في نموذج واضح لنتائج استغلال الصين لما بات يعرف بـ”دبلوماسية اللقاحات” لتعزيز نفوذها السياسي حول العالم، أظهر استقبال السلطات البرازيلية لشحنة اللقاحات الصينية لوباء كوفيد -19 مدى تأثير هذه الدبلوماسية التي تسميها بكين بمبادرة “طريق الحرير الصحي” على سيادة الدول.

ففي وقت سابق من الشهر الماضي حظيت شحنة اللقاحات الصينية للبرازيل باستقبال رسمي على الرغم من ان الطائرة التي تحملها لا تقل شخصية مهمة، الا انه كان في استقبالها حاكم ولاية ساوباولو البرازيلي على رأس وفد ترحيبي رفيع المستوى.

وبحسب ما نشرت صحيفة The Guardian البريطانية، فقد وقف اعضاء الوفد “رفيع المستوى” بأقنعتهم الطبية في استقبال الطائرة المحملة بسبع حاويات مبردة من لقاحات كورونا، ولالتقاط الصور الرسمية مع أمبولات اللقاح الصغيرة التي يأمل حاكم ولاية ساوباولو في أن تقضي أو على الأقل تحدّ من وتيرة المصائب التي ما ينفك فيروس كورونا يُلحقها بسكان الولاية التي يديرها.

“دبلوماسية اللقاحات” تثمر مع واحد من أكثر بلدان العالم تضرراً من كورونا

وتعد البرازيل من بين بلدان العالم الأكثر تضرراً من الوباء، فقد سجّلت أكثر من 6 ملايين حالة إصابة ونحو 170 ألف حالة وفاة، ولذلك كانت ميداناً سهلاً ومغرياً لعملية استغلال الصين للقاحات كورونا، وخاصة أن البرازيل بلد كبير وغني بالموارد الطبيعية وأكبر دولة سكاناً واقتصاداً في أمريكا اللاتينية ويتوقع أن يزيد وزنها السياسي والاقتصادي في المستقبل.

وكانت الصين قد وعدت بأن تصل 6 ملايين جرعة من لقاح “كورونافاك”، من إنتاج شركة التكنولوجيا الحيوية الصينية “سينوفاك”، إلى البرازيل بحلول يناير/كانون الثاني 2021، كما أن معهد بوتانتان الحكومي المرموق في ساو باولو، والذي يجري اختبارات على اللقاح حالياً، سيحصل على المواد الخام لإنتاج ملايين أخرى من جرعات اللقاح.

شحنات اللقاح التي توجهت إلى البرازيل هي جزء من حملة “دبلوماسية اللقاح” التي أطلقتها بكين في جميع أنحاء العالم. وذلك بعد أن كانت تداعيات انتشار فيروس كورونا قد أظهرت حالة من عدم الثقة بالصين دولياً، وألحقت الضرر بالإقبال العالمي على صادراتها، والذي لطالما أسهم في تعزيز نموها.

بكين تحاول تغطية على مسؤوليتها في تفشي كورونا حول العالم

وبحسب تقرير نشرت الصحيفة البريطانية فانه فمن جهة، تقدم الصين اللقاح الفعال، وتوفره بأسعار مناسبة، الأمر الذي يمثل طريقاً محتملاً لمواجهة حالة السخط والانتقادات البارزة حيال تعامل الصين المبكر مع أزمة فيروس كورونا والتهاون معها، ومن جهة أخرى يوفر الدعم المالي لشركات التكنولوجيا الحيوية في البلاد، حيث تنتج الصين الآن تنتج نحو خمس اللقاحات في العالم في الوقت الحالي، لكن معظم هذه اللقاحات للاستخدام المحلي.

وقال موريسيو سانتورو، وهو أستاذ في جامعة ولاية ريو دي جانيرو ومتخصص في العلاقات البرازيلية الصينية “فكرة أن اللقاح الصيني سيُطرح بوصفه منفعة عامة عالمية فكرةٌ مهمة جداً لبكين في الوقت الحالي، لأنها أصبحت الطريقة التي يخوضون بها حربهم الدعائية خلال الوباء”.

وأضاف سانتورو: “إنهم يحاولون دفع اللوم عن أنفسهم على ما فعلوه في الأيام الأولى للوباء… لذا إذا كان لديهم لقاح فعال حقاً، فإن ذلك سيكون شديد الأهمية بالنسبة إليهم. والبرازيل ساحة اختبار مهمة للطموحات الصينية تلك”.

من الجدير بالذكر أن الصين لديها خمسة لقاحات تخوض المراحل النهائية من التجارب في دول عدة بجميع أنحاء العالم، منها البرازيل وتركيا وإندونيسيا.

