كثيراتٌ من النساء، لا بل الجميع من دون إستثناء، يتغاوين بشعرهن، فهو يزيد السيّدة جمالاً، يوماً تهدّله على كتفيها، يوماً آخر إلى الخلف وأحياناً ترفعه، يعني أشكالٌ متعددة، تفعلُ به ما تشاء وكما يحلو لها… حتى أنّها إذا قصّته سألها حبيبُها أو زوجُها أو خطيبها: لماذا قصصتي شعرك؟ لكن ثمّة مَنْ لا يملك حقَ التصرف بشعره حتّى، الإيغورات لا يتساقط شعرهن، بل تحلق رؤوسُهن.

الذهب الأسود… هكذا تُعرفُ سلعةُ شعرِ النساء في الصين، نظراً لارتفاعِ سعرِهِ المستمر هناك. فتجارةُ الشعرِ مزدهرة، وعلى الصعيد العالمي أيضاً، وغالبيةُ منتجاتِ الشعر تأتي من آسيا، ومعظمُها من الصين، التي تحتجز ما يصل إلى مليوني أويغوري ومن أقليات عرقية أخرى، في معسكرات الإعتقال منذ العام ألفين وستةَ عشر، وفق منظمات حقوق الإنسان.

وقد تحدّث تحقيق كانت أجرته شبكة سي أن أن سابقاً، أنّ غالبيةَ شعرِ النساء المستعار الذي يباعُ في الأسواقِ العالمية، يتمّ تصنيعُه في الصين، وأنّ الإيغوريات على صلةٍ قسرية بالقصة. وتعدّ الصين أكبرَ مصنعٍ للشعرِ المستعار، وامتدادات الشعرِ البشري في العالم، ومن ابرز الموردين لمنتجات الشعر للولايات المتحدة. وذكرت وسائل إعلامية أنّ هناك أكثر من ثلاثين شركة لمنتج شعر النساء في مقاطعة لوب الصناعية.

مراسلة “أخبار الآن” بيسان زرزر، أجرت تحقيقاً تضمن مقابلة مع سيّدة كانت تعمل كمعلمة في مخيمات افيغور في شينجيانغ، وقد روّت لنا تفاصيل حلق رؤوس الإيغوريات بالقوة أثناء الإعتقال، من دون أن يعرفن مصير شعرِهن.
المعلومات تفيد بأنّ الحزب الشيوعي الصيني يفرض العمل الإجباري على النساء الإيغوريات في معامل الشعر في الصين، وذلك السلوك اللاإنساني المتمثل بقص الشعر، دفع السلطات في واشنطن للتحقق من المنتجات الواردة من الصين إلى أسواق الولايات المتحدة. وقد سبق أنّ صادرت السلطات شحنات من هذا الشعر، تزن أطناناً، وتقدّر قيمتُها بثماني مئة ألف دولار.

 

إيثن غوتمان تحدّثت عن هذا الأمر لـ”أخبار الآن“، وشرح كيف يمكن معرفة أنّ هذا الشعر مأخوذ من النساء الإيغوريات في الصين. فقال إنّ “الشعر المستعار، وكما تعلمون، أنّ وحدة الجمارك في الولايات المتحدة الأمريكية دهمت في الأشهر الـ 6 الماضية، مخبأ ضخماً يحتوي على كميات كبيرة من الشعر المستعار، كانت وصلت على متن قارب، وكان من الواضح جدّاً أنّ الشعر يعود للأويغور… كان لونه كستنائي، اللون الذي يبرز الأحمر فيه من حين لآخر”. وأضاف: “أعني، هذا ليس هذا ليس الشعر الصيني للهان، شعر الهان أسود، إنّها رقيقة إلى حدّ ما، لقد زعموا أنّ الشعر كان منغولياً، لكن ذلك ليس صحيحاً”.

 

أيوب: الحكومة الصينية تستهدف كرامة النساء بحلق شعرهن

الأكاديمي المتخصص بملف وشؤون الإيغور، عبد الوالي أيوب، زوّد “أخبار الآن” بفيديو من أحد مصانع الشعر في الصين، هذا الفيديو تم تصويره في منطقة خوتان، وفق أيوب، الذي تحدّث عن أهمية الشعر بالنسبة للنساء الإيغوريات، فماذا يعني ذلك؟

ويقول أيوب: “هذا الفيديو هو من مصنع في خوتان كوماكانتي، وهي منطقة في الجزء الجنوبي من بلدنا الأم، وهؤلاء السيدات الإيغوريات يعملن على الشعر ليتم تصديره إلى دول عديدة. إنّ هذا الشعر يعود لنساء إيغوريات موجودات في معسكرات الإعتقال في الصين”.

