أخبار الآن | عمان – الأردن (الفرد عصفور)

في الأسابيع الأخيرة عمل العلماء بتسارع غير معهود للوصول إلى لقاح يقي من فيروس كورونا. وقد نجحت بعض التجارب في مرحلتيها الأولى والثانية لكن المرحلة المهمة هي الثالثة عندما تكون التجارب على البشر.

ضخت الدول الكبرى مليارات الدولارات للإنفاق على البحث العلمي للوصول إلى لقاح يحمي البشرية. ولكن اللقاح الناجع لا يزال بحاجة إلى زمن طويل لكي يتوفر بصورة تجارية. العلماء يؤكدون أن توفيرا لعلاج أو اللقاح قبل نهاية العام الحالي سيكون ضربا من المستحيل.

ففي الأحوال العادية يحتاج اللقاح إلى عشر سنوات على الأقل بينما الآن يحاول العلماء اختصار تلك المدة إلى مجرد ثمانية عشر شهرا ومن هنا اخذ التنافس شكل الصراع بين الجهات الدولية المختلفة.

جميع الجهات التي تعمل على إيجاد اللقاح قد تصل إلى مرحلة الإنتاج في وقت متقارب لكن روسيا التي لم تكن ضمن الدول الست التي تشرف على تجاربها منظمة الصحة العالمية أعلنت أنها توصلت إلى إنتاج اللقاح وهو الآن في طور التجربة على ستة وسبعن شخصا لكنه لن يكون جاهزا للاستخدام قبل بداية العام القادم 2021 وان كانت بعض الأنباء قد ذكرت أن الاستخدام سيبدأ في وقت أبكر.

عندما أعلنت روسيا عن قرب إنتاج اللقاح أثار هذا الإعلان انتباه العالم لكنه أيضا أثار غضب وشكوك أوساط غربية رأت في الإعلان استعجالا في غير محله. وكان التشكيك في فاعلية اللقاح الروسي لأنه غير مدرج على قائمة اللقاحات التي تعترف منظمة الصحة العالمية أنها وصلت المرحلة الثالثة من الاختبارات وهي المرحلة التي تقتضي إخضاع اللقاح إلى اختبارات سريرية على البشر للتأكد من فاعليته ومعرفة الآثار الجانبية له.

يرى المحتجون على اللقاح الروسي انه لا يجوز علميا أن يتم طرح أي عقار أو لقاح وتوزيعه قبل اختباره جيدا والتأكد من فاعليته ومستوى أمانه. فالاستعجال لمجرد التسابق على إنتاج اللقاح قد يضر أكثر مما ينفع وقد يكون ضرره أكثر بكثير من نفعه.

لكن التنافس في إنتاج اللقاح وبغض النظر عن أي تأثيرات جانبية تجارية أو سياسية سيكون مفيدا لأن تقليل الإصابات ومهما كانت نسبة التقليل سيؤدي في النهاية إلى وقف انتشار المرض والحد من خطورته وصولا إلى مرحلة القضاء عليه.

العديد من الدول تقوم الآن بتجارب واختبارات بعضها وصل المرحلة الثالثة التي تسمى المرحلة السريرية وهي المرحلة الحاسمة في اعتماد اللقاح لتجربته على البشر قبيل اعتماده بصورة نهائية. وهناك الآن بحسب بعض المصادر مئة وخمسة وستين محاولة تصنيع لقاح منها ست وعشرون اقتربت من التجارب على البشر من بينها سبعة علاجات في مرحلة الاختبار فالاختبارات السريرية هي العامل الحاسم في نجاح اللقاح. ومع ذلك يؤكد العلماء أن إيجاد لقاح أو علاج للكورونا قبل نهاية العام الحالي يعد أمرا مستحيلا.

في أواخر الشهر الجاري ستبدأ التجارب على البشر في بريطانيا والولايات المتحدة. وفي أميركا اللاتينية ستكون الأرجنتين والمكسيك أول دولتين تنتجان اللقاح بالتعاون مع جامعة أوكسفورد، كذلك الأمر في ألمانيا وأستراليا.