ولما كانت الصين قد أحكمت سيطرتها على انتشار الوباء وتمكنت من احتوائه في الداخل، فلم يعد لديها عدد كاف من الأشخاص المصابين لإجراء تجاربها على اللقاح هناك.

بالإضافة إلى ذلك، منحت الصين التراخيص لثلاثة لقاحات أخرى للاستخدام الطارئ محلياً، وأحد هذه اللقاحات من تطوير “مجموعة الصين الوطنية للصناعات الدوائية” (سينوفارم) الذي تلقاه ما يقرب من مليون شخص، على الرغم من حقيقة تضاؤل المخاطر المتعلقة بانتقال عدوى الفيروس إلى حد كبير داخل حدود الصين.

 

باحث يختبر اللقاح Sinovac الصيني

باحث يختبر اللقاح Sinovac الصيني – AFP

 

مبادرة طريق الحرير الصحي تتوسع في غياب الولايات المتحدة

وكان الرئيس الصيني، شي جين بينغ، قد تعهد في مايو/أيار الماضي بمشاركة اللقاحات الصينية مع العالم أجمع، في تناقض واضح مع النهج الذي اختارته إدارة دونالد ترامب، التي كان تركيزها في ذلك الوقت منصباً بالأساس على شراء اللقاحات المحتملة على أوسع نطاق ممكن لحماية سكانها.

كما تعهدت الحكومة في بكين بتأمين السبل للتأكد من أن الدول قادرة على شراء لقاحاتها المطروحة، ووعدت دول أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي في يوليو/تموز بقرضٍ قيمته مليار دولار لإتاحة شرائها لتلك اللقاحات.

وعلى النقيض من الولايات المتحدة، انضمت بكين أيضاً إلى تحالف “كوفاكس” الدولي للقاحات، والذي يهدف إلى تسريع عمليات تطوير وتصنيع اللقاحات، وتمكين التوزيع العالمي السريع والعادل للقاحات المرشح نجاحها.

ومنذ الربيع بدأ المسؤولون الصينيون في الحديث عن مبادرة “طريق الحرير الصحي”، عندما شرعت الصين في إرسال شحنات من الأقنعة الطبية وغيرها من المعدات الوقائية وحتى فرق الأطباء إلى البلدان الأشد تضرراً بالوباء بعد احتوائهم للموجة الأولى من الوباء في الداخل، حيث يعبر اسم المبادرة عن مدى الطموح الذي تتطلع إليه بكين وتستحضره بالإحالة إلى طرق التجارة القديمة العابرة للقارات.

في الأشهر الأولى، غالباً ما طغت على جهود بكين الحثيثة لتغيير النقاشات العامة التي تربطها بالفيروس تقارير عديدة عن شحن معدات واقية معيبة من مصانعها، ومشاعر الامتعاض من الحكومات التي اضطرت إلى تقديم الشكر العلني الواسع على تلك المساعدات، علاوة على السعادة الصينية الرسمية لنجاحها في احتواء الفيروس في الوقت الذي أخذت فيه الدول الأخرى تنزلق أكثر فأكثر في هاوية الأزمة والفوضى الاقتصادية الناجمة عنها.

لكن الآن يمكن للقاح الفعال أن يكون له تأثير أكبر بكثير من شحنات معدات الوقاية الشخصية، فهو يُمكّن البلدان من البدء في إعادة بناء اقتصاداتها وخدماتها الصحية.

وفي هذا السياق، كتب الباحث في الشؤون الصينية، إيك فرايمان، والخبير في الشؤون الطبية، جاستن ستيبينغ، في مقال نشرته مجلة Foreign Affairs الأمريكية مؤخراً، أنه “على الرغم من أن الصين قد دفعت في البداية ثمناً دبلوماسياً كبيراً لفشلها في السيطرة على وباء كورونا المستجد في وقت مبكر، فإنها باتت الآن مستعدة لإصلاح سمعتها المتضررة من خلال إعادة تقديم نفسها على أنها مزوّد خدمات الصحة العامة للعالم النامي”.

وأضاف الباحثان في مقالهما، أنه “إذا استمرت الولايات المتحدة في العزوف عن خوض المنافسة، فإنها لن تخاطر بخسارة سباق اللقاح فحسب، بل ستسمح للصين أيضاً باكتساب مكانة الدولة التي تتمتع بقوة تكنولوجية من الدرجة الأولى، والسمعة الحسنة لدى عدد كبير من الحلفاء الجدد المحتملين، إضافة إلى الحيثية لمطالبة مشروعة بتسلُّم زمام القيادة العالمية”.

