ترسيخ الخامنئية عبر إقصاء العائلات السياسية الكبرى في إيران

منذ صعود خامنئي لمرتبة المرشد الأعلى خلفاً للخميني، دخل في صراع مع ثلاث عائلات كبرى في إيران، هي (عائلة الخميني وعائلة رفسنجاني وعائلة لاريجاني)

image

المرشد الإيراني علي خامنئي. المصدر: غيتي

إسطنبول - 05/06/2021 . 20:41

انتخابات إيران وعقلية خامنئي

يبدو أن المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي حريص على تهيئة الأرضية المناسبة للمرحلة المقبلة، خصوصاً مع تزايد الحديث عن عدم استقرار حالته الصحية، كما تشير الكثير من الأخبار القادمة من داخل إيران، بأن الانتخابات الرئاسية المقبلة، قد تكون آخر انتخابات في عهد خامنئي، ولذلك فإن ضرورة تهيئة الأجواء للخليفة المقبل، تجعل من خامنئي يفكر جيداً بالتحديات التي قد تقف أمامه من قبل الشخصيات أو العائلات النافذة داخل النظام السياسي في إيران.

منذ صعود خامنئي لمرتبة المرشد الأعلى خلفاً للخميني، دخل في صراع مع ثلاث عائلات كبرى في إيران، هي (عائلة الخميني وعائلة رفسنجاني وعائلة لاريجاني)، هذه العوائل الثلاثة وجدت نفسها في إطار استهدافات متكررة من خامنئي، وهو ما تجسد في الحراك الجاري حول الانتخابات الرئاسية المقبلة، خصوصاً مع تزايد الأنباء عن عزم خامنئي توريث نجله مجتبى خامنئي مقاليد الخلافة، ومن ثم فإنه إذا صحت هذه الأنباء، فإنه من شأن هذه العائلات الثلاثة أن تشكل تحديا كبيراً له، فيما لو استمر تأثيرها في الحياة السياسية الإيرانية.

نظام زبائيني – عوائلي متخادم

إن النظام السياسي الإيراني منذ قيام الجمهورية قائم في طبيعته على علاقة زبائينية بين العائلات الكبرى ومؤسسات الدولة، بالشكل الذي يتيح لها ممارسة أدوار مهمة داخل هذه المؤسسات، فخلال فترة الخميني، وعلى الرغم من وجود الخميني على رأس النظام السياسي في إيران، إلا أن الشخصية النافذة داخل النظام كان ابنه أحمد الخميني، حيث كان هو الشخصية الرئيسية في عزل محمد منتظري من منصبه كبديل للخميني، كما تورط ابنه بالمجازر التي ارتكبت في الثمانينيات من القرن الماضي، عندما حكمت محكمة الثورة التي كان يرأسها آنذاك إبراهيم رئيسي المرشح الرئاسي الحالي، على مئات المعارضين بالإعدام، بسبب مواقفهم من نظام الخميني.

وفي فترة رئاسة علي أكبر هاشمي رفسنجاني؛ كان شقيقه محمد هاشمي رفسنجاني نائباً للرئيس للشؤون التنفيذية، واستطاع محمد هاشمي رفسنجاني وعبر هذا المنصب، من ترسيخ قبضة شقيقه على هيكل النظام عبر توسيع شبكة العلاقات الزبائينية التي كانت تربط النظام بالحرس الثوري والمؤسسات الاقتصادية والدينية، بالشكل الذي زاد من قوة مؤسسة الرئاسة في مقابل مؤسسة المرشد الأعلى، حتى أدى هذا الصعود الكبير لعائلة رفسنجاني، إلى دخول الرئيس والمرشد الأعلى في صدامات عديدة، وضعت بالنهاية حداً لمستقبل الرئيس علي أكبر هاشمي رفسنجاني.

وبالحديث عن عائلة لاريجاني، حظيت هذه العائلة بتأثير كبير داخل أجهزة صنع القرار في إيران، ومن أبرز الشخصيات الممثلة لهذه العائلة هي؛ صادق لاريجاني رئيس السلطة القضائية السابق، وعلي لاريجاني رئيس مجلس الشورى السابق، ومحمد جواد لاريجاني مستشار خامنئي، إلى جانب باقر لاريجاني، نائب وزير الصحة، وهو ما جعل العائلة تشكل شبكة متداخلة من العلاقات والتأثيرات داخل هيكل النظام.

واليوم تنطبق القاعدة ذاتها على مجتبى خامنئي، نجل خامنئي، حيث يتمتع مجتبى خامنئي بنفوذ كبير داخل الأجهزة الأمنية والاقتصادية في إيران، ولعب دوراً رئيسياً في احتواء الحركة الخضراء بعد الانتخابات الرئاسية لعام 2009، وهو ما أشارت إليه رسالة وجهها مهدي كروبي أحد مرشحي الرئاسة آنذاك إلى خامنئي، اشتكى فيها من دور مجتبى خامنئي في تزوير نتائج الانتخابات الرئاسية لصالح الرئيس الأسبق أحمدي نجاد.

