حلب، سوريا، 28 يناير، (عقيل حسين، أخبار الآن) –
يجبرك المشهد على التخلي عن الكاميرا والإنخراط مع الرجال الذين انهمكوا بالمساعدة في إسعاف الجرحى والمصابين، وانقاذ من يمكن أنقاذهم من تحت الأنقاض.
صراخ الناس من حولك وصخبهم يضيع بين أصوات الاشتباكات التي تأتي من أطراف هذا الحي العشوائي الفقير، بينما يواصل الجميع الحفر بالإيدي، بانتظار قدوم الآليات التي لا تحضر غالباً.
ليس حي المرجة هذا وحده الذي يتعرض للقصف المركّز، بل جميع أحياء حلب المحررة تشهد قصفاً متزامناً لم تشهده منذ دخول الجيش الحر إلى المدينة قبل عام ونصف، ما يجعل قدرات وامكانات فرق الدفاع المدني عاجزة عن تلبية كل النداءات.
يحل المساء ولما تنته بعد جهود رفع الأنقاض، والقليل فقط من جيران وأقارب سكان هذا البناء يواصلون محاولاتهم مع الأنقاض التي إن لم تسفر عن إنقاذ حي، من أجل انتشال جثث الذين قضوا جراء سقوط برميل متفجر عليهم.
بعد قضاء ساعات معهم، يألفك الناس هنا، الأمر الذي يمنح الحديث معهم أريحية أكبر، ولعلك لن تجد سؤالاً آخر تبدأ به ألحُ من السؤال عن السبب الذي يجبر من تبقى من أهالي هذا الحي في منازلهم على البقاء، رغم رحيل معظم السكان هرباً من القصف الذي لم يتوقف منذ أكثر من أسبوع وبكل أنواع الأسلحة الثقيلة من قبل قوات النظام التي تحاول اقتحامه وعدة مناطق أخرى في حلب !
ردود جماعية تأتيك في اللحظة المباشرة للسؤال، تتداخل كلها وتتشابك فيها الأصوات بين الغاضبة واليائسة، لتشكل جملة واحدة مختصرة في النهاية هي ( وين بدنا نروح ؟! ) !
سؤال يفترض أنه ليس صعباً إلى هذه الدرجة، فعلى الأقل يمكن لمن تبقى أن يتجه إلى الأماكن التي توجه نحوها من سبقهم من أهالي الحي بحثاً عن ملاذ أكثر أمناً.. لكنك ستكتشف سريعاً أن الأمر ليس بهذه البساطة.
يقول ( محمد ) الرجل الذي يطرق عمرُه بابَ الأربعين، وقد تجمع من لا يزال يرافقنا أمام باب منزله: “إن معظم من بقي هنا من الأهالي ليس لديهم مكان آخر