Open in App Akhbar Alaan
Rating
استخدم تطبيقنا ×

مصطفى حامد.. المريض الأول بمتلازمة طهران

05/08/2022 . 19:21

القاهرة (أخبار الآن)

من مكانه في إيران، يحاول والد زوجة سيف العدل مصطفى حامد أن يلفت الأنظاء إليه بتصريحات تفضح علاقاته بطهران باعتباره احد رؤوس المتشددين.  بعد أيام من مقتل زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري بضربة صاروخية أمريكية في كابول هاجم حامد اتفاقيات الدوحة والتي من بينها مطالبة طالبان بقطع علاقاتها كليا بتنظيم القاعدة، معتبرا أن مقتل الظواهري في كابول مؤامرة كبيرة "مثل 11 سبتمبر"، زاعما أن العملية تمثل جزء من قطع طريق الحرير الجديد للصين. وبالرغم من أن هذا الزعم يفتقر إلى التماسك والمنطقية، إلا أنه قد ينظر إليه على أنه انعكاس لآلام أصدقاء الظواهري من طالبان.

نكشف في هذا التقرير.. قصة مصطفى حامد عراب العلاقة بين الجهاديين وإيران، وكيف روج لسيف العدل زوج ابنته لقيادة القاعدة وتوجيه دفة التنظيم في طريق مصلحة إيران.

فمن هو مصطفى حامد الذي يظهر مدافعا عن طالبان، وعن الظواهري والقاعدة؟

مصطفى حامد "أبي الوليد المصري" عراب العلاقة بين الجهاديين وطهران

تمثل قصة مصطفى حامد رحلة حياة حافلة بالأحداث؛ فقد شارك في الجهاد الأفغاني في الثمانينات وكان مقرباً من قيادات تنظيم القاعدة ثم لجأ إلى إيران وتشردت أسرته من جراء ذلك، وبعد جهود مكثفة تم الإفراج عنه وعاد إلى مصر لكنه ما لبث أن عاد إلى منفاه السابق بمحض إرادته حينما اكتشف عدم قدرته على العيش بعيداً عنهم، أو ما يمكن أن نسميه بـ"متلازمة طهران" فقد وجد نفسه معزولاً وغير مؤثر وسط أهله وشعبه بعد غيابه عنهم لأربعة عقود.

مؤرخ القاعدة

ولد مصطفى محمد عطية حامد الذي اشتهر بـ"أبي الوليد المصري" وأحيانًا بـ"هاشم المكي" في مارس/آذار 1945، في مدينة بلبيس بمحافظة الشرقية بمصر، وفي صغره انضم إلى أشبال جماعة الإخوان المسلمين لبعض الوقت، وتدرج في المراحل التعليمية حتى تخرج من قسم الهندسة الميكانيكية في كلية الهندسة بجامعة الإسكندرية عام 1969، وعمل في الكويت ثم في أبوظبي ثم ترك مجال دراسته واشتغل بالصحافة في الإمارات -في هذه الفترة لم يكن حامد منتمياً لأي جماعات مشددة-، وفي عام 1978 تطوع في صفوف حركة فتح الفلسطينية خلال الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان الذي عُرف بـ"عملية الليطاني"، وفي يونيو/ حزيران من العام التالي سافر إلى أفغانستان للمشاركة في الكفاح ضد الجيش السوفيتي.

شكلت زيارته الأولى لأفغانستان تحولا جذرياً في حياته هو وأسرته؛ إذ تعرف على قادة المجاهدين مثل جلال الدين حقاني (توفي عام 2008 وهو والد النائب الحالي لزعيم طالبان ووزير الداخلية الأفغاني)، ومحمد يونس (قائد حزب إسلامي أفغانستان، توفي عام 2006) وغيرهم، والتقي بالقيادي الإخواني المصري، كمال السنانيري، الذي ذهب إلى هناك من أجل توحيد الفصائل الأفغانية عام 1979.

