورغم أن التنظيم تعرض لنكسات قوية منذ آخر ظهور لأبي بكر البغدادي، إلا أن خلفائه التاليين في قيادة داعش تجنبوا مجرد الظهور ولو صوتيا- دون نشر صور أو لقاءات مرئية- في تسجيلات لأتباع وأنصار داعش، واكتفت مؤسسة الفرقان الإعلامية بنشر كلمات للمتحدثين الإعلاميين باسم التنظيم أبو حمزة القرشي، قتل في 2021، وأبو عمر المهاجر- المتحدث الحالي، على فترات متباعدة نسبيًا.

خلفاء حقيقيين أم أمراء زائفين؟

ومنذ مقتل أبو بكر البغدادي، في أكتوبر/ تشرين الأول 2019، لم يظهر أي من الخلفاء الداعشيين الثلاثة الذين تولوا المنصب بعده، فأبو إبراهيم القرشي (الهاشمي) الذي تولى إمارة التنظيم من نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 وحتى فبراير/ شباط 2022، لم يظهر ولو لمرة واحدة رغم كشف الولايات المتحدة والتحالف الدولي لدحر داعش عن هويته الحقيقية والتأكيد على أنه “أمير عبد المولى الصلبي” والذي كان يُعرف بحجي عبد الله قرداش قبل أن يغير كنيته عندما تولى زعامة داعش، وسار أبو الحسن الهاشمي “نور الراوي” على درب سلفه فتجنب الظهور وظلت هويته مجهولة منذ توليه الإمارة في مارس/ آذار 2022، وحتى مقتله في منتصف أكتوبر من نفس العام، وكذلك الحال مع أبو الحسين الحسيني الذي يبقى زعيمًا مجهولًا حتى تاريخ كتابة هذه السطور.

خلافة الكذب والخيانة.. كيف خدع تنظيم داعش أنصاره بالأمراء الزائفين؟

ويتضح من التدقيق في المعلومات التي روجها داعش عن “خلفائه المجهولين” أن التنظيم خدع مقاتليه وأنصاره بشأن زعماء التنظيم، فعلى سبيل المثال ذكر المتحدث باسم التنظيم أبو عمر المهاجر، في كلمته للإعلان عن تنصيب أبو الحسن الهاشمي أميرًا للتنظيم، أن أبو الحسن الهاشمي واحدًا من القادة الشرعيين (العلماء العاملين بتعبيره)، وأحد شيوخ التنظيم وقادته العسكريين، بيد أن مقتل “الهاشمي” منتصف أكتوبر/ تشرين الأول 2022 كشف هويته الحقيقية ليتبين أنه “نور كريم الراوي” الشهير بعبد الرحمن العراقي، وسيف بغداد، والذي لم يكن يومًا من قادة التنظيم البارزين أو أحد أكبر قادته على حد زعم “أبو عمر المهاجر”، وهو ما يعني أن تنظيم داعش ومجلس شوراه (أهل الحل والعقد) خدعوا أتباعهم وروجوا معلومات غير حقيقية عن “الخليفة الزائف”.

وفي الحقيقة، لم تكن تلك المرة الأولى التي يقوم فيها التنظيم بتضليل أتباعه إذ سبق للتنظيم أن روج لـ”أبو بكر البغدادي” بنفس الطريقة فوصفه بأنه “عالم عامل مجاهد”، رغم أنه كان مجرد اختيار مؤقت لقيادة التنظيم بعد مقتل أبو عمر البغدادي، وهو ما تؤكده رسالة سابقة أرسلها أسامة بن لادن لعطية الله الليبي مسؤول العمليات الخارجية في القاعدة سابقًا، في عام 2010، وطلب منه إمداده بمعلومات كافية عنه والسؤال عنه عن طريق مصادر موثوقة متعددة حتى يتضح أمره لقيادة القاعدة التي كان التنظيم في العراق مرتبطًا بها حتى عام 2014.

