أخبار الآن | عمان – الأردن

ربما لم يكن فايروس كورونا مفاجئا بقدر ما كان حجم انتشاره هو المفاجئ سواء في الصين أو إيطاليا أو الولايات المتحدة. عدد المصابين بالفايروس حتى هذا الأسبوع يقترب من أربعمئة ألف حالة بينما حالات الشفاء التام لم تتجاوز المئة ألف.

الإجراءات الوقائية السريعة والحاسمة والحازمة هي التي ستحمي الشعوب من ويلات هذا الفايروس الشرس. في الصين كان هناك بعض التساهل في البداية ولكن عندما انتبهت السلطات اتخذت أكثر الإجراءات حزما وهي حظر التنقل والإغلاق الكامل لمنطقة الوباء مع حلول إبداعية لتسهيل حصول الناس على حاجياتهم فاستطاعوا كبح جماح الانتشار السريع للفايروس وبدأت السيطرة عليه.

تباينت استجابة الدول تجاه الفايروس وكانت الدول الخمس بعد الصين في كثرة عدد الحالات هي إيطاليا وإسبانيا والولايات المتحدة وألمانيا وإيران الأكثر تضررا بعد الصين من حيث أعداد المصابين. ففي إيطاليا فاقت أعداد حالاتها الخمسة والستين ألفا أما أعداد الوفيات فقد فاقت أعداد الصين ووصلت إلى أكثر من سبعة آلاف. انتشار الكورونا في إيطاليا حد الانفجار له أسباب عديدة وهي تصلح لتكون درسا للدول الأخرى لكي تستبق في الإجراءات الوقائية وتحمي شعوبها من المرض.

فالأرقام الكبيرة في إيطاليا ناتجة في جزء منها عن كثرة الفحوصات التي أجريت وكشفت الفايروس بشكل مبكر، هذا أولا. أما الأسباب الأخرى فمنها التواصل الاجتماعي الذي يتميز به الإيطاليون والعائلات الكبيرة الممتدة التي يختلط فيها كثيرون من الأسرة الواحدة في بيوت كبيرة وغير ذلك من الأسباب المتعلقة بأساليب النظافة الشخصية وأنماط المعيشة.

ومع أن إيطاليا فرضت الحجر المنزلي على جميع السكان في كل أنحاء البلاد مستعينة بالجيش إلا أن الإيطاليين لم يشعروا بالجدية الكافية في البداية وهذا ما زاد في تفاقم انتشار الفايروس.

ومع أن إيطاليا كانت أول دولة أوروبية توقف الطيران مع الصين إلا أن المسافرين من هناك ظلوا يأتون إليها عبر خطوط طيران أخرى الأمر الذي جلب الفايروس وشكل صدمة مفاجئة للسلطات الصحية التي تكاد تستسلم لكثرة الحالات وكثرة الوفيات.

كانت الاستجابة الطبية الإيطالية جيدة نسبيا لكنها الآن لا يمكنها تغطية كل الحالات في كل الأوقات فالأمر بات يحتاج إلى معجزة للسيطرة عليه. ولذلك فان المساعدات التي تأتي إيطاليا الآن من الصين وروسيا قد تكون ذات فائدة قصوى في الوصول إلى نقطة السيطرة قبل التحرك نحو تخفيض الإصابات والحالات.

كابوس كورونا في إيطاليا قد يحدث في أميركا التي تجاوزت أعداد المصابين فيها خمسة وأربعين ألفا إن لم يلتزم الأميركيون بما يعرف بالتباعد الاجتماعي الذي قد تفرضه السلطات بالقوة حتى تتمكن من السيطرة في الوقت المناسب والا فإن عدد الوفيات جراء كورونا سيصل إلى المليون.

الأوضاع في البلدان العربية غير مطمئنة كثيرا. بعض الدول استبقت بإجراءات وقائية مشددة فانحسرت الأعداد في الحدود الدنيا والرقم الرسمي لا يزال بحدود ثلاثة آلاف وثلاثمئة إصابة وإذا أضفنا إليها الإصابات في فلسطين المحتلة يصبح العدد حوالي خمسة آلاف..

وبينما العالم الغربي الآن يحبس أنفاسه بانتظار أـن يتوصل العلماء إلى عقار يعالج المرض ويقضي على الفايروس فإن العالم كله يحبس أنفاسه تحسبا لما قد يحدث في أفريقيا إذا ما انتشر المرض فيها بشكل وبائي.