ولاحقا التقى بعبد رب الرسول سياف (رئيس الاتحاد الإسلامي الأفغاني) عام 1980، ثم تبدلت الصداقة إلى شقاق بعد خلاف في الرؤى حول النزاع الأفغاني، وكذلك تعرف على الدكتور عبدالله عزام الذي يوصف بأنه "الأب الروحي للجهاد الأفغاني" فى باكستان منذ عام 1984، وثارت بينهما خلافات حول اتجاهات العمل المسلح في أفغانستان.

انتقل بأسرته إلى باكستان عام 1985 وترأس مكتب صحيفة الاتحاد هناك حتي منتصف 1986، وظل يكتب في عدد من الصحف حتى عام 1990، وكذلك فى مجلة المجاهد التابعة للقيادي السلفى الأفغاني، مولوي جميل الرحمن، ومجلة منبع الجهاد التابعة لحقاني خلال عامي 1991 و1992.

زوجة مصطفى حامد وأولاده الستة بأفغانستان
زوجة مصطفى حامد وأولاده الستة بأفغانستان

إلا أن الحدث الأكثر إثارة هو لقاؤه بمؤسس تنظيم القاعدة، أسامة بن لادن، مطلع عام 1988، والصداقة القوية -حسب وصفه- التي ربطته به وبكل الآباء المؤسسين للتنظيم، وقد لجأ إلى معسكرات القاعدة في أفغانستان بعدما غادر باكستان فرارًا من الملاحقة عام 1993، وأشرف من هناك على تدريب عناصر حزب النهضة الطاجيكي المدعوم من طهران، وعدد من الجهاديين الأوزبك والشيشانيين، ثم سافر إلى السودان عام 1996 وفي مايو/أيار من نفس العام عاد على نفس طائرة أسامة بن لادن إلى أفغانستان.

 ويفخر في سيرته الذاتية التي نشرها على موقعه الإلكتروني "مافا ورلد Mafa world" بكونه أول عربي يبايع زعيم حركة طالبان الملا محمد عمر، أميراً للمؤمنين فى أواخر 1997، وكتب فى مجلة "الإمارة الإسلامية" التابعة لطالبان منذ بين عامي 2000 و 2001، وعمل في نفس الفترة مراسلاً لقناة الجزيرة القطرية إلى سبتمبر/أيلول 2001 قبيل الغزو الأمريكي لأفغانستان.

أصدر 15 كتابا معظمها يحكي عن تجربة العرب في الجهاد الأفغاني، مما أكسبه لقب "مؤرخ القاعدة" رغم حرصه في كل مناسبة على تكرار إنكار انتمائه للتنظيم، والتأكيد على عدم دخوله في أي جماعة فى أي وقت باستثناء علاقته بالإخوان في طفولته المبكرة، إلا أن الحقيقة أن الرجل ليس مجرد مؤرخ أو مدون رغم أنه أرخ ودون كثيراً من الأحداث، لكن كتاباته تكشف بجلاء أنه صاحب مشروع لتسخير التنظيمات الجهادية لخدمة الأهداف الإيرانية، وبمرور الوقت يصبح هذا الخط أكثر وضوحاً في كتاباته عن ذي قبل، لكن الأخطر من تلك الكتابات بكثير هو الدور الذي قام به في تفعيل أفكاره ومخططاته والانتقال من التنظير إلى التطبيق.

في ضيافة الحرس الثوري

يقول أبو الوليد إنه دخل إيران مضطراً وكاد يُقتل خلال عبوره الحدود بصحبة مجموعة مجاهدي حزب النهضة الطاجيكي، خلال فراره من الغزاة عام 2001، واعتُقل في إيران لنحو عشر سنوات إلى أن غادرها مع أسرته إلى مصر في 2011 بعد إطلاق سراحه لكن هذه الرواية مجتزأة ومحرفة، فالرجل كان همزة الوصل بين النظام الإيراني والجماعات الجهادية في أفغانستان، فقد ذهب إلى هناك عام 1979 وهو عام انتصار ثورة الملالي ووصولها إلى الحكم في إيران وكان النظام الجديد آنذاك بصدد بناء علاقاته الخارجية على أسس جديدة، وفي نهاية العام ذاته بدأ الغزو السوفيتي لأفغانستان، الجار الشرقي لإيران، الذي أصبح نقطة جذب للجهاديين السنة حول العالم، واستطاع أبو الوليد تطوير علاقات قوية مع الطرفين وأصبح وسيطًا مقبولاً بينهما.