خلافة الكذب والخيانة.. كيف خدع تنظيم داعش أنصاره بالأمراء الزائفين؟

أسامة بن لادن يطلب توضيحات عن أبو بكر البغدادي في رسالته لعطية الله الليبي مسؤول العمليات الخارجية في القاعدة سابقًا، في عام 2010

وبدوره، كشف الشرعي السابق بتنظيم داعش أبو عيسى المصري في مقال له بعنوان “خليفة باريشا”، نشرته مؤسسة الوفاء الإعلامية عام 2019، أن قادة داعش (أهل الحل والعقد) يخدعون أتباعه بشأن هوية الخليفة، مضيفًا أنه التقى بأبي محمد المصري عضو اللجنة المفوضة بداعش، أعلى هيئة تنفيذية داخل التنظيم بعد الخليفة، وأبدى له تخوفه من أن يقوم “حجاجي داعش” بتنصيب أمير جاهل بعد مقتل أبو بكر البغدادي، فأبلغه “أبو محمد المصري” أن حجاجي داعش لا مشكلة عندهم في هذا الأمر لأنهم فعلوه من قبل إذ أعلنوا تولية “أبو بكر البغدادي” إمارة التنظيم، وفي وقت الإعلان لم يكن هناك شخص يحمل كنية “البغدادي” وجاءوا بأبي عواد السامرائي (السامرئي هي الكنية السابقة لأبي بكر البغدادي واسمه الحقيقي إبراهيم بن عواد البدري)، وقالوا له نعينك أميرًا حتى نجد “قُرشيًا مناسبًا” فأبلغهم أن “قرشي” وجاءهم بنسبه فقالوا له أنت إذا أبو بكر البغدادي، وصار يُعرف بهذه الكنية من حينها.

خلافة الكذب والخيانة.. كيف خدع تنظيم داعش أنصاره بالأمراء الزائفين؟

أبو عيسى المصري يتحدث عن حيل داعش لتولية خلفاء مجهولين – المصدر مقال سلطان باريشا المنشور عبر مؤسسة الوفاء

وتعليقًا على هذا الأمر، قال أحمد بان، الخبير في شؤون الحركات الإسلامية، إن داعش يلجأ إلى تعيين خلفاء مجهولين خوفًا من أن تحدث مزيد من الانقسامات داخله حول أهلية وجدارة الخليفة المختار، بعد حالة النزيف القيادي التي تعرض لها التنظيم طوال السنوات الأخيرة والتي أدت لتضعضع الصف الأول وربما الصف الثاني من قيادات التنظيم الإرهابي، مضيفًا أن التنظيم لم يعد أمامه سوى اختيار خليفة مجهول غامض للحفاظ على تماسكه، وسيلجأ لتبرير تلك الخطوة بأنها أتت بدافع الضرورات الأمنية.

وأكد “بان” في تصريحات لـ”أخبار الآن” أن مقتل أمراء وخلفاء داعش يعنى أن التنظيم مخترق رأسيا وأفقيا من عديد من الأجهزة الاستخبارية والأمنية، رغم أن التنظيم والجماعات الشبيهة له تُفاخر دوما بجهازها الأمني الذى يحول دون اختراقها، لكن في العديد من الحالات يكون الجهاز الأمني مخترقًا في حد ذاته وهو ما يتيح استهداف قادة وأمراء تلك التنظيمات كما حصل مع داعش والقاعدة من قبلها.

خلافة الكذب والخيانة.. كيف خدع تنظيم داعش أنصاره بالأمراء الزائفين؟

وعللت شيماء حسن، الباحثة في شؤون الجماعات الإرهابية، عدم إفصاح داعش عن أي تفاصيل بشأن خليفته الجديد أبو الحسين الحسيني واكتفاء التنظيف بوصفه بأنه جهادي مخضرم بأن التنظيم يتبع ما وصفته بـ”إستراتيجية التعتيم على قادته” لأنه يُعاني من حالة ضعف تصل إلى حد الهشاشة، وهو ما دفعه إلى الالتزام بقدر من السرية التي فرضها حول زعيمه كي يُسير أمور التنظيم في الوقت الحالي، خاصة بعض استهداف وقتل قيادات الصف الأول والثاني في داعش والحديث عن وجود خلافات بين القيادات الحالية وصراعات على الإمساك بزمام الأمور في التنظيم وهو ما وضح في تأخر الإعلان عن مقتل خليفته السابق أبو الحسن الهاشمي منذ منتصف أكتوبر/ تشرين الأول وحتى آخر نوفمبر/ تشرين الثاني 2022.

وأيدت الباحثة في شؤون الجماعات الإرهابية في تصريحات لـ”أخبار الآن” احتمالية أن يكون سقوط ومقتل قادة وخلفاء داعش ناتجًا عن وجود اختراقات داخل التنظيم، مستشهدةً بتكرار استهداف زعماء التنظيم في توقيتات متقاربة جدًا، بجانب وجود معلومات وأحاديث عن دور التنظيمات المنافسة لداعش في اختراقه والقضاء على قيادته الفاعلة.