حاول خامنئي مراراً إدارة العلاقة بين العائلات الثلاث الكبرى في إيران، على أساس استثمار نفوذها وتأثيرها في ضبط التوازن الداخلي، وتحديداً في ترسيخ سلطته وتأثيره، إذ لطالما نظر خامنئي لدور وتأثير هذه العائلات بنظرة شك وريبة، مقارنة بالدور والتأثير الذي تمتلكه عائلته، ومن ثم فإنه على الرغم من أن العلاقة التخادمية الزبائينية جزء لا يتجزأ من الثقافة السياسية الإيرانية منذ تأسيس الجمهورية، إلا أن المستجد في هذه اللحظة التاريخية، إن خامنئي ينظر باهتمام للولي الفقيه القادم، بعيداً عن تأثير ونفوذ هذه العوائل النافذة.

خامنئي وعقدة رجالات الإصلاح

جاءت عملية انسحاب حسن الخميني نجل مؤسس الجمهورية، بعد لقاء جمعه بالمرشد الأعلى في الأيام الماضية، لتؤسس لعقدة واضحة يعاني منها التيار الإصلاحي، في عدم إيجاد مرشح له في الانتخابات الرئاسية المقبلة، خصوصاً بعد أن أصبحت أنظار هذا التيار تتجه نحو الخميني كمرشح أبرز للتيار في الإنتخابات الرئاسية المقبلة، فقد صرح ياسر الخميني، شقيق حسن الخميني لموقع جماران الإيراني في يوم 14 أبريل 2021، بأن خامنئي أبلغ  الخميني أنه لا يعتبر ترشيحه “مناسباً”، مضيفاً “لا تدخل السباق الانتخابي”، وهو ما شكل خيبة كبيرة لقطاعات واسعة من أنصار هذا التيار.

وفي ذات السياق؛ أعلنت فائزة رفسنجاني ابنة الرئيس الإيراني الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني، عدم ترشحها للانتخابات الرئاسية المقبلة، معللةً السبب بأنها لن تؤدي  إلى تغيير الأوضاع، وأكدت أنها لن تشارك ولن تصوت في الانتخابات، مشيرةً إلى أن عدم التصويت يعني “عدم المشاركة في القرارات الخاطئة” للحكومة، وتابعت رفسنجاني أن غيابها عن الانتخابات “ليس بسبب عدم أهلية المرشحين من مجلس صيانة الدستور، وإنما احتجاجاً على الإصلاحيين الذين تخلوا عن سياسة الإصلاح من أجل الحفاظ على السلطة”.

وبعد صدور القائمة النهائية عن مجلس صيانة الدستور، الخاصة بالمرشحين المؤهلين لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، خلت القائمة من علي لاريجاني، أحد أبرز المرشحين، حيث علل مجلس صيانة الدستور قراره بعدم أهليته لخوض الانتخابات، لتكتمل أضلاع الإقصاء السياسي لهذه العوائل من قبل خامنئي، الذي وإن أشار في خطابه الأخير بالذكرى الـ32 لوفاة الخميني، إلى أن مجلس صيانة الدستور خلال عملية تأييد ورفض أهلية المرشحين للانتخابات، تعرض البعض للظلم، داعياً الجهات المسؤولة للتعويض عن هذا الجفاء الذي تعرضوا له، إلا أن المجلس أصدر بيانا عبر فيه عن أن خامنئي وجه كلامه للجهات الاستخبارية التي رفعت التقارير الخاصة بأهلية المرشحين، وليس إجراءات مجلس صيانة الدستور، مع تأكيده أيضاً بأنه سيعيد النظر في بعض القرارات الخاصة ببعض المرشحين المستبعدين.

وبالعودة إلى الخطابات السابقة لخامنئي، فقد أشار في أكثر من مناسبة إلى أن استمرار النظام وأيديولوجيته الثورية هي أبرز مهمة ينبغي على الرئيس المقبل القيام بها، وهو ما أكد عليه أيضاً في خطابه الأخير؛ ودعا إلى أن يكون الرئيس المقبل من “حكومة حزب الله”، شاب وثوري قادر على حل مشاكل إيران الداخلية والخارجية، مع الإشارة هنا إلى أن “صفة الشاب” غير محددة بنظر خامنئي بالعمر، وإنما بمدى قدرته وفعاليته وإخلاصه للمرشد الأعلى، ومن ثم إن هذه الرؤية الخامنئية قد تجد ضالتها بالنهاية في إبراهيم رئيسي، الذي يعدّ اليوم أكثر شخصية نافذة في إيران، وتحديداً على مستوى السياسة والإعلام والاقتصاد، والأكثر من ذلك أن الحرس الثوري بدأ يمارس سياسة الترهيب بحق الرافضين للمشاركة أو التصويت في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

وعلى الرغم من أن الرئيس الإيراني يتمتع بسلطات محدودة، إلا أنه يمكن أن يمارس دوراً مهماً في عملية اختيار المرشد القادم، عبر ضبط إيقاع العوائل السياسية الكبرى من جهة، وحفظ التوازن الداخلي من جهة أخرى، وفي حالة ما إذا كان الخليفة هو مجتبى خامنئي، أو حتى في احتمال أن يكون ترشح إبراهيم رئيسي هو مقدمة لدفعه نحو خلافة المرشد الأعلى، في تكرار لسيناريو صعود خامنئي نفسه، فإن خامنئي سيفكر برئيس قادر على احتواء أي اضطرابات داخلية قد تنشب مستقبلاً.

 

شاركنا رأيك ...

النشرة البريدية

تريد المزيد من أخبارنا وبرامجنا؟
تابع باستخدام حسابك على فيسبوك.