وأشار إلى أنّ “أول ما تقوم به الحكومة الصينية بعد اعتقال نساء الإيغور، هو حلاقة شعرهن، فذلك أول عقاب تخضع له هؤلاء النساء لأنّه وفق الثقافة الإيغورية، فالسيدات يغطين شعورهن ولا يحلقن شعورهن بتاتاً، إنّه تقليد إيغوري.. فالرجال يحلقون شعرهم في أوقات كثيرة، لكن النساء لا تحلقن شعرهن أبداً. إنّ حلق الشعر يعني بالنسبة للإيغور أنّ الشخص ليس محترماً ولا شرف له ولا كرامة، والحكومة الصينية في بادئ الأمر اعتقلت النساء الإيغوريات وحلقت شعرهن ما يعني تدمير كرامتهن وشرفهن”.

وتابع أيوب لـ”أخبار الآن“: “هذا الفيديو صوره شخص في تلك المدينة لأنّ الحكومة الصينية كانت تريد إجراء دعاية، هم يريدون بيع هذه المنتجات لمصانع وشركات عدة في الصين، لذلك يريدون الترويج له، وبالتالي انتهز شخص هذه العملية وصور هذا الفيديو وأرسله للخارج. وقد نشر في مارس وهو قصير جداً وليس بجودة عالية لأنّ الناس قلقين بشأن إرسال هكذا فيديو للعلن”.

الأكاديمي الإيغوري أضاف في حديثه لـ”أخبار الآن“: “تمّ الإبلاغ عن الأمر في وقت سابق، مثلاً السي أن أن تناولت موضوع تجارة الشعر الذي ازداد في الصين تحديداً بعد العام 2017، لأنّه كما نعلم بعد العام 2017 الحكومة الصينية احتجزت أكثر من مليون إيغوري ومسلمين أتراك آخرين، وبعد ذلك بدأت شركة صينية ببيع منتجات الشعر لدول مختلفة خصوصاً الولايات المتحدة. وفي السنة الماضية، الولايات المتحدة صادرت بالفعل أطناناً من الشعر الذي جمع من الإيغوريين. إذاً الأمر يعدّ تجارة مزدهرة في الصين وهناك دعاية واضحة ويمكنك أن تجد هذا الفيديو لدى شركة مختصه بالشعر في الصين”.

منظمة العفو الدولية: على المستهلكين أن يكونوا على بيّنة من مصدر المنتوجات

المنتجات التي نستهلكها، ربّما في غالب الأحيان، نجهل مصدرَها، أو من أين يتمّ استخراجها وكيف… قد تكون هناك فئة تراقب تفاصيل المنتوجات لكنهّا لا تهتم كثيراً لها، المهم بالنسبة لها الحصول على المنتج واستهلاكه فقط. لكن الأمر يختلف تماماً عندما تكون تلك المنتوجات مستخرجة عن طريق الإضطهاد.

أخبار الآن” التقت ستيجن ديكلرك، المسؤول في منظمة العفول الدولية الذي دعا المستهلكين إلى وجوب أن يكونوا على بيّنة من مصدر المنتوجات التي يشترونها. وقال: “هل نحن على بيّنة من المنتجات التي نستخدمها ونحن نعير الإهتمام لمسألة من أين تأتي هذه المنتجات؟ في منظمة العفو الدولية، بذلنا الكثير من الجهد من أجل حثّ الشركات على بذل المزيد من العناية الواجبة في مجال حقوق الإنسان، ما يعني أنّه يتعين عليهم إجراء أبحاثهم الخاصة مثلاً على كلّ السلسلة الكاملة لما يقومون به، المكان الذي تأتي منه المنتجات، من المصانع التي يتعاقدون معها، هل يحترمون حقوق الإنسان.
وحتى الآن، هناك مبادئ دولية لذلك، مثلاً مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، ولكن في الكثير من البلدان، لا يزال الأمر غير إلزامي للشركات للقيام بهذا النوع من البحوث. ففي هولندا، ولكن أيضاً في الإتحاد الأوروبي، كما كنّا نضغط حقاً لإقرار هذا التشريع الإلزامي من أجل العناية الواجبة لإلزام الشركات، كلّ أنواع الشركات هي في الأساس ملزمة للقيام بهذا النوع من البحوث، وأيضاً وعرضها بشفافية هناك أمام الجمهور كي يرى”.

وتابع: “أعتقد أنّ ذلك يمكن أن يكون وسيلة جيدة حقاً لإعلام المستهلكين أكثر. أعني، في نفس الوقت، بالطبع، المستهلكون لديهم مثلاً قوة كبيرة بأنفسهم، فيمكنهم مثلاً الإستعانة بالفعل بشبكة الإنترنت والبحث عن تلك المنتجات، منتجات الشعر أو غيرها من المنتجات التي يريدون شراءها، أو حتى الكتابة إلى المنتجين أنفسهم، مثل كيف يمكنني التأكّد من أنّ هذه المنتجات على ما يرام؟ لذلك أعتقد أنّ هذه قوة لدينا جميعاً وأحياناً لا نستخدمها بما فيه الكفاية، لذلك أعتقد أن هذه طريقة جيدة جدا للبدء”.