اللقاحات الصينية تغذي الخلافات السياسية في البرازيل

علاوة على أن اللقاحات الصينية إذا أثبتت فاعليتها، فإنها بذلك تقدم لبكين طريقة ناجحة لدعم الحلفاء السياسيين في جميع أنحاء العالم.

وقد بدأت بوادر ذلك في البرازيل على سبيل المثال، فقد أصبحت اللقاحات الصينية نقطة محورية في التنافس السياسي المحتدم بين حاكم ولاية ساو باولو، جواو دوريا، والرئيس البرازيلي، جايير بولسونارو، الذي احتفى مؤخراً بالتعليق المؤقت لتجارب لقاح صيني بعد وفاة أحد المشاركين في اختباراته، كما لوحظ غيابه عن حفل استقبال اللقاح الذي أقامه دوريا في المطار.

ويرجع ذلك إلى أن بولسونارو، مثل حليفه في النهج الدبلوماسي والأيديولوجي ترامب، اتخذ موقفاً متشدداً مناهضاً للصين، في الوقت الذي عمد فيه إلى التقليل من خطر الفيروس وآثاره.

 

حاكم ولاية ساو باولو ، جواو دوريا ، مع لقاح SinoVac الصيني

حاكم ولاية ساو باولو ، جواو دوريا ، مع لقاح SinoVac الصيني

 

غير أن موقفه هذا أوقعه في خلاف مع كثير من رموز مجتمع الأعمال البرازيلي الذي يعتمد على علاقاته مع الصين، التي تعد الشريك التجاري الأكبر للبلاد بفارق كبير عن غيرها.

فبحسب سانتورو، المتخصص في العلاقات البرازيلية الصينية، فإن الصادرات البرازيلية إلى الصين تبلغ قيمتها أكثر من ضعف الصادرات إلى الولايات المتحدة، ثاني أكبر شريك تجاري للبرازيل.

وتمثل البرازيل نموذجاً على عملية استغلال بكين للقاحات كورونا لتعزيز نفوذها السياسي.

ومن الثغرة الناشئة عن موقف بولسانارو المتقاعس حيال كورونا، نفذت الصين وعملت على تصعيد حاكم ولاية ساو باولو، جواو دوريا، وهو سياسي ينتمي إلى يمين الوسط ويطمح إلى المنافسة على منصب الرئاسة.

وإدراكاً منه لأهمية العلاقات مع الصين في تعزيز المصالح التجارية القوية للبلاد في قطاعات عدة، منها التعدين والزراعة، مضى دوريا قدماً في سبيل تعزيز العلاقات معها، وأبان مؤخراً عن الأهمية التي يوليها للعلاقة مع الصين من خلال قراره بفتح مكتب تجاري حكومي في شنغهاي الصينية.

من جهة أخرى، وعلى الرغم من أن استطلاعات الرأي تظهر غياب الثقة بالصين، ويمتد ذلك إلى ارتياب فيما يتعلق باللقاحات الصينية، فإن أي لقاح لن يُطرح للاستخدام حتى يجتاز اختبارات صارمة من قبل هيئات برازيلية موثوقة، بحسب مسؤولين هناك.

وتقول أدريانا أبدينور، المديرة التنفيذية لمركز أبحاث Plataforma CIPÓ البرازيلي “من المنطقي أن نتوقع أن يكون لدى الجمهور كثير من الهواجس في البداية، ولكن القبول سيزداد بمجرد أن يدرك الناس أن المخاطر طفيفة جداً مقارنة بالمزايا”.

وكان استطلاع حديث نُشر في دورية Nature العلمية كشفَ عن أن نسبة بلغت 85.3% من البرازيليين المستطلعة آراؤهم على استعداد للتطعيم ضد فيروس كورونا، لتأتي البرازيل في المرتبة الثانية في الإقبال على اللقاحات الصينية بعد الصين نفسها مباشرة.

وإذا تمكن حاكم ولاية ساو باولو، جواو دوريا، من إطلاق حملة تطعيم ناجحة باللقاح المرشح من شركة “سينوفاك” الصينية في يناير/كانون الثاني المقبل بحسب التعهدات الصينية، فمن المرجح أن يستفيد من ذلك اقتصاد ولاية ساو باولو وشعبية دوريا نفسه في البلاد.

ومن المستبعد أن يكون ذلك قد غاب عن الدبلوماسيين في بكين، الذين قد يكونون قرروا الانتظار حتى انتهاء حقبة بولسونارو، لكن ذلك لن يمنعهم من السعادة برؤيتها تنتهي في أقرب وقت ممكن.