وزَوّجَ ابنته أسماء لسيف العدل، أحد كبار قادة تنظيم القاعدة، كما اتُّهم بأن عمله كمراسل لمحطة تلفزيونية فضائية في أفغانستان، كان بناءً على رغبة التنظيم، وفي منتصف التسعينيات شارك في اتصالات سرية بين  بن لادن والحرس الثوري الإيراني، مما جعل الأراضي الإيرانية معبراً آمناً لعناصر القاعدة إلى أفغانستان، وفي أواخر التسعينيات عندما ارتفعت التوترات بين نظام الملالي وحركة طالبان، سافر عدة مرات بين قندهار وطهران بهدف الوساطة.

مصطفى حامد.. المريض الأول بمتلازمة طهران
مصطفى حامد زَوّجَ ابنته أسماء لسيف العدل مما وثق العلاقة بين الطرفين

وبعد سقوط طالبان في 2001 ذهب حامد إلى طهران ليقيم في ضيافة الحرس الثوري، ومن هناك كان مسؤول الاتصالات بين طالبان والنظام الإيراني، ونسق عملية نقل عائلات عناصر القاعدة إلى إيران بصحبة أسرته، وتم حبسه مع أعضاء من القاعدة لبعض الوقت بعدما أصبحوا عبئًا كبيراً على مضيفيهم في منتصف عام 2003، عقب تكثيف الضغوط الأمريكية على إيران واتهامها بدعم الإرهاب، وأدرجته وزارة الخزانة الأمريكية على لوائح الإرهاب مع 3 آخرين منهم سعد أسامة بن لادن.

وعانت أسرته الأمرين خلال هذه الفترة فلم يستطع نجله وليد الحصول على مصدر دخل مناسب للإنفاق على زوجته الباكستانية وطفليه وأسرته، ثم تعرض للاعتقال والتعذيب لسنوات بعد اتهامه بحيازة آثار، وبذلت أسرة زوجة أبو الوليد المصري محاولات للسماح لهم بمغادرة إيران وتخليصهم من هذه المعاناة دون جدوى.

مصطفى حامد.. المريض الأول بمتلازمة طهران
مصطفى وزوجته ورضيعهما، وقتها، وليد

ودفعت الأسرة ثمن وثوق أبو الوليد بإيران التي اتضح أنها مكان غير آمن بالمرة، فعاش تحت الإقامة الجبرية هو وحفيده حسام وولديه ولديه عبد الرحمن، وعبد الله وكلاهما تزوج إيرانيات، وانقطعت أخبار ابنه محمد لسنوات، وتم تحديد إقامة ابنته أسماء، زوجة سيف العدل، مع أطفالها الستة بحي شهريار في طهران، وعانت وفاء الشامي زوجة حامد من تضييق الخناق عليها ومنعها من زيارة أولادها الخاضعين للإقامة الجبرية، وتشرد شمل الأسرة ففرت ابنتها عائشة مع زوجها همام وأولادهما الخمسة إلى وزيرستان بباكستان، وتسللت حفيدتها صفية زوجة عثمان نجل بن لادن مع ابنها وبنتها إلى العاصمة القطرية، الدوحة، وفي هذه الأثناء عاد أبو الوليد ليكتب فى مجلة الصمود التابعة لطالبان والتى صدرت خلال فترة الاحتلال الأمريكى لأفغانستان، وأصدر عدة كتب وتابع النشر بموقعه "مافا السياسي".