وأضاف ديكلرك لـ”أخبار الآن“: “من الصعب حقاً القيام بأيّ نوع من التحقيق المستقل هناك مثلاً للصحافيين من أجل الحصول على المعلومات. إنّها صعبة حقاً، لذلك من المهم حقاً أنّ مثل هذه التقارير الأخرى تستمر في الإستمرار في الخروج. إنّها تعتمد على صور الأقمار الصناعية، وأكثر وأكثر أيضاً على الناس الذين يتحدثون في الخارج، الناس الذين كانوا داخل المخيمات والذين نجوا من هذه المخيمات ويروون قصصهم. في كثير من الأحيان يكون من الصعب عليهم القيام بذلك لأنّ الكثير منهم لا يزال لديهم أفراد أسرهم كما هو الحال في المنطقة، وهناك خطر حقيقي بأنّ هؤلاء الناس سوف يعاقبون بسبب التحدّث بهذه التفاصيل، لكنّنا نرى المزيد والمزيد من الناس الشجعان يظهرون ويقومون أساساً بسرد قصصهم، ويعطون دليلاً أكبر على أزمة حقوق الإنسان الهائلة، وما يحدث هناك. وأعتقد أنّ ذلك مهمّ حقاً”.
وأردف قائلاً: “كمنظمة عفو لقد قمنا ببعض التقارير عن المنطقة، كان أوّلها في العام 2018، يستند حقاً على روايات مخيمات الإيغور وغيرهم من الأقليات العرقية التي كانت خارج الصين، والتي كانت تقول ما سمعته من أفراد أسرهم، كما بعضهم هرب من بعض المخيمات حتى يتمكنوا من الإدلاء بشهاداتهم. ثمّ أعددنا أيضاً تقريراً كبيراً عن التخويف والترهيب والمضايقة للجماعات خارج الصين. فالناس الذين كانوا يتكلمون، فجأة تأتيهم مكالمات هاتفية غريبة حقاً، ومثلاً في الأساس كانت هناك مضايقات من السلطات الصينية.

ومؤخراً، قمنا بإعداد تقرير عن الآباء الإيغور المنفصلين عن أطفالهم. هذه أيضاً قضية يعاني منها الإيغور خارج الصين، لسبب ما، كان عليهم ترك أطفالهم خلفهم لما وظنّوا أنّه لوقت قصير، ثمّ فجأة، وكما سمعوا من الناس، أنّهم لن يعودوا، سوف تختفي في المخيم، وتمّ عزلهم عن أبنائهم الذين لم يتمكنوا أيضاً من الخروج من الصين.

فهذا هو آخر تقرير قمنا به هناك. لقد كنا دائماً نركز خصوصاً على الشهادات حتّى نتمكن من جمع الأدلّة. لقد كان الأمر صعباً جداً بالنسبة لنا، لكننا نجحنا في الحصول على مجموعة من الأدلّة هناك، واستخدام ذلك في الإعلام أمام الجمهور للضغط على السلطات الصينية، والاستمرار في توجيه الإصبع إلى أزمة حقوق الإنسان الهائلة التي لا تزال تحدث اليوم

وختم حديثه بالقول لـأخبار الآن” إنّ “ذلك فظيع وهو شيء يمسني، وأعتقد كذلك الأمر بالنسبة للكثيرين على المستوى الشخصي جدّاً، فمن الصعب حقاً أن نتصوّر ما يجري هناك. أعني كما قلت، المنطقة مغلقة حقاً، وعندما تسمع بهذه الأرقام مثلاً مليون شخص وربّما أكثر، تسمع هذه الشهادات عن أفظع الجرائم بحق الإيغور، وأحياناً تصبح الأمور مجردة بعض الشيء. ترى أنّ اليوم أيضاً، الصين تود أن تحول هذا الأمر إلى قضية سياسية. إنّهم يريدون أن يقولوا مثلاً: حسناً، إنّها مجرد دول تحاول أن تمارس البلطجة علينا، وإنّ كلّ ذلك أخبار وهمية ها وهذا النوع من الكلام. أعني، غالباً ما يفوتك حقاً نوعاً ما من هذا الجانب الشخصي للغاية، مثل الأعمال الدرامية والصدمات التي يمرّ بها الناس هناك. وأعتقد أنه من المهم جدّاً، بالنسبة لي، وأيضاً بالنسبة للآخرين، أن يستمروا في امتلاك هذا النوع من التعاطف وتخيل ما هو عليه، والوقوف ليس فقط بسبب مثلاً السياسة، ولكن حقاً بسبب الكم الكبير من الصدمات البشرية والدراما التي تحدث هناك”.

مراسلة “أخبار الآن” بيسان زرزر تحدثت في “ستديو الآن” عبر تطبيق “زووم”، عن الوضع النفسي للسيدة الايغورية قلنبور صديق التي التقتها في هولندا حيث طلبت اللجوء.

شاهدا أيضاً: هيومن رايتس ووتش: نسعى لفتح تحقيق دولي في انتهاكات الصين بحق الإيغور