جماعة الشباب الصومالية.. إرهاب دامي ببصمة القاعدة

أجرى الرئيس الصومالي المنتخب “حسن شيخ محمود“، اجتماعًا مع قادة الأجهزة الأمنية، وقادة القوات المسلحة الصومالية، بعد ساعات معدودة من اختياره رئيسًا للجمهورية، وجرى مناقشة الإجراءات والخطط الأمنية المستقبلية، التي ستتبعها القوات الحكومية، لمواجهة إرهاب جماعة الشباب، التي تنشط بصورة كبيرة، مؤخرًا.

ويكشف عقد هذا الاجتماع، في الساعات الأولى، من انتخاب الرئيس الصومالي الجديد أن التركيز على الملف الأمني ومكافحة الإرهاب، سيكون أحد أهم الأولويات التي لدى إداراته، في الفترة المقبلة، وذلك بسبب تصعيد الهجمات الذي تقوم به جماعة الشباب الصومالية ورفضها وقف العنف، سعيًا لتقويض النظام الحالي في البلاد، وفرض نظام خاص بها.

ومن الواضح أن جماعة الشباب الصومالية عازمة على مواصلة التمرد المسلح الذي تخوضه منذ سنوات، دون النظر للانتكاسات والهزائم التي تعرضت لها، أو الخسائر التي تكبدها أبناء الشعب الصومالي،وتسعى القصة التالية لتسليط الضوء على نشاط الجماعة وإستراتيجيتها:

داخل مخزن كبير في مطار معسكر “هالان” الشديد الحراسة، عقد نواب البرلمان الصومالي، منتصف مايو/ آيار الجاري، جلسة مغلقة لانتخاب رئيس البلاد، بعد تأجيل الانتخابات الرئاسية لنحو عام بسبب الأوضاع الأمنية المعقدة في الصومال، وأسفرت الانتخابات عن فوز “حسن شيخ محمود”، الرئيس الأسبق (تولى الحكم 16 سبتمبر / أيلول 2012 – 16 فبراير/ شباط 2017)، بولاية رئاسية جديدة لمدة 4 سنوات.

ومثل انعقاد جلسة البرلمان الصومالي في مخزن بمعسكر “هالان”، اعترافًا مباشرًا من الحكومة الصومالية بالنشاط الكبير لجماعة الشباب الصومالية، وفشل الإجراءات والحملات المضادة التي اتخذتها القوات العسكرية والأمنية في احتواء تهديد الجماعة، المدرجة على قوائم الإرهاب العالمية، خاصةً وأن الاجتماع يأتي بعد أقل من شهرين على استهداف “معسكر هالان”، الملاصق لمطار مقديشو، والذي يضم بعثة القوات الأفريقية للصومال، ومقر بعثة الأمم المتحدة للمساعدة، وسفارات دول مختلفة وبعثات منظمات إغاثية دولية من قبل جماعة الشباب.

وبالتزامن مع إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية، كشفت صحيفة “نيويورك تايمز“، أن الرئيس الأمريكي “جو بايدن”، أصدر قرارًا بإعادة انتشار القوات الأمريكية في الصومال، لتقديم الدعم والمساندة للقوات الصومالية، والمساهمة في احتواء تهديد جماعة الشباب، المرتبطة بالشبكة العالمية لتنظيم القاعدة.

وكثفت جماعة الشباب، خلال الأشهر الماضية، من عملياتها الإرهابية و الدعائية، في آن واحد، مطلقةً حملة جديدة من الهجمات الانتحارية بالأحزمة والعبوات الناسفة والسيارات المفخخة، داخل العاصمة مقديشو، وفي مناطق أخرى من وسط وجنوب وشرق الصومال.