وبعد ثورة 25 يناير في مصر عام 2011 كانت هناك حملة شعبية لإعادة أبو الوليد إلى مصر، ونشر نشطاء صورًا له ولأفراد أسرته، حصدت تعاطفا كبيراً وذهبت زوجته وفاء سراً مع حفيدها حسين إلى مقر البعثة المصرية في طهران، وتَزَعَم مدير ما يسمى بـ"المرصد الإسلامي" في لندن، ياسر السري، حملة إعلامية لإعادة أبو الوليد إلى مصر وأجرى اتصالات عديدة وأصدر عدة بيانات لهذا الغرض وناشد الحكومة الإيرانية الاستجابة لهذه المطالب، وناشد القاهرة إعادته خاصةً وأنه غير مدان أو ملاحق بأي تهمة ولم تصدر ضده أية أحكام قضائية في مصر.

مصطفى حامد.. المريض الأول بمتلازمة طهران
مصطفى حامد وأصغر أولاده

 واعتصمت زوجته في مقر البعثة المصرية لأسابيع للمطالبة بعودة الأسرة إلى وطنها، ونشر حامد مقالًا بعنوان «مصر والدولة الإسلامية» ينتقد فيه إبقاءه تحت الإقامة الجبرية لتسع سنوات دون مبرر، ويتحدث فيه عن محادثة إلكترونية مع ابنة شقيقته الصغرى التي لم يرها في حياته من قبل نتيجة غربته لأربعة عقود، ويقول "كان موقفي صعبا في نقاشي مع الآنسة الليبرالية، ابنة شقيقتي، التي أحاول أن أثبت لها صوابية فكرة الدولة الإسلامية، وأنا، وبلا ذنب أو حكم قضائي أقبع داخل سجن إسلامي، بينما هي ومن منطلقات ليبرالية، تنادي بإطلاق سراحي من قبضة الإسلاميين».

وفي نهاية أغسطس/ آب 2011 سُمح للأسرة بالعودة إلى بلادها، ووصلوا إلى مطار القاهرة على نفس الطائرة التي أقلت محمد الإسلامبولي شقيق قاتل الرئيس أنور السادات، ووجه السري الشكر لأعضاء البعثة المصرية لما بذلوه لإتمام هذه العملية، وبعد وصولها توجهت الأسرة إلى الإسكندرية وتم استدعاء مصطفى حامد للتحقيق، ثم انصرف من سراي النيابة إلى بيته دون أي تهمة.

وفي مصر يبدو أن الرجل لم يلق الاهتمام الذي كان يتوقعه، ولاحظ "عدم وجود قارئ فى مصر لأمثال تلك المواد الغريبة" التي يكتبها، وسيطر عليه "الشعور بأن سكان العالم يتزايدون، بينما محيطي أصبح خاليا.. ولقد مضت تلك السنون وأهلها.. وكأنها وكأنهم أحلام"، خاصةً وأن الفترة التي قضاها في وطنه كانت تعج بالتقلبات السياسية والأحداث الكبرى التي صرفت اهتمام الناس إلى الوضع الداخلي للبلاد، فبدا الرجل كما لو كان يبيع بضاعة تنتمي إلى الماضي البعيد بينما كان الناس مشغولون بالأحداث الجارية إلى أقصى درجة.

ويقول عن إقامته في بلده:

كتبت في مصر خلال العهود المختلفة التى عاصرتها خلال السنوات الخمس التي قضيتها هناك (2011 ـ 2016)، وبدون أى تدخل أو إزعاج أمنى، ربما لأن ما أكتبه لا يهم أحدا فى مصر ولا يعنيه فى شئ، وذلك من حسن الحظ، وكما دخلت مصر بلا تدخل أو إزعاج أمنى خرجت منها بنفس الطريقة

 

الوقوف في صف طهران

فى أواخر سبتمبر/أيلول 2016 توجه الرجل إلى قطر ومنها إلى إيران، وهو الأمر الذي شكل صدمة لدى المتابعين فما الذي حمله على الذهاب بقدميه إلى من قيدوا حريته وأذلوا أسرته وخالفوه في النهج والعقيدة؟! وبالرغم من قوله إنه يقيم في طهران للعلاج إلا أن ذلك في الحقيقة قد كشف عن إصابته بما يمكن أن نسميه "متلازمة طهران" فقد قرر التخلى عن العيش وسط أهله ووطنه ليعود إلى محبسه السابق طواعية!

مصطفى حامد.. المريض الأول بمتلازمة طهران
مصدر فيروس متلازمة طهران

بجوار زوج ابنته، سيف العدل، القائد العسكري لتنظيم القاعدة، واستأنف الكتابة في مجلة الصمود التابعة لطالبان، وأعاد افتتاح موقع مافا السياسي بعد إغلاق دام أكثر من خمس سنوات، مبررا ذلك بأن ما أطلق عليه "مناخ الحريات" في إيران يسمح بصدور الموقع الذي "رتب الأولويات بشكل صحيح، فجاء الدين، لأنه الأصل قبل المذهب، كونه الفرع" في إشارة منه للتغاضي عن الخلاف المذهبي بين الشيعة والسنة.

وبحسب الدكتورة دلال محمود، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، فإن كتابات أبي الوليد يظهر فيها استعداده للتنازل عن بعض المبادئ لإيجاد أرضية مشتركة مع الحلفاء المحتملين، أو بعبارة أخرى إقامة تحالف سني شيعي ضد الأنظمة العربية والولايات المتحدة.

وفي ورقة بحثية لها بعنوان "مراجعة لكتابات القادة الإرهابيين: مصطفى حامد نموذجًا"، تقول محمود إن الرجل استطاع الجمع بين أكثر من جماعة، بما له من خبرة في عضوية تلك التنظيمات، ووجد مصالحه مع النظام الإيراني ووفر له أدوات لاختراق قطاع من أهل السنة.

مصطفى حامد.. المريض الأول بمتلازمة طهران

ومن يتابع مقالاته وأحاديثه يجد أنه يهاجم التبعية للولايات المتحدة، ويتسامح مع التبعية لإيران، ويحذر من الدور الإسرائيلي والتركي والروسي وحتى الباكستاني في أفغانستان، لكنه لا يرى غضاضة في دور طهران رغم أنها ترتبط بجماعات مسلحة أفغانية، فهو يحذر من مخططات الغرب ويدعو في نفس الوقت لتأييد مخططات الشرق؛ ويحث طالبان للانضمام لمبادرة طريق الحرير الصينية ويؤيد انفتاح الاقتصاد الأفغاني على بكين وطهران، ويتبنى مسمى "خليج فارس" بدلا من الخليج العربي.

ويدعو لتقوية علاقة طالبان بإيران تحت مسمى حسن الجوار وإزالة سوء الفهم رغم أن كل جيران أفغانستان السنة مثل باكستان لا يحظون بمثل هذا الإهتمام لديه، وينتقد تنظيم القاعدة في تأثره بـ"المنهج السلفي الذي يعادي الشيعة إلى حد التكفير أحيانا"، ويعتبر أن "بن لادن كان معتدلا في هذا الأمر" في إشارة لتعاونه مع إيران، ويقول "لا شك أن هناك قطاعا جهاديا سلفيا، بدأ يدرك الحقائق ويسعى إلى وضع الأمور على مسارها الصحيح، لقد تأخر ذلك كثيرًا ولكنه أفضل من ألا يأتي أبدًا" ويظهر أنه يقصد هنا زوج ابنته سيف العدل وأتباعه المرتبطين بإيران.

ولا يطالب فقط بـ"التعايش مع الشيعة" بل "توحيد جناحي الأمة من سنة وشيعة، في معركة واحدة ضد اليهود والصليبيين، حسب تعبير بن لادن الشهير"، ويهاجم الاتجاهات السلفية الرافضة للتحالف مع طهران في مقال "داعش وحديث آخر ذو شجون"، مستطردا فيقول: "عداء الوهابية الأساسي هو ضد المذاهب السنية الأربعة، أكثر منه للتشيع أو التصوف، بل واستهدفت بالعداء فريضة الجهاد تحديدا، سعيا إلى تخريب مساره بالمزايدة الصاخبة حول الشريعة والجهاد والعقيدة.. الجهاد الوهابي يضرب الجهاد الصحيح للأمة، ويعرقل ظهوره مجددا، مستبدلا إياه بجهاد زائف".

واللافت أنه لا يطالب الإيرانيين في المقابل بالكف عن قتل المدنيين في الدول العربية من أجل تحقيق هذا التقارب المأمول، ولا يهاجم من قريب أو بعيد المجازر الدموية التي ارتكبها الحرس الثوري ضد مئات الآلاف من العرب السنة في سوريا والعراق واليمن بل يؤيد الحوثيين، ويعتبر الدعم الإيراني لهم "مسألة إنسانية وإسلامية وأمنية" وأن طهران "تتصدى لمسؤوليات هجرها أصحابها" أي أنه يعتبر طهران تقوم بفروض الكفاية -بالمصطلح الفقهي- نيابة عن الأمة الإسلامية كلها دون أن يقدم طرحا متماسكاً حول التدخلات الإيرانية في الدول العربية والإسلامية، لكنه يدافع بإجمال عن دور فيلق القدس الذراع الخارجي للحرس الثوري وكذلك عن البرنامج الصاروخي الإيراني، قائلاً "لا مجال إطلاقا لأي نقاش حول هذين الموضوعين، لأن ذلك يعني محاولة نزع سلاح إيران واستسلامها بالكامل"، ويعتبر أن محاولات عزل إيران عن جيرانها العرب "سيتحول إلى رعايا في إمبراطورية صهيونية".

وفي الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2021 كتب مقالا بعنوان "موقف السلفية العربية من الإمارة الإسلامية" هاجم فيه أعضاء القاعدة الذين لا يزالون يدعمون أميرها الثاني، أيمن الظواهري، بشراسة دون أن يسميهم بل اكتفى بمناداتهم بـ"السلفية العربية"، واتهمهم بأنهم يحاولون نسبة انتصار طالبان لهم وبالتالي شكلوا تهديدًا لحكومتها، وحذر من لجوء الجهاديين بشكل استفزازي إلى أفغانستان بعد وصول طالبان للحكم في أغسطس/ آب الماضي، دون التنسيق مع الحركة أو مراعاة حساسية موقفها، متهماً إياهم بأنهم كانوا السبب في الاحتلال الأمريكي لأفغانستان بسبب تهورهم وعصيانهم للملا عمر، أمير الحركة وقتذاك، وأنهم يهدفون إلى سحب الشرعية الدينية من طالبان لتبقى الشرعية الدينية لهم في ساحات العقيدة، ويسعون إلى إحداث انشقاقات في صفوف طالبان لصالح تنظيم داعش المدعوم من الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا وباكستان ودول الخليج العربي، وفقاً لزعمه.

الهجوم على الظواهري

لكن الجزء الأكثر إثارة كان هجومه المباشر على الظواهري، واعتباره أن القاعدة تحت قيادته فشلت فشلا ذريعاً، وأن السلفية الجهادية تحالفت مع إسرائيل ودول الخليج والولايات المتحدة وحلف الناتو، فيما أطلق عليه مدرسة الإسلام الصهيوني الذي ابتدعه رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق شيمون بيريز، الذي لا يرى وجود خلاف مع المسلمين السنة ودعا لتحالف يهودي سني، على حد زعمه.

 وقد انبرى القيادي المقرب من تنظيم القاعدة، هاني السباعي، مدير مركز المقريزي للدراسات التاريخية بلندن، للرد عليه 15 ديسمبر/ كانون الأول 2021، بكلمة صوتية فند فيها كلامه مكذبًا مزاعم التوافد الجهادي على أفغانستان بعد عودة طالبان، متهماً مصطفى حامد بأنه يتعرض للتضليل من المخابرات الإيرانية التي يستقي منها معلوماته وأصبح ولاؤه لها تماماً، رغم إظهار موالاته لطالبان لكنه يريد عزلها عن العالم السني فقط، وعزلها عن كل الجماعات والدول السنية.

مصطفى حامد.. المريض الأول بمتلازمة طهران

ورفض السباعي اتهام القاعدة بأنها تتنازع مع طالبان على الشرعية مستشهداً بأن، أيمن الظواهري، حين كان نائباً لبن لادن بايع الملا عمر، مؤسس طالبان، وبايع كذلك هبة الله آخوند زاده، أميرها الحالي، وأن القاعدة أصلا قبل الغزو الأمريكي منذ أكثر من 20 عامًا كانت تعيش في كنف طالبان ثم بعدما سقطت ظلوا يمدحونها ويدافعون عنها في ادبياتهم، متهماً مصطفى حامد بأنه ملكي أكثر من الملك لأن القاعدة اعترفت بخطئها في شن هجمات 11 سبتمبر 2001 التي تسببت في غزو أفغانستان، دون الرجوع للملا عمر، والرجل لم يتبرأ منهم وكذلك من جاؤوا من بعده، وبخصوص اتهامهم بمساندة داعش ضد طالبان، قال إن الدواعش كفروا الظواهري وقادة القاعدة و حاربوهم واستحلوا دماءهم، ودمروا مشروعهم في سوريا وقتلوا معظم قادتهم، وبالتالي لا معنى لاتهامهم بتوجيه داعش.

كما وجه السباعي اتهامات لمصطفى حامد بالتشيع نتيجة إقامته الطويلة في إيران، قائلاً "أعرف أنه يبث سمومه منذ القدم في كتاباته ولكن هذه أول مرة يتقيأ كل ما عنده من سموم في مقال كامل .. واضح أنه أصابته لوثة الرفض والترفض"، فهو يعتبر أن من يعادي الحوثيين أو إيران يقف في الصف الإسرائيلي على طريقة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش "من لم يكن معنا فهو ضدنا"، مبرراً "هذا الخلل المنهجي" بأنه كان من تيار العلمانيين القوميين الذي انحاز لإيران، ولذلك نجد الرابط بين كل الأطراف التي هاجمها أنها سنية فقد هاجم كل أطياف التيارات الإسلامية وكل أنظمة الحكم العربية وتركيا وباكستان، ودافع عن إيران وكل الجماعات الشيعية التابعة لها حصرا.

مصطفى حامد.. المريض الأول بمتلازمة طهران

واستنكر السباعي تحميل مصطفى حامد للقاعدة مسؤولية الخطر الإسرائيلي، ورد عليه قائلاً إن فلسطين محتلة قبل إنشاء القاعدة، رافضاً اتهامه للقاعدة بأنها تعادي الصوفية وترفض المذاهب الفقهية الأربعة، وتحتكر حق تمثيل السنة وتتهم الآخرين بالشرك والانحراف العقدي مما أوقعهم في صدام مع باقي المسلمين السنة كما ذكر في مقاله، فأوضح السباعي أن الذي يتصادم مع السنة ويقتلهم هم الشيعة، وأن جماعة أنصار السنة هي التي تخصصت في الرد على الصوفية ولا دخل للسلفية الجهادية بهذه المسائل، واصفاً كلام حامد بأنه "تلال من الأكاذيب".

وتأتي أهمية ردود السباعي من اعتبارها الرد غير الرسمي لأتباع الظواهري على أبي الوليد، لذا كان من المفيد التطرق إليه وعرضه بشئ من التفصيل، لمعرفة موقف قطاع مهم من القاعدة من المشروع الإيراني، مما يكشف وجود انقسامات عميقة داخل التنظيم الذي عصفت به الأحداث وتعرض للاختراق والتشرذم، خاصة في ظل وجود سيف العدل في ضيافة الحرس الثوري، وما يعنيه ذلك بداهةً من نفوذ إيراني قوي على التنظيم.

مهتم بمواضيع ومقالات مشابهة؟
سجل الآن

شاركنا رأيك ...

النشرة البريدية

تريد المزيد من أخبارنا وبرامجنا؟
الرجاء إدخال بياناتك للاشتراك في نشرتنا البريدية.