عين الصين على سد النهضة.. ما الأسباب وراء ذلك؟

  • سد النهضة يشكل ملفاً مشتعلاً بين إثيوبيا ومصر والسودان والصين دخلت على الخط
  • بكين يهمها الانخراط في ملف السد خصوصاً أن لديها استثمارات واسعة في البلدان الـ3

في 19 من يوليو/تموز الماضي، أنهت إثيوبيا عملية الملء الثاني لسد “النهضة” المثير للخلافات مع مصر والسودان. وأعلنت ذلك عبر بيان رسمي.

وحينها، زرعت هذه الأنباء البهجة في نفوس الإثيوبيين، في حين قال وزير المياه في البلاد سيليشي بيكيلي عبر “تويتر”: “مبروك للإثيوبيين وأصدقاء إثيوبيا”.

ومع ذلك، بالنسبة للعديد من مواطني دول المصب – السودان ومصر – قوبلت الأخبار بحماس أقل بكثير. وفي الواقع ، تحتج كل من القاهرة والخرطوم بصوت عالٍ على السد، خوفاً من أن يهدد وصولهما إلى مياه نهر النيل الحيوية.

وتتمتع الصين، وهي مستثمر رئيسي في الدول الـ3، بالنفوذ الاقتصادي للجمع بين الأطراف، لكنها تواجه مخاطر كبيرة إذا حاولت ذلك.

وقال وزير الخارجية المصري سامح شكري أمام جلسة لمجلس الأمن الدولي في 9 يوليو/تموز: “تواجه مصر، التي يزيد عدد سكانها عن 100 مليون نسمة، تهديداً وجودياً يمثله بناء كيان عملاق على الشريان الذي يمنحها الحياة”.

وفي 18 يوليو/تموز، قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إنّ “مصر لا تتزعزع في تصميمها على حماية حقها التاريخي في حصتها المائية من نهر النيل”.

ووسط هذا، فإن هناك دعوات في البرلمان المصري لتفجير السد، بينما تواصل وسائل التواصل الاجتماعي المصرية إظهار الغضب على نطاق واسع من الأمر الواقع في إثيوبيا، وفق ما ذكر موقع “asiatimes“.

ومع ذلك، على الرغم من كل الخطاب، فإن خيارات القاهرة للعمل محدودة للغاية. وقال ويليام دافيسون، المحلل في مجموعة الأزمات الدولية لـ”آسيا تايمز”: “السيسي وحلفاؤه ليس لديهم حقاً أي أوراق جيدة للعبها”.

ومع جدار السد الآن الذي يمنع ملايين الغالونات من المياه، فإن الضربة العسكرية ستكون كارثية على دول المصب. وإزاء ذلك، فإن الدبلوماسية هي الورقة الوحيدة في يد السيسي، وكان يستعملها مؤخراً بنشاط.

وفي يوم 18 يوليو/تموز الماضي، فإن كلام السيسي عن موقف مصر الثابت بـ”الحفاظ على أمنها المائي”، كان أمام وزير الخارجية الصيني وانغ يي. وحينها، أعرب الأخير عن “تفهّم بلاده التام للأهمية القصوى لنهر النيل لمصر ومن ثم مواصلة الصين اهتمامها بالتوصل لحل لتلك القضية على نحو يلبي مصلحة جميع الأطراف”.

وفعلياً، فإنّ العامل الصيني في ذلك الملف هام للغاية، فبكين لديها استثمارات كبيرة في إثيوبيا ومصر والسودان، مما يمنحها نفوذاً قوياً محتملاً في النزاع.

ويقع سد النهضة الكهرمائي عبر النيل الأزرق، وسيكون قادراً على توليد حوالي 6.45 غيغاوات من الكهرباء ، مما يعزز الاقتصاد المحلي لإثيوبيا واقتصاد جيرانها من خلال صادرات الكهرباء.