وبنفس طريقتها المعتادة، ركزت هجمات الجماعة على استهداف مسؤولي الحكومة ورؤساء الولايات خارج العاصمة، بجانب المدنيين الصوماليين الذين استهدفتهم الجماعة بسلسلة من الهجمات الإرهابية، كان من بينها استهداف مطعمًا شعبيا في مدينة بلدوين بوسط الصومال، عشية الجولة الأولى من الانتخابات النيابية، كما استهدفت عدد من المراكز والمقرات الأممية والحكومية الهامة من بينها مطار العاصمة مقديشو، وقاعدة عسكرية في بلدة “أفور” بإقليم شرق التابع لولاية بونتلاند (شرقي البلاد).

وحاولت “جماعة الشباب” الترويج إلى أن الهجوم استهدف القوات الحكومية وبعثة القوات الإفريقية لحفظ السلام “أميصيوم”، بجانب مسؤولين تنفيذيين وعسكريين وأمنيين، إلا أنها لم تتمكن من التغطية على عمليات “سفك الدماء” التي يقوم بها مقاتلوها، وأكدت بصورة ضمنية أنها تواصل العمل بنفس النهج الإرهابي ولا ترغب في التوقف عنه.

ورغم أن تلك الهجمات التي شنتها الجماعة أكدت على نهج الجماعة، التي تزيد هجماتها الإرهابية بصورة دورية بالتزامن مع أي انتخابات تشهدها الصومال، لتعطيل العملية الانتخابية ومنع الصوماليين من المشاركة بها، إلا أنها أعادت تسليط الضوء على مخاوف الجماعة من تحقيق الاستقرار في البلد الإفريقي بما يؤدي إلى خسارتها للنفوذ الذي حازته بالقوة والعنف على مدار سنوات طويلة.

الاستثمار في الفوضى

فخلال السنوات الماضية، استفادت جماعة الشباب من حالة السيولة والضعف النسبي الذي أصاب القوات الصومالية وعدد من الوكالات الأمنية الحكومية بجانب انسحاب القوات الأمريكية التي كانت تُقدم مهام الدعم اللوجيستي والعملياتي للقوات الصومالية الخاصة “دنب”، من البلاد، وهو ما مكن الجماعة من إعادة بناء شبكاتها في الصومال بعد حالة التأكل والتشظي التي أصابتها بالضعف جراء الحملة المركزة التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية خلال فترة حكم الرئيس السابق دونالد ترامب.

وتمكنت الجماعة من إعادة تجميع شتات مقاتليها وتجنيد عناصر جديدة مستغلة حالة الفوضى والفقر المنتشرة في البلاد ودول الجوار الصومالي وخصوصًا كينيا، واستغلت خلاياها في شن هجمات إرهابية داخل مقديشو، وفي دول شرق إفريقيا مع التركيز على استهداف المصالح الغربية والشركات متعددة الجنسيات.

ويقول مصدر حكومي يعمل في مكافحة التطرف العنيف لـ”أخبار الآن”، إن جماعة الشباب تهدف للإطاحة بالحكومة الفيدرالية وجعل البلاد بلا حكومة، مضيفًا أن الجماعة تُحاصر العديد من المدن بما في ذلك العاصمة مقديشو، وتقوم بتنفيذ هجمات إرهابية واغتيال أفراد، وبالتالي تقع الخسائر في صفوف القوات الحكومية والمدنيين على حد سواء.

ويردف المصدر الحكومي، الذي رفض نشر اسمه لحساسية موقعه، إن هذه الهجمات تؤدي إلى خسائر اقتصادية أيضًا،موضحًا أن الجماعة تراهن على انهيار الحكومة جراء زيادة الضغوط الاقتصادية عليها.

ويؤكد عبد الستار بوساسو، الخبير في الشأن الصومالي، أن جماعة الشباب تتركز في الأرياف والقرى في مناطق وسط وجنوب الصومال، وتسعى لاستغلال الأوضاع والاستقطاب السياسي لتعود إلى الواجهة من جديد، مضيفًا أن القوات الحكومية الصومالية أطلقت عدد من العمليات العسكرية والأمنية لتعقب ومطاردة فلول الجماعة.