لقد وفرت الولايات المتحدة تمويلا بقيمة مليار ومئتي مليون دولار لتمويل البحوث المتعلقة باللقاح ولكن شرطها كان أن يتم تزويدها بثلاثمئة مليون جرعة قبل أن يتم التوزيع في باقي أنحاء العالم.

كما تقوم الصين عبر مؤسساتها الطبية في القطاعات الحكومية والخاصة والعسكرية والعلمية بالعمل على ستة لقاحات بإشراف الجيش الصيني وقد يبدأ قريبا إنتاج لقاح لاستخدام الجيش الصيني لاختباره قبل تعميمه. ومع وصول أعداد المصابين في العالم إلى ما يقرب من إثنين وعشرين مليون إصابة فإن التكلفة البشرية للفيروس الآن باتت كبيرة وأكثر خطرا.

الآن ثمة سباق لإيجاد علاج أو لقاح. يود الخبراء والأطباء أن يتم إيجاد وصنع لقاح يكفي لاستعمال مليارات من البشر. قد تكون الشركات الخاصة التي تقوم بمحاولات تصنيع اللقاح تسعى إلى الربح لكن الدول والحكومات تسعى لحماية شعوبها. لذلك طلبت منظمة الصحة العالمية عدم إقحام السباق العلمي لإنتاج اللقاح في التنافس التجاري أو الصراع الجيوسياسي.

لكن الهدف أنه وبنهاية عام 2021 يجب أن يتم توزيع ما لا يقل عن ملياري لقاح آمن وفعال ومضمون. ومع أن اللقاح قد لا يمنع الإصابة لكن الإصابة في هذه الحالة ستكون ضعيفة. يحتاج العالم إلى مليارات الجرعات لكي ينقذ نفسه من الجائحة مع أن تطعيم عشرين في المئة من سكان العالم قد يكون كافيا لوقف انتقال العدوى وبالتالي الحد من المرض تمهيدا للقضاء عليه.

وبرغم كل النوايا الطيبة، ما زالت منظمة الصحة العالمية تحذر من تسييس الجائحة وتسييس اللقاح. وهي تسعى لكي يكون اللقاح في حال توفره متاحا للجميع. ولا بد في هذه الحالة من توزيعه بعدالة على الدول بحسب نسبة عدد سكانها على أن تكون الأولوية للعاملين في الحقل الطبي.

عند بعض الدول قد يصبح اللقاح ضد كوفيد 19 سلعة استراتيجية يتسابق الجميع لإنتاجها أو الحصول عليها. والخوف أن يصبح سباق اللقاحات مثل سباق التسلح والصراع عليه مثل الصراع في الحرب الباردة.

لكن في النهاية ومثلما لجأت الدول الكبرى إلى الوفاق سياسيا والتعاون فضائيا سيكون هناك بالتأكيد ثمة تكامل طبي لأجل مصلحة الإنسان.

ولأنه من المفترض أن يكون اللقاح متاحا للجميع بعدالة تحاول منظمة الصحة العالمية أن تضع آلية توزيع عادلة لجميع أنحاء العالم. وهذا مطلب شعبي وإنساني لأن العدالة في توزيع اللقاح والعدالة في الوصول إليه ليست فقط مجرد تحقيق المساواة بل أيضا هي الوسيلة الأسرع للقضاء على هذه الجائحة مع أن أولويات الدول مختلفة.

ومع كل تلك الجهود تخشى الشعوب الفقيرة أن تجد نفسها في آخر السلم أو آخر القائمة وقد لا تجد اللقاح اللازم في الوقت المناسب. ربما كانت بعض الجهات تريد أن يتحول الأمر إلى ما يشبه الحرب الباردة بين الدول بخصوص إنتاج وتوزيع اللقاح، ولكن هل هذ الأمر يليق بالبشر؟

تنويه: جميع الآراء الواردة في زاوية مقالات الرأي على موقع أخبار الآن تعبر عن رأي أصحابها ولا تعكس بالضرورة موقف موقع أخبار الآن