خلافة الكذب والخيانة.. كيف خدع تنظيم داعش أنصاره بالأمراء الزائفين؟

أما محمد خيال، الكاتب والباحث المتخصص في شؤون الجماعات المسلحة، فرأى أن التنظيم دخل الدائرة التي لن يكون بمقدوره الاعلان فيها عن هوية خليفته الحقيقية لعدة أسباب أبرزها صعوبة او استحالة تأمين خليفة داعش حال انكشفت هويته كما أن معرفة شخصيته الحقيقية سيُصعب تحركه وانتقاله لمباشرة مهام عمله، مضيفًا أن الحالة الوحيدة التي سيتمكن التنظيم عندها من الإعلان عن اسم وهوية خليفته الحقيقية هي إذا سيطر بشكل كامل على مساحة من الأرض ولو كانت صغيرة مقارنة بما سيطر عليه التنظيم حينما أعلن خلافته المكانية عام 2014.

وألمح “خيال” إلى احتمالية أن يُعلن التنظيم عن خليفته حال حدث تغيير فكري جذري في منظومته الأيديولوجية- وهو الأمر الذي يبدو بعيد المنال حاليا- بحيث يتخلى عن شرط “القرشية” في اختيار الخليفة أو الأمير وفي هذه الحالة يحتمل أن تنتقل قيادة التنظيم إلى أي من ولاياته الخارجية وخصوصًا مناطق غرب ووسط القارة الإفريقية التي تُسيطر فيها الأفرع الخارجية على بعض المساحات وتُقيم “شبه دولة” عليها.

فيما استبعد “خيال” أن يكون اختراق داعش السبب وراء مقتل خليفته الأخير أبو الحسن الهاشمي، قائلًا إن الأمر جاء بمحض الصدفة ولم يكن عملًا مخططًا له لكنه اعتبر أن تكرار استهداف قادة التنظيم دليل على عمليات التنسيق الأمني والاستخباري بين أجهزة استخبارات دول التحالف الدولي بالإضافة إلى العناصر المحلية الناشطة على الأرض، والأجهزة الاستخبارية العراقية التي استعادت جزءًا كبير من عافيتها مؤخرًا.

وتعطي التفاصيل السابقة وغيرها لمحة عن الأساليب التي يتبعها حجاجي داعش- الذين كان عدد منهم من رجال نظام البعث المنحل في العراق-  في خداع وتضليل عناصر التنظيم بطرح أسماء وكنى وهمية أو غير معروفة لقادة وخلفاء التنظيم والإيهام بأنهم أمراء مخضرمين في العمل الجهادي، وهو ما ثبت عدم دقته إلى حد كبير في أكثر من مناسبة، علاوة على تركيزها على تلاعب قيادة داعش العليا بالتنظيم ووجود شواهد عديدة على اختراق تلك القيادة أدى لمقتل قادة وخلفاء التنظيم واحدًا تلو آخر.

خلافة الكذب والخيانة.. كيف خدع تنظيم داعش أنصاره بالأمراء الزائفين؟

لا تستمع إلى ما يقولونه، انظر إلى ما يفعلونه.

أهل الحل والعقد.. أين هم ولماذا لا يتدخلون في مسرحية البعثيين

وفي هذا السياق، يلفت كبار قادة داعش (مجلس الشورى) أو ما يُسمى بأهل الحل والعقد النظر إلى مشكلة جوهرية يُعاني منها التنظيم وتمس بشكل مباشر قيادته العليا، إذ أن أهل الحل والعقد، كما يُطلق، عليهم يمثلون أعلى سلطة تنظيمية ومن صلاحيتهم اختيار الخليفة الداعشي أو عزله، وبالتالى فمن يدير مجلس الشورى أو يتحكم في أهل الحل والعقد يتمكن من إدارة التنظيم بالكامل وأفرعه الخارجية.

ولا تتوافر أي معلومات دقيقة عن هوية أعضاء مجلس شورى داعش أو أهل الحل والعقد، فلم تُعلن أي جهة رسمية سواء التحالف الدولي أو الحكومات العراقية والسورية أو الإدارة الذاتية الكردية “سوريا الديمقراطية” عن أي معلومات بشأنهم، كما أن الاجتهادات التي قام بها بعض الباحثين لتحديد هويتهم تبقى محل نظر، حتى الآن.

وأشارت دراسة سابقة إلى أن مجلس الشورى- أهل الحل والعقد- يتكون من 5 من كبار قيادات داعش هم: (أبو محمد المصري، وأبو هاشم الجزراوي، ونايف حمد شياع، وأبو سعد الليبي، وأبو عبد الله القاضي الغلامي.