إلى ذلك، استفادت “الشباب” من ضعف الضبط والسيطرة الأمنية في المناطق الريفية بجنوب ووسط الصومال، وهو ما سهل للجماعة عمليات تجنيد الأفراد وتجميع الأموال التي تمول بها الجماعة أنشطتها عن طريق فرض ضرائب وزكوات على التجار والمزارعين في تلك المناطق.

ويشير المصدر الحكومي إلى أن هجمات جماعة الشباب تتسبب في إراقة الدماء، وتدمير البنى التحتية، وأنها تريد إرسال رسائل سياسية عبر تلك الهجمات مفادها أن لا زالت قوية وقادرة على شن هجمات وإلحاق الضرر، وذلك بهدف إرهاب الحكومة والمدنيين على حد سواء.

ويبين تقرير صادر عن لجنة الجزاءات المعنية بملف تنظيمي داعش والقاعدة بمجلس الأمن الدولي أن الجماعة الصومالية تُمول أنشطتها بطريقة الابتزاز عن طريق فرض ضرائب ومكوث، تسميها “زكوات”، على الزراعة والسلع والمركبات والماشية ويتم جمع هذه الأموال عن طريق نقاط التفتيش التي يبلغ عددها نحو 100 نقطة تفتيش موزعة على مناطق جنوب ووسط البلاد، أبرزها نقطة تفتيش مدينة كيسمايو الساحلية (ثالث أكبر مدن الصومال)، والتي يمر عبرها نحو 30 شاحنة يوميًا مما يتيح للجماعة جني عائد يومي يترواح ما بين 15: 30 ألف دولار.

وتتيح تلك الأنشطة غير المشروعة للجماعة جمع إيرادات مالية تبلغ نحو 15 مليون دولار شهريًا، حسبما يذكر تقرير سابق لمعهد هيرال للشؤون الأمنية الذي يتخذ من العاصمة الصومالية مقرًا له، وتستغل الجماعة الثغرات في النظام المصرفي المحلي لإدخال تلك الأموال إلى النظام المالي الرسمي للحفاظ عليها واستثمارها.

ويُلمح تقرير آخر صدر حديثًا عن معهد هيرال إلى أن إجمالي مصروفات الجماعة السنوية تبلغ نحو 100 مليون دولار، منها 24 مليون يتم إنفاقها على شراء السلاح من السوق المحلية ومن تجار السلاح الخارجين وخاصة المتواجدين في اليمن، مؤكدًا أن تلك الأموال تُجمع عن طريق شبكات الابتزاز التابعة للشباب الصومالية. 

وبدوره يذكر نعمان حسن، الباحث الصومالي في الشؤون الإفريقية، أن جماعة الشباب تخوض حربًا في الداخل ضد الشعب الصومالي وذلك لتعظيم مواردها الذاتية عن طريق فرض ضرائب وزكوات على التجار والموظفين والرعاة، مضيفًا أن الخوف من الاستهداف والقتل يدفع المواطنين والتجار لدفع الأموال للجماعة.

وعلى صعيد متصل، نجحت الجماعة في توسيع رقعة العمليات الإرهابية نتيجة عدة من العوامل منها الخبرة التي اكتسبها جهازها الاستخباري المعروف باسم “أمنيات” في تجنيد العديد من المقاتلين وتوظيفهم في شن هجمات انتحارية منسقة يسبقها تخطيط ورصد محدد، بجانب نجاح بعض قادة الجماعة في توظيف مقاتلين أجانب (غير صوماليين) وإقناعهم بشن هجمات إرهابية في دولهم كما حصل في هجمات عديدة نفذتها الجماعة في دولة كينيا المجاورة للصومال.

ومع أن تلك الهجمات استهدفت المصالح الغربية، وهو ما صورته منصات الدعايا التابعة لتنظيم القاعدة، بأنه تحقيق لاستراتيجية التنظيم باستهداف “العدو البعيد” (الولايات المتحدة والغرب)، إلا أن الجماعة الصومالية أكدت، بصورة غير مباشرة، في أكثر من مناسبة، أن تلك الهجمات أتت تحقيق مصالحها الذاتية وليست لتحقيق مصالح القاعدة.

