في أواخر تشرين الثاني / نوفمبر 2013، أرسل أبو بكر البغدادي، أمير ما يسمى آنذاك بالدولة الإسلامية في العراق والشام، رسائل إلى فروع تنظيم القاعدة في مناطق العالم المختلفة تفيد بأن زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري لم يكن كفؤاً لقيادة التنظيم، وطلب منهم أن يقوموا بتحويل بيعتهم له. وحدها جماعة أنصار بيت المقدس في مصر هي التي استجابت لدعوة البغدادي، حيث أعيد تسميت الجماعة منذ ذلك الحين بتنظيم الدولة الإسلامية في سيناء. كانت هذه بداية حرب طويلة الأمد بين الجماعتين السنيتين الرئيسيتين الإرهابيتين اللتين ما زالتا تخوضان هذه الحرب ليومنا هذا.

في بدايته، كان داعش عبارة عن حركة جهادية محلية تركز على الاستيلاء على الأراضي في سوريا، وبعد النجاح الذي حققه في ساحات المعارك، تضخمت طموحاته وتغيرت أهدافه حتى امتد وصوله إلى العراق. عندما أعلن داعش في يونيو 2014 عن إنشاء خلافة جديدة في سوريا والعراق وقام بتغيير الإسم إلى “الدولة الإسلامية” في محاولة لعدم الاعتراف بأي حدود سياسية، فقد ضرب على وتر حساس للكثيرين، وكانت هذه خطوة ذكية للغاية.

من خلال تسمية التنظيم بالدولة الإسلامية دون ذكر أي بلدان، كان البغدادي يسعى إلى جلب جميع الجماعات التي تنظر إلى زعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري، وكأنه عابر سبيل. من خلال إقامة الخلافة، وهو الأمر الذي لم تقم به القاعدة قط، كانت داعش تدعو جميع المسلمين للانضمام إلى التنظيم. لقد أصبح اسم الدولة الإسلامية مثل “ماكدونالدز” للإرهاب، فهي متاحة للجميع وفي كل مكان وبكل سهولة، فكل ما عليك فعله هو تصويرمقطع فيديو مع ذكر اسم الدولة الإسلامية، هذا كل شيء، أصبحت الآن جزءاً من التنظيم.

لهذا السبب وفي عام 2014، قال أبو محمد العدناني، المتحدث بإسم داعش آنذاك: “إذا كان بإمكانك قتل أمريكي أو أوروبي كافر، خاصة إذا كان من الفرنسيين الحاقدين والقذرين، أو حتى أسترالي، أو كندي، أو أي كافر آخر من الكفار الذين يشنون الحرب، بما في ذلك مواطني الدول التي دخلت في التحالف الدولي ضد داعش، فتوكل على الله واقتله بأي طريقة كانت. لا تطلب النصيحة من أي شخص، ولا تطلب معرفة الحكم الشرعي لذلك من أي شخص. اقتلوا الكفار سواء كانوا مدنين أم عسكريين، فالحكم ذاته ينطبق على كليهما”.

على النقيض، فإن نموذج القاعدة في شن حرب إرهابية مختلف تماماً، فهو مبني على أن كل شيء يجب أن يأتي من القمة. القاعدة تريد هجمات كبيرة ومذهلة ومعقدة، وليس مجرد حوادث فردية هنا وهناك، حيث يمكن لأي شخص أن يعلن مسؤوليته عنها. ولكن لسوء الحظ بالنسبة للقاعدة، فقد كان لإستراتيجية تنظيم داعش نجاحًا باهرًا: ففي تسعة أشهر فقط، قام داعش بمحو 17 عامًا من هيمنة القاعدة في العالم الجهادي، وهو إنجاز ضخم بكل تأكيد.

في حين كانت الحرب بين المجموعتين قاسية جداً، لا سيما في سوريا والعراق، كانت هناك أمثلة على التعاون على المستوى المحلي والأدنى، فالعلاقات الشخصية لا تزال مهمة مهما حدث. على سبيل المثال، لقد قام الإخوة كواتشي بتنفيذ هجوم تشارلي إبدو في باريس في يناير 2015 بالنيابة عن القاعدة في جزيرة العرب. أما صديقهم أميدي كوليبالي، والذي كان ينسق معهم في تنفيذ هجماتهم، ارتكب بعد يومين هجوم على سوبرماركت كوشير في منطقة فينسنس في باريس، ولكن هذه المرة نيابة عن تنظيم داعش.

أما في الآونة الأخيرة، فقد شهدت غرب إفريقيا تعاونًا واقتتالاً بين التنظيمين الجهاديين المتنافسيين. في البداية، أطلق تنظيم القاعدة وتنظيم داعش في أواخر العام الماضي حملة منسقة على ما يبدو لعزل واغادوغو، عاصمة بوركينا فاسو، من خلال السيطرة بشكل دوري على الطرق السريعة في المدينة التي يبلغ عدد سكانها 2.2 مليون نسمة. في فبراير الماضي، ذكرت صحيفة واشنطن بوست رسمياً أن التنظيمين يعملان معاً للسيطرة على الأراضي على امتداد واسع من غرب أفريقيا.

منطقياً، لن تخلو هذه المهمة المشتركة بين التنظيمين الجهاديين من اشتباكات، فقد قال مسؤول استخبارات عربي إن قادة القاعدة “غاضبون” مؤخراً بعد محاولة تنظيم داعش تجنيد مقاتلين من منطقة اعتبرها تنظيم القاعدة تابعة له. منذ ذلك الحين، عاد كلا التنظيمين إلى قتال بعضهما البعض. في منتصف مارس / آذار، أسفر القتال العنيف في مالي عن مقتل موسى موموني، رئيس أركان داعش في الصحراء الكبرى، وفي أوائل أبريل / نيسان، أسفرت المعارك العنيفة بين مقاتلي التنظيمين في موبتي (مالي) عن عشرات القتلى من الجانبين. ثم في منتصف أبريل على حدود مالي وبوركينا فاسو، أدى المزيد من القتال إلى مقتل عدة أشخاص. وبعد حوالي أسبوع، في أكثر المعارك دموية حتى الآن، قتل أكثر من 60 جهادياً في بوركينا فاسو.

بالرغم من أنه لا يتم الحديث عن ذلك كثيراً، ولكن لا ينبغي تجاهل استئناف الأعمال العدائية بين تنظيم داعش وتنظيم القاعدة. على سبيل المثال، تشتد المنافسة بين التنظيمين الآن للسيطرة على منطقة الساحل في أفريقيا. يجب على قوات الأمن سواء المحلية أو الدولية أن تلعب أوراقها بشكل صحيح لإبقاء الجهاديين يقتلون بعضهم البعض، والتأكد من إبقاء المنتصر منهم بعيدًا. بالتأكيد، القول أسهل من الفعل..

(Photo by Defne Karadeniz/Getty Images)

تنويه: جميع الآراء الواردة في زاوية مقالات الرأي على موقع أخبار الآن تعبر عن رأي أصحابها ولا تعكس موقف وموقع أخبار الآن