إيران تسعى للحفاظ على الإيقاع السياسي في العراق

تنظر إيران للإنتخابات المبكرة في العراق بحساسية كبيرة، وذلك في ضوء التزاحم الكبير الذي تشهده البيئة الإنتخابية الحالية، على مستوى تنافس الكتل السياسية بصورة عامة أو التنافس الإنتخابي بين الفصائل المسلحة الموالية لها، وتحديداً ذات الأجنحة السياسية المشتركة بهذه الإنتخابات، ومن ثم فإن هذا يؤشر إلى مدى التوجس الإيراني من أن تأتي هذه الإنتخابات بجديد مؤثر على النفوذ أو الدور الإيراني في العراق.

تدرك إيران أهمية الحفاظ على الإيقاع السياسي الحالي في العراق، وتحديداً عندما يتعلق الأمر بمدى تأثير حلفائها في مسارات العملية السياسية، وإمتصاص الحالة الشعبية الرافضة للدور الإيراني، وعلى هذا الأساس فإن مجيء مجلس نواب جديد لا يخضع للتأثير الإيراني، أو على الأقل غير منساق مع السياسات الإيرانية في العراق، قد يجعل إيران وحلفائها أمام حرج كبير، سواءً تعلق الأمر بالوجود الأميركي في العراق، أو الموقف من الإتفاقية الصينية، أو حتى بالتفاعل العراقي العربي المتصاعد في الآونة الأخيرة.

حلفاء إيران يتنافسون خارج المظلة الإيرانية

بعد إعلان المفوضية العليا المستقلة للإنتخابات عن أسماء الكتل والتحالفات الإنتخابية التي ستشارك في الإنتخابات المبكرة، برز واضحاً أن تحالف الفتح المدعوم من إيران، والذي تنضوي ضمنه أغلب الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لها، يسعى إلى الحفاظ على هيكليته السياسية التي دخل بموجبها إنتخابات عام 2018، عبر ضم الكتل السياسية التابعة للفصائل الكبيرة، وأبرزها منظمة “بدر” التي يقودها هادي العامري، وحركة “صادقون” التي يقودها عدنان موسى التابعة لـ”عصائب أهل الحق” بزعامة قيس الخزعلي، إلى جانب كتل أخرى هي حركة الجهاد والبناء ومنظمة العمل الإسلامي وتجمع السند الوطني.

في حين آثرت حركة “حقوق” التابعة لكتائب حزب الله العراقي مؤخراً الإعلان عن نفسها خارج مظلة تحالف الفتح الذي يتزعمه هادي العامري، والنزول منفردة عبر عدة دوائر إنتخابية في الإنتخابات المبكرة، إذ قدمت مرشحين في 36 دائرة إنتخابية، من أصل 71 دائرة في عموم المحافظات، حيث جاء في حوار تلفزيوني مع الأمين العام للحركة والقيادي السابق في كتائب حزب الله العراقي حسين مؤنس، أن الحركة ستشارك في الإنتخابات المبكرة نتيجة لخيبات الأمل والإحباط من الأصدقاء، وأنها ستسعى إلى ملء الفراغ السياسي الحالي عبر المزج بين العمل السياسي والعسكري، لأن أدبيات الحركة تَعتبر أن العمل المقاوماتي هو في النهاية جزءاً من العمل السياسي.

وفي هذا الإطار يمكن القول بأن صراعات القيادة بين الفصائل المسلحة الموالية لإيران من جهة، وغياب قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس من جهة أخرى، وفشل القائد الجديد لفيلق القدس إسماعيل قاآني في ضبط الحالة الفصائلية من جهة ثالثة، ساهمت في تأجيج الخلاف الإنتخابي الحالي، سيما مع تعدد الجهات الإيرانية الفاعلة في الساحة العراقية، وتحديداً وزارة الإستخبارات (إطْلاعات) والحرس الثوري، عقد الأمال الإيرانية قليلاً، كما إن نجاح كتائب حزب الله العراقي في نسج العديد من التحالفات الإنتخابية خارج مظلة تحالف الفتح، وبالشكل الذي يعطي دفعة قوية لحركة حقوق في المرحلة المقبلة، وتحديداً على مستوى العلاقة مع الكتل السنية، وأبرزها تحالف “عزم العراق” بزعامة خميس الخنجر، وهو ما برز واضحاً في تعيين نجل وزير الدفاع العراقي جمعة عناد، وهو ما اعتبرته عصائب أهل الحق خروجاً عن النهج المبدئي لفصائل المقاومة.