الحالات المؤكدة في الوقت الحاضر في أفريقيا بما فيها الدول العربية الأفريقية لم تتجاوز ألف وستمئة حالة ومعظمها وافدة من أوروبا بينما الانتشار المحلي للفايروس لا يزال محدودا.

ولكن: أحد الأسباب التي أدت إلى محدودية الانتشار في أفريقيا هو أن معظم دولها ما زالت تتمتع بشمس الصيف لكن الصيف في أفريقيا جنوب خط الاستواء سينحسر قريبا وهذا قد يؤدي إلى انتشار سريع للفايروس. وثمة أسباب أخرى أهمها أن الفايروس غير مكتشف على نطاق واسع بين حامليه لقلة الخدمات الطبية الحديثة وافتقاد معظم الدول الأفريقية للأجهزة الطبية القادرة على اكتشاف الفيروس مثلما هو الحال في أوروبا. يضاف إلى هذا أن الأنظمة الصحية في أفريقيا ضعيفة وأحيانا متهالكة. ولذلك فان الحل الوحيد بالنسبة لأفريقيا هو الوقاية واستباق الحدث من خلال الإجراءات القاسية التي يجب اتخاذها قبل فوات الأوان. وقد بدأت بعض الدول الأفريقية بالفعل اتخاذ مثل تلك الإجراءات.

لكن ما يسمى بالتباعد الاجتماعي قد يكون صعبا في أفريقيا بسبب الظروف المعيشية التي يعيشها الأفارقة ولهذا فان منظمة الصحة العالمية تخشى انهيار النظام الطبي إن لم تتم السيطرة المبكرة على انتشار الفايروس وحذر المدير العام للمنظمة بان على أفريقيا أن تستيقظ مبكرا لمواجهة الخطر القادم.

ويتساءل الذين يتابعون الوضع في أفريقيا إن كانت القارة السمراء قادرة على الصمود في ظل وجود انتشار لأمراض أخرى مثل إيبولا والكوليرا والملاريا والإيدز. وهذه الأمراض تضعف المناعة بشكل عام والذين لا يعالجون منها سيكونون عرضة لفقد حياتهم في حال إصابتهم بالكورونا.

فالدول المانحة أصلا للمساعدات إلى الدول الأفريقية لن تكون قادرة على مد يد العون مثلما كان الأمر سابقا بسبب أنها مشغولة بمعالجة مصابها ولن تكون قادرة على المساعدة إلا بعد السيطرة على المرض في أراضيها.

ما يجري في أفريقيا يجري في أميركا الجنوبية ولنفس الأسباب وبالتالي ستكون هناك نفس النتائج إلا إذا استبقت تلك الدول الانتشار الوبائي للفايروس بإجراءات وقائية حازمة وتطبيق متشدد. فالحال في أميركا الجنوبية من حيث التواصل الاجتماعي والأسر الممتدة والتقارب المعيشي بين أفراد الأسرة كل هذا سيجعل من الصعب تطبيق الإجراءات التي تحمي من المرض وعلى تلك الدول في هذه الحالة أن تستعد للأسوأ.

عدد الحالات في أميركا الجنوبية والوسطى حتى هذا الأسبوع في حدود 6-7 آلاف حالة. لكن مخاوف تبدل الطقس والتحول إلى الشتاء الذي بدأ في جنوبي الكرة الأرضية قد يجلب الأسوأ لأميركا الجنوبية.

الأمر نفسه في أستراليا بوجود أكثر من ألفين وثلاثمئة حالة مؤكدة حيث تخشى السلطات الصحية من استفحال المرض عند قدوم الشتاء ما لم يكن العالم قد توصل إلى اكتشاف العلاج المناسب.

من المفترض أن أفريقيا وأستراليا تعلمتا الدرس من الدول الأخرى. الالتزام بالحظر المنزلي هو الحل. فالدول التي تتقي مبكرا ستنجو حتى لو لم يصلها الدواء. أما الدول التي ستهمل الإجراءات الوقائية ولا تطبقها حتى لو اضطرت لاستخدام القوة في ذلك فقد يفوتها قطار النجاة ولا تجد الوقت الكافي لاستدراك الخطأ.

(الأرقام الواردة هنا كما هي صباح الثلاثاء 24/3/2020)

مقالات أخرى للكاتب:

هل يفعل كورونا في الصين وإيران ما فعله تشيرنوبل في روسيا؟