وفي الواقع فإن المصادر التي اعتمدت عليها الدراسة تبقى غير واضحة إلى حد كبير، كما أن 2 من القادة الذين قدمتهم على أنهم قيادات بمجلس الشورى أو من أهل الحل والعقد (أبو محمد المصري، وأبو هاشم الجزراوي) قتلا قبل فترة من نشر الدراسة، وأما الـ3 الباقين فمصائرهم غير معلومة حتى الآن، علاوة على أن “أبو محمد المصري” لم يشغل عضوية مجلس شورى داعش أو لم يكن من أهل الحل والعقد قبل مقتله عام 2018، وشغل “المصري” عضوية اللجنة المفوضة للتنظيم وتولى إصدار السلسلة العلمية في بيان مسائل منهجية التي شرع داعش في نشرها بعد أزمة التعميم الشهير “ليهلك من هلك عن بينة”، عام 2017، قبل أن يعزله نائب أبو بكر البغدادي، آنذاك، حجي عبد الله قرداش (أبو إبراهيم القرشي “الهاشمي”) عام 2018، ويودعه أحد سجون الأمنيين- حيث قُتل- بدعوى مخالفته منهج التنظيم، وهو ما أكده مجموعة من المنشقين عن داعش منهم أبو عيسى المصري.

خلافة الكذب والخيانة.. كيف خدع تنظيم داعش أنصاره بالأمراء الزائفين؟

ومن جهته، قال الفريق الركن حسن البيضاني، الخبير في مكافحة الإرهاب ورئيس أركان قيادة عمليات بغداد العراقية سابقًا في تصريحات لـ”أخبار الآن” أن المجلس الأعلى لداعش (مجلس الشورى) يتكون من 12 عضوًا بينهم 8: 9 عراقيين من كبار ضباط نظام حزب البعث العراقي أو من أعضاء التنظيمات الحزبية التابعة له، بينما رفض رئيس أركان قيادة عمليات بغداد سابقًا الإفصاح عن معلومات إضافية تتعلق بهوية هؤلاء القادة لاعتبارات تتعلق بحساسية منصبه السابق.

ومن اللافت للنظر أن تنظيم داعش يُبقى هوية أهل الحل والعقد أو أعضاء مجلس الشورى طي الكتمان ويحيطها بهالة من السرية المطلقة لدرجة أن الكثير من قيادات التنظيم لا يعرفونهم إلا بعد مقتلهم، كما حدث مع حجي بكر العراقي “سمير الخليفاوي” الذي عمل ضابطًا/ عقيدًا في استخبارات الجيش العراقي السابق (جيش البعث)، ثم انضم لتنظيم دولة العراق الإسلامية وصار رئيسًا لمجلس شورى التنظيم (رئيس أهل الحل والعقد)، وكان وراء اختيار “أبو بكر البغدادي” لإمارة التنظيم بعد مقتل سلفه أبو عمر البغدادي عام 2010.

وعلى هذا الصعيد، ذكر أحمد بان، الخبير في شؤون الحركات الإسلامية، أن أهل الحل والعقد في تنظيم داعش والمراد بهم مجلس شورى التنظيم يُمثلون هيئة مجهولة لا يُعرف شخوصها من قبل المراقبين المعنيين بالجهادية ولا حتى من قبل أعضاء التنظيم، مبينًا أنهم عبارة عن حلقة صغيرة تُدير أمور التنظيم بمعزل عن بقية أعضاءه ومقاتليه.

خلافة الكذب والخيانة.. كيف خدع تنظيم داعش أنصاره بالأمراء الزائفين؟

أبو عيسى المصري يتحدث عن أهل الحل والعقد المصدر مؤسسة الوفاء

وتطرقت شيماء حسن، الباحثة في شؤون الجماعات الإرهابية إلى أصل مفهوم “أهل الحل والعقد” قائلةً أن استعمال المصطلح ظل قاصرًا، لفترة طويلة، على علماء الفقه السياسي وقُصد بهم المسؤولين عن القيام على شؤون الجماعة أو الأمة في ظروف معينة تتعلق باختيار الأمراء ومبايعتهم ومعاونتهم في تدبير والإدارة، قائلةً إنهم في حالة داعش يُشكلون من مجموعة من الأعيان والقادة والأمراء الذين ينحصر في أيديهم اختيار ومبايعة خليفته ولهذا السبب يستمدون الرمزية التي لهم والتي تمكنهم من بسط نفوذهم على شؤون داعش.