ومع ذلك، فإن ملايين المصريين – وبشكل متزايد من السودانيين أيضاً – يعتمدون على مياه النيل في معيشتهم، حيث تشعر القاهرة والخرطوم بالقلق من أن السد سيقطع هذا الإمداد، لا سيما في أوقات الجفاف.

وهكذا، شهدت السنوات الأخيرة جهوداً متكررة للتفاوض بشأن اتفاقية جديدة لتقاسم المياه بين الدول الثلاث، تحت رعاية الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة ورعاية دولية أخرى. ومع ذلك، فشلت كل هذه الجهود في إيجاد حل – بينما يقترب السد من الاكتمال.

وفي حين أن الكثير من تمويل سد النهضة جاء من الاكتتاب العام والضرائب المفروضة على الإثيوبيين في الخارج، فقد جاء الكثير من التمويل عبر القروض الأجنبية. وفي العام 2013، قدمت الصين 1.3 مليار دولار إلى البلاد لبناء خطوط نقل من السد.

كذلك، شاركت شركات صينية، مثل “China Gezhouba Group” و “Voith Hydro Shanghai”، في بناء سد النهضة.

ويقول خبراء أنّه لدى الصين استثمارات ضخمة في سد النهضة أبرزها مشروعات زراعية تتعلق باستصلاح مليوني فدان وإقامة مصانع عملاقة سيتم تشغيلها بالطاقة الكهربائية المستولدة من السد ومشروع القطار الكهربائي من أديس أبابا إلى جيبوتي.

وبشكل عام، تعد الصين أيضاً أكبر مصدر للاستثمار الأجنبي المباشر لإثيوبيا، وفقاً للأمم المتحدة، إذ تمثل حوالى 60% من جميع المشاريع الجديدة الممولة من الخارج في البلاد في عام 2019.

ومع هذا، فإنّ نسبة كبيرة من ديون إثيوبيا الخارجية مستحقة للصين، وفي الوقت نفسه، تعد الاستثمارات الصينية في السودان ومصر كبيرة أيضاً.

ففي السودان، هناك استثمارات صينية في مجالات الزراعة والتعدين والبترول، في حين أنه في مصر، تموّل البنوك الصينية حوالى 85% من العاصمة الإدارية الجديدة البالغة قيمتها 3 مليارات دولار، والتي يتم بناؤها خارج القاهرة. وفي الواقع، تعد الشركة الصينية الحكومية للإنشاءات والهندسة أحد المقاولين الرئيسيين هناك.

وفي العام 2019 أيضاً، سجلت الصين رقماً قياسياً بقيمة 7 مليارات دولار من الاستثمارات في مصر، 90% منها في السنوات الخمس السابقة.

ومن المحتمل أن يمنح هذا الصين نفوذاً اقتصادياً كبيراً مع جميع المشاركين في نزاع سد النهضة. وفي الوقت نفسه أيضاً، وبينما تحاول الصين تقليدياً عدم الانخراط في السياسة المحلية، هناك الكثير من الدلائل الآن على أنه مع وجود العديد من الاستثمارات على المحك هنا، فإن الصين نفسها تتغير، وتبحث كثيراً في الانخراط في النزاع القائم.

وتدخلت الصين في المنطقة من قبل، كانت لاعباً رئيسياً في مفاوضات عام 2015 التي أنهت الصراع بين السودان وجنوب السودان، حيث تمتلك الصين استثمارات كبيرة في صناعة النفط.

ووسط كل هذه الأزمة، يتعين على الدول الـ3 (مصر – السودان – إثيوبيا) البحث في جوهر الملف المرتبط بسدّ النهضة، ويتعين على إثيوبيا أن تدرك ضعف مصر في ما يتعلق بمياه النيل، بينما يتعين على مصر أن تدرك حاجة إثيوبيا للتنمية الاقتصادية.

شاهد أيضاً: اللي عاوز يجرب يجرب”…كيف يرى الشعب الإثيوبي أحاديث استهداف سد النهضة؟”