فرع القاعدة المناقض للتنظيم المركزي 

ويكشف مراجعة الرسائل المتبادلة بين قيادة تنظيم القاعدة المركزي ونظيرتها في جماعة الشباب الصومالية، والتي نشرتها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ضمن مراسلات آبوت آباد، وجود اختلاف وتباين في وجهات النظر بين الطرفين، رغم وجود اهتمام كبير لدى قيادة التنظيم بتأسيس فرع له في الصومال منذ تسيعينات القرن الماضي، كما يقول “إبراهيم القوصي السوداني”، مساعد أمير تنظيم القاعدة باليمن، وطباخ أسامة بن لادن الذي رافقه خلال وجوده في السودان وأفغانستان سابقًا، في كتابه “شذرات من تاريخ القاعدة”.

فبعد فترة قصيرة من تأسيس الجماعة الصومالية، عام 2004، سعى أميرها مختار أبو الزبير “أحمد عبدي او محمود غودني”، للارتباط بتنظيم القاعدة الذي قاد الجماعة الجهادية المعولمة، وذلك لكسب الزخم والحصول على صك مشروعية يساعد في تدعيم موقعه في إمارة الجماعة على حساب منافسه “مختار روبو” المكنى بأبي منصور، والذي انشق عن الجماعة بعد خلاف داخلي في عام 2013.

ومن الواضح أن قيادة القاعدة كانت تخشى إعلان ارتباط جماعة الشباب الصومالية بها، لعدد من الأسباب منها عدم وجود صلات قوية بين الطرفين، وتخوف قيادة التنظيم من أن تؤدي ممارسات الجماعة وعنفها الموجه ضد المدنيين إلى تشويه “صورة القاعدة الذهنية” المتضررة، بالإضافة إلى عدم ثقة التنظيم، خلال حقبة زعيمه المؤسس أسامة بن لادن، في قدرات جماعة الشباب الصومالية، وفقًا لوثائق آبوت آباد.

جماعة الشباب الصومالية.. لغز زيادة العمليات الإرهابية والابتعاد عن القاعدة

أسامة بن لادن يطلب من مسؤولي العمليات الخارجية بالقاعدة عدم الإعلان عن ارتباط حركة الشباب بالقاعدة – المصدر وثائق آبوت آباد

وفي هذا الإطار، حاولت قيادة تنظيم القاعدة تحت إمرة “بن لادن” توجيه بوصلة “الشباب” نحو استهداف الولايات المتحدة والدول الغربية والابتعاد عن الانخراط في معارك ضد السكان المحليين، بيد أن الجماعة الصومالية بقيت مركزة على تحقيق أهدافها الخاصة وتطبيق إستراتيجيتها الذاتية التي تناقضت مع “إستراتيجية القاعدة”.

وساهمت تلك الخلافات، بجانب عوامل أخرى منها التدخل الأمريكي لمكافحة الإرهاب في الصومال، في عدم إعلان التنظيم قبوله بيعة الجماعة، حتى بعد نشرها مقاطع مرئية تُبايع فيها أسامة بن لادن، عام 2009.

ووسط حالة الضعف التي أصابت تنظيم القاعدة، بعد مقتل زعيمه المؤسس أسامة بن لادن في عام 2011، أعلن أيمن الظواهري، أمير التنظيم حاليًا، قبول بيعة “مختار أبو الزبير”، وإقراره أميرًا للجماعة مرجحًا موقفه على منافسه “مختار روبو” الذي انشق عن “الشباب “، بعد فترة وجيزة من “إعلان الظواهري”، وهو ما يُوحي بأن الارتباط بتنظيم القاعدة تسبب في مفاقمة الخلافات الداخلية بالجماعة الصومالي، لا سيما وأنه حفز الولايات المتحدة للتدخل عسكريا بشكل أكبر ضد الجماعة وهو ما أدى إلى تقويض قدرات الجماعة ومقتل المئات من أعضائها وقياداتها.