 وذهب محمد خيال الكاتب والباحث المتخصص في شؤون الجماعات المسلحة، إلى أن أهل الحل والعقد في داعش هم مجموعة من كبار شرعييه الذين بقوا على قيد الحياة بجانب 1 أو 2 من العسكريين والمسؤول المالي وهم يُشكلون معًا “ثالوث إدارة التنظيم”، مضيفًا أن التنظيمات الدينية حينما تنهار وتضعف تتراجع سطوة القادة العسكريين والميدانيين بها مقابل تزايد نفوذ وسطوة الشرعيين والمرجعيات الدينية، وفق قوله.

انتقادات جهادية متوالية لداعش

وبمراجعة الشهادات والمقالات التي نشرها قياديون ومنشقون عن تنظيم داعش، على مدار السنوات الماضية، يُلاحظ أن “حجاجي داعش” العراقيين أو الرفاق السابقين في نظام البعث هم أهل الحل والعقد في التنظيم وهم المتحكمين فيه بصورة مباشرة، كما أنهم عملوا على التحكم في قيادة التنظيم عن طريق اختيار خلفاء مجهولين لقيادة التنظيم، بحيث تبقى السلطة الحقيقية مركزة في أيديهم.

ويُعرف أبو عيسى المصري في مقاله “سلطان باريشا” أهل الحل والعقد بأنهم العلماء والرؤساء ووجهاء الناس الذين يُناط بهم اختيار الخليفة أو الأمير، مضيفًا أنه لا يصح إطلاق هذا الوصف على “حجاجي داعش”  لأنهم مشهورون بسفك الدماء والكبر وعدم الانصياع للحق الذي يخالف أهوائهم، كما أنهم معروفون بالجبن والفرار من ساحات المعارك حتى أنهم يفرون قبل النساء والأطفال، وهو ما يُسقط أهليتهم أو يطعن في كونهم أهلًا للتصرف في أمور التنظيم، على حد قوله.

ووفقًا لرسالة سابقة نشرها القيادي بتنظيم داعش (سابقًا) خباب الجزراوي تعليقً على مقتل أبو بكر القحطاني، أحد أبرز قيادات داعش الشرعية، فإن ضباط البعث والمشبوهين يتولون المناصب القيادية داخل التنظيم، وعملوا على التخلص من معارضيهم وخصوصًا طلاب العلم (الشرعيين) عن طريق زجهم في السجون أو الإلقاء بهم على خطوط المواجهة في الجبهات ليقتلوا، واصفًا هذا التكتيك بأنه أشد من تجربة التخلص من القيادات الجهادية البارزة إبان العشرية السوداء في الجزائر مقابل تولية قيادات مشكوك فيها أو يتم توجيهها من قبل أعداء التنظيم.

خلافة الكذب والخيانة.. كيف خدع تنظيم داعش أنصاره بالأمراء الزائفين؟

رسالة خباب الجزراوي القيادي السابق بداعش وفضح أسلوب التنظيم في التخلص من القيادات المعارضة له

كما دعا أبو يعقوب المقدسي، القيادي السابق بداعش والذي قُتل في سجون الأمنيين بعد أن سجنه حجي عبد الله قرداش عام 2018، في رسالة سابقة وجهها لخليفة داعش إلى مراقبة القيادات الذين يخترقون التنظيم ويسيطرون على مفاصله الحساسة ويعملون على حرف مساره، على حد قوله، وذلك في إشارة منه للمجموعة العراقية المتحكمة في التنظيم.

ومن جانبه، انتقد القيادي المنشق عن داعش “ناصح أمين” في مقال سابق نشرته مؤسسة الوفاء الإعلامية أهل الحل والعقد في داعش (مجلس شورى التنظيم) لأنهم اختاروا خليفة مجهولًا، رغم أن الفقه الحركي الذي درج عليه التنظيم يقضي بتعيين هوية الأمير أو الخليفة، وفق قوله.

خلافة الكذب والخيانة.. كيف خدع تنظيم داعش أنصاره بالأمراء الزائفين؟

القيادي المنشق عن داعش ناصح أمين ينتقد قيادات التنظيم بسبب اختيار خليفة مجهول

أما القيادي الداعشي السابق أبو عبد الرحمن الزرقاوي في مقاله “سقوط الخرافة” فاعتبر أن قيام أهل الحل والعقد (المجموعة العراقية أو الحجاجي في داعش) بتولية خليفة مجهول أمرًا غير مستغرب، مضيفًا أن القناع الذي تخفت خلفه المجموعة العراقية سقط وانكشف الوجه الحقيقي لقيادة التنظيم التي خدعت أتباعها في الماضي لكي ينضموا للتنظيم، قبل أن يفاجئوا بواقعه المؤلم.

وتوضح العديد من المقالات والرسائل والشهادات التي نشرها مقاتلو داعش وقيادته المنشقين أن حجاجي داعش تلاعبوا بمقاتلي التنظيم وأتباعه ولم يكتفوا بتولية أمير مجهول بل اختاروا حجي عبد الله قرداش “أبو إبراهيم القرشي (الهاشمي) ليكون أميرًا للتنظيم بعد مقتل أبو بكر البغدادي، مع أن “قرداش” كان مبتور الرجل اليمنى وهو ما يقدح في أهليته لتولي إمارة سرية أو كتيبة فضلًا عن أن يتولى إمارة التنظيم أو يصبح خليفته له، حسب تعبيره.

القاعدة وانتقاد “خلافة المجاهيل”

وعلى الجهة الأخرى، استغل تنظيم القاعدة، الغريم التقليدي لداعش، تجهيل هوية الخليفة الداعشي وأهل الحل والعقد في التنظيم “مجلس الشورى” في مهاجمة داعش ووصفه بأنه خرج عن الخط الجهادي السليم.

وتزعم أيمن الظواهري، أمير القاعدة (السابق)، الهجوم على تنظيم داعش فاعتبر أن الأخير يُجسد “خلافة المجاهيل” التي يقودها أبي الملثم وأبي المبرقع وأبي المكمم وأبي المُجهل وأبي المتخفي- في تلميح منه إلى أن القيادات التي تتحكم في داعش غير معروفة لعموم الجهاديين-، واصفًا قادة داعش بأنهم لا يُعرف شيء من تاريخهم الجهادي سوى الكذب وتكفير المسلمين واستهدافهم بالعمليات الإرهابية، كما أن البيعة التي عقدت لداعش هي بيعة القهر والتغلب وجرى تزيينها بالإصدارات والأناشيد الحماسية، وفق تعبيره.

واتبع تنظيم القاعدة نهج أيمن الظواهري في الهجوم على داعش، حتى بعد أشهر من مقتل أمير القاعدة السابق، فقالت مؤسسة السحاب، الذراع الإعلامية للقاعدة، في إصدارها لرثاء قادة الفرع الهندي للتنظيم الأخير والمنشور أواخر ديسمبر/ كانون الأول 2022، إن خلافة داعش التي تصفها المؤسسة بـ”خرافة الخوارج التي أضحت سرابًا بقيعة ولم يبق منها إلا بقايا مجرمين يُفجرون أنفسهم في مساجد المسلمين”، على حد وصفها.

الخلاصة

وتُثبت كل التفاصيل والشهادات السابقة، أن حجاجي داعش العراقيين الذين جاء عدد كبير منهم من خلفية بعثية نتيجة خدمتهم أو عملهم في أكناف نظام الرئيس الأسبق صدام حسين، أصبحوا يديرون التنظيم بطرق مشابهة لتلك التي أُدير بها نظام البعث السابق قبل انهياره.

خلافة الكذب والخيانة.. كيف خدع تنظيم داعش أنصاره بالأمراء الزائفين؟

ولجأ حجاجي داعش إلى الخداع والتضليل للتمويه على هوية خلفاء داعش المجهولين والذين قتل 3 منهم خلال السنوات القليلة الماضية، وفي كل مرة يُقتل خليفة مجهول يعلن “الحجاجي” المتحكمين في أمور التنظيم اختيار خليفة مجهول آخر معللين الاختيار بأنه جاء بناءً على توافق أهل الحل والعقد “المجهولين” أيضًا والذين لم يُسمع عن أي منهم، منذ مدة طويلة، في سلسلة لا تنتهي من الخلفاء الغامضين وغير المعروفين الذين لم يظهر واحد منهم في كلمة صوتية أو إصدار مرئي حتى الآن، وهو ما يعزز من الفرضية القائلة بإن هناك يد خفية تعمل على كشف أماكن اختباء زعماء التنظيم وإرسالهم إلى حتفهم، حتى قبل أن يعرف أو يسمع مقاتلي داعش بهم.

فانية وتتدهور.. الاستبداد والخيانة وانحلال السلفية إلى البعثية