وإلى جانب ما سبق، فإن تعدد مصادر القرار الإيراني في العراق، بين عدة دوائر أمنية وإستخبارية إيرانية، رغم هيمنة الحرس الثوري على القرار الإيراني في العراق، إلا أنه أنتج حالة من العجز الإيراني في ترتيب البيت السياسي المقرب منها، وتحديداً في الإنتخابات المبكرة، والتي توليها إيران أهمية كبيرة، في تسهيل تنفيذ الأجندة الجديدة لوزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان، الذي يعد الأكثر قرباً وخبرةً في الشأن العراقي، بحكم سنوات عمله الماضية في العراق، وبالتالي فإنه من شأن نتائج إنتخابية غير متوقعة أن تنعكس سلباً على مستقبل الدور الإيراني في العراق.

إذ تعول إيران كثيراً على تأثير الفصائل المسلحة الموالية لها في ترسيخ وإدامة نفوذها، وبالتالي فإن الخلافات الإنتخابية المتصاعدة بين هذه الفصائل ستنعكس بصورة مباشرة على طبيعة الدور الإيراني في العراق، وهو ما برر الزيارات المكوكية السابقة لقائد فيلق القدس إسماعيل قاآني إلى العراق، للسعي إلى وضع حد لهذه الخلافات ومعالجتها، فالقوة التراكمية التي حققتها هذه الفصائل في مرحلة ما بعد “داعش”، على مستوى التأثير السياسي والإستحواذ الإقتصادي والسطوة الأمنية، جاءت بفعل المركزية التي امتازت بها خلال الفترة الماضية، وعليه فإن التنافس الإنتخابي الحالي بعيداً عن المظلة الإيرانية سيقوض المركزية ما سيسهم في تراجع قوتها التراكمية، وتقوقع الكثير من الفصائل الصغيرة، حسب قربها وبعدها عن الفصائل الكبيرة المتنافسة.

إجمالاً أسست إيران رؤيتها من الإنتخابات المبكرة، عبر تخفيف حدة التنافسات الأخيرة، وتقديم دعم سياسي لها، من أجل أن تحقق نتائج إنتخابية جبدة تضمن لها أغلبية مريحة في مجلس النواب المقبل، وبالشكل الذي يؤسس لمفهوم “البرلمان الولائي في العراق”، لتمرير الكثير من المشروعات أو السياسات الإيرانية في العراق.

وتواجه إيران اليوم تحديات كبيرة في العراق، وتحديداً على مستوى ضبط التنافس الإنتخابي بين حلفائها، فهناك تحديات أخرى لا تقل أهمية سواءً على مستوى التهديدات الإسرائيلية بسبب البرنامج النووي الإيراني، أو على مستوى التوترات العسكرية على حدودها مع أذربيجان، وعلى هذا الأساس لا تريد إيران أن تأتي الإنتخابات المبكرة بتحدي جديد يذكر، حيث ذهبت إلى محاولة إدارة عملية نسج تحالفات إنتخابية لصالح مشروعها السياسي في العراق، سواءً بين حلفائها الشيعة، أو حتى من السنة والأكراد، ودفعهم بعيداً عن محركات التأثير الإقليمي الأخرى في العراق، والحديث هنا عن تركيا أو المملكة العربية السعودية.

 

تنويه: جميع الآراء الواردة في زاوية مقالات الرأي على موقع أخبار الآن تعبر عن رأي أصحابها ولا تعكس بالضرورة موقف موقع أخبار الآن