جماعة الشباب الصومالية.. لغز زيادة العمليات الإرهابية والابتعاد عن القاعدة

أسامة بن لادن يحث مختار أبو الزبير الصومالي على عدم إعلان الارتباط بالقاعدة نظرا لتأثيره السلبي على الحركة

ولاحقًا، تجلت الاختلافات بين تنظيم القاعدة وجماعة الشباب، بشكل أكبر، فبقيت الجماعة مركزة على الداخل الصومالي فقط ولم تنجر لخدمة مصالح القاعدة أو تدعيمها بأي صورة، حتى في ظل المحاولات والمغازلات المستمرة لتنظيم القاعدة وأميره أيمن الظواهري، لتصوير الجماعة في الإصدرات الدعائية بأنها تُنفذ تعليمات القاعدة وتُطبق إستراتيجية قتال العدو البعيد، على حد قوله في كلمته المرئية المعنونة بـ “القدس لن تُهود“، والتي بثتها مؤسسة السحاب، الذراع الدعائي للقاعدة، في عام 2021، وتضمنت إشادة من أمير القاعدة بهجوم شنته الجماعة على قاعدة عسكرية أمريكية-كينية في لامو بجنوب شرق كينيا بالقرب من الحدود مع الصومال.

كما بقيت جماعة الشباب وعبر ذراعها الدعائي “وكالة شهادة” تُروج سرديتها الخاصة التي تتناقض ضمنيًا مع الرواية التي يروجها تنظيم القاعدة، مع التركيز على إبراز النزعة الإفريقية المحلية للجماعة الصومالية دون التركيز على الجماعة الجهادية المعولمة التي يُمثل القاعدة وأميره “أيمن الظواهري”، أحد قطبيها.

ويذكر المصدر الحكومي الصومالي العامل في مكافحة التطرف العنيف، أن إستراتيجية جماعة الشباب تختلف عن إستراتيجية تنظيم القاعدة، لأن الأولى تسيطر على مناطق في جنوب الصومال سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وأنشأت نظامًا قضائيًا في مناطق سيطرتها وكذلك أسست شبكة لجمع الأموال وتحصيل الضرائب من الشركات ورجال الأعمال، كما تسعى لاستمالة الفقراء بتقديم مساعدات ومنح مالية لهم، وهو ما تعجز عنه الحكومة في كثير من الأحيان.

جماعة الشباب الصومالية.. لغز زيادة العمليات الإرهابية والابتعاد عن القاعدة

أسامة بن لادن يعترض على تكتيك حركة الشباب القتالي – المصدر وثائق آبوت آباد

ويؤكد نعمان حسن، الباحث الصومالي في الشؤون الإفريقية، أن إستراتيجية جماعة الشباب الصومالية تتناقض مع إستراتيجية تنظيم القاعدة، مضيفًا أن الجماعة في بدايتها المبكرة ركزت على إستراتيجية قتال الأعداء الخارجيين الذين تدخلوا في الصومال كالولايات المتحدة الأمريكية ثم إثيوبيا التي أسقطت حكم “اتحاد المحاكم الإسلامية “، عام 2006، قبل أن تنقلب على الشعب الصومالي وتقاتله للحصول على الأموال أو ما يُعرف بـ”الزكاة” والضرائب.

ويشير عبد الستار بوساسو، الخبير في الشأن الصومالي، إلى أن هناك سبب رئيسي لاختلاف إستراتيجية جماعة الشباب عن إستراتيجية القاعدة وهو حالة الضعف الذي تعيشه الجماعة الصومالية نتيجة الضربات التي تلقتها من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وبعثة القوات الأفريقية بالصومال “أميصوم” والقوات الصومالية الحكومية، موضحًا أن هذا الضعف أدى إلى تزايد حالات الانشقاق في صفوف الجماعة ومن ثم دفعها إلى التركيز على إستراتيجيتها الخاصة وعدم الاكتراث بإستراتيجية القاعدة.

نزعة صومالية محلية

وفي سياق متصل، برهنت قيادة جماعة الشباب الصومالية على نهجها الجهادي المحلي المناقض للجهادية العالمية في أكثر من مناسبة، تُركز الجماعة على قيادتها الإفريقية بشكل واضح متجاهلة قيادة القاعدة المركزية وأميرها أيمن الظواهري، وكذلك المقاتلين الأجانب المنضمين لها.

 واتبعت”الشباب” أسلوبًا أمنيًا بحتًا في التعامل مع العناصر الأجنبية التي انضمت للجماعة، ولم تسمح للجهاديين الأجانب المحسوبين على القاعدة بممارسة أي دور قيادي حقيقي داخلها، كما تعاملت بشراسة مع محاولات انشقاق القيادات الأجنبية عنها واعتقلت وقتلت غالبية العناصر التي حاولت الانشقاق.

وأقدمت الجماعة الصومالية على تصفية أبو منصور الأمريكي، الذي كان قياديًا بارزًا في صفوفها ومحسوبًا على تيار الجهاد المعولم (القاعدة)، ومطلوبًا لمكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي “FBI”، ومجموعة من المقاتلين الأجانب الموالين له بسبب انتقاده لقيادة الجماعة واتهامها بالانحراف عن المبادئ الجهادية لتنظيم القاعدة والتفرقة بين المقاتلين الصوماليين ونظرائهم الأجانب.

كما قتلت الجماعة الصومالية الجهادي السوداني محمد مكاوي إبراهيم، أحد المدانين في قضية مقتل الدبلوماسي الأميركي بالسودان جون غرانفيل عام 2008، بسبب انشقاقه عنها وانضمامه إلى فرع تنظيم داعش في الصومال، وذلك حسب ما ذكرته أسبوعية النبأ الداعشية (عدد 33).

وأتت عمليات تنحية واغتيال العناصر الأجنبية المرتبطة بتنظيم القاعدة أو الاتجاه الجهادي المعلوم، مقاربة قيادة الجماعة للحفاظ على تماسكها الداخلي والتي تعتمد على القفز للأمام عن طريق الاستمرار في تنفيذ الهجمات الإرهابية، بجانب التخلص من مصادر التهديد المحتملة والقيادات التي لا تكون متفقة بشكل كامل.

علامة جهادية مشوهة

غير أن تركيز جماعة الشباب على الجهادية المحلية وابتعادها عن نهج القاعدة، لم يسهم في تعزيز مكانتها داخل المجتمعات الصومالية المحلية، إذ لا تزال تواجه مشكلات مع القبائل الصومالية التي يُقاتل العديد منها إلى جانب القوات الإفريقية “أميصوم“، والقوات الحكومية الصومالية، علاوة على أن نهجها المتشدد في استهداف المدنيين أدى إلى خلق حالة من السخط تجاهها.

وفي هذا الإطار، يعتبر الباحث الصومالي في الشؤون الإفريقية نعمان حسن أن الهجمات الإرهابية التي تشنها الجماعة لا تؤدي إلى تحقيق أي أهداف حقيقية على أرض الواقع، واصفًا إياها بأنها “مجرد عمليات إراقة دماء”.

ويلفت “حسن” إلى أن الجماعة تلقت ضربات قوية على أيدي القوات الحكومية وحلفائها، خلال الفترة الماضية، وهذه الضربات أثرت عليها بقوة رغم أنها تحاول الصمود والبقاء وإظهار أنها لم تتأثر.

جماعة الشباب الصومالية.. لغز زيادة العمليات الإرهابية والابتعاد عن القاعدة

ويردف الخبير في الشأن الصومالي عبد الستار بوساسو أن زيادة هجمات جماعة الشباب، مؤخرًا، ليس إلا سعيًا منها لإثبات وجودها على الساحة الصومالية، وإراقة المزيد من الدماء والحفاظ على ما تبقى من أعضائها بجانب إثارة القلاقل الأمنية ومحاولة تعطيل عملية الانتخابات البرلمانية والرئاسية، موضحًا أن الجماعة تم دحرها في مناطق عدة واختارت الانزواء في مناطق الرخاوة الأمنية داخل الريف والقرى الصومالية نتيجة الضربات المكثفة التي تلقتها طوال الفترة الماضية.

ووفقًا لإحصاءات العمليات العسكرية التي أذاعتها إذاعة “صوت الجيش” الرسمية في الصومال فإن القوات الحكومية نفذت خلال العام الماضي (2021) 154 عملية عسكرية ضد الجماعة، أسفرت عن مقتل 1360 مقاتلًا وقياديًا بالحرك، وإصابة 268 آخرين، والقبض على 77 قياديًا بارزًا، وتحرير 33 بلدة من سيطرتها وتدمير إذاعة تستخدمها الجماعة لبث دعايتها.

ولعبت تلك العمليات، بجانب عوامل تنظيمية وسياسية أخرى، في زيادة وتيرة الانشقاق عن الجماعة الصومالية، لا سيما في ظل استمرار “قيادة الشباب” في اتباع الأسلوب الأمني للتعامل مع المخالفين والمنشقين عنها، في الوقت الذي تواصل فيه الحكومة الصومالية تحريض وحث مقاتلي الجماعة على الهرب منها أو الاستسلام للقوات الحكومية.

ويتوقع الخبير في الشأن الصومالي عبد الستار بوساسو أن تشهد جماعة الشباب مزيد من الانشقاقات في المدى المنظور، معللًا ذلك بأن الجماعة تعيش واحدة من أضعف حالاتها وتستمر في تجنب المواجهات المباشرة وتكتفي بالاعتماد على الهجمات الأقل تكلفة كعمليات تفجير العبوات الناسفة والسيارات المفخخة.

جماعة الشباب الصومالية.. لغز زيادة العمليات الإرهابية والابتعاد عن القاعدة

وعلى الجهة الأخرى، يرى الباحث الصومالي في الشؤون الإفريقية نعمان حسن، أن الجماعة تعيش حالة ضعف ونزيف قيادي متواصل لكنها أثبتت سابقًا قدرتها على التكيف مع المتغيرات وتعويض خسائرها وتجنيد أفراد جدد، قائلًا إن احتمالية حدوث انشقاقات هيكلية مؤثرة على الجماعة تبقى ضعيفة في الوقت الحالي.

ويتفق المصدر الحكومي العامل في مكافحة التطرف العنيف، مع الباحث “نعمان حسن”، موضحًا أن انشقاقات جماعة الشباب تبقى ضعيفة وغير مؤثرة كما أن الجماعة لا يمكن هزيمتها باتباع الوسائل العسكرية البحتة بل باتباع إستراتيجية أوسع، تشمل استقطاب الزعماء والقادة الدينيين وتوظيفهم في رفع التوعية العامة بخطر الإرهاب والتطرف لتقويض سيطرة الجماعة على المراكز والمدارس الدينية في شرق إفريقيا والتي تستخدمها لاجتذاب الرجال والنساء وتجنيدهم، وذلك بدلا من التركيز على هزيمة الجماعة بالقوة المسلحة وحدها.

وبالرغم من أن الجماعة نجحت في التعايش والبقاء، خلال السنوات الماضية، إلا أن إستراتيجية “الإرهاب الدامي” التي تنتهجها أثبتت فشلها في تحقيق هدفها النهائي– رغم تمكنها من حيازة انتصارات مرحلية عديدة- وزادت من عزلة الجماعة التي تكافح حاليًا في ظل تشوه صورتها محليًا وعالميًا، تمامًا كما يفعل تنظيم القاعدة الذي لا زال على صلة اسمية فقط بـ”الشباب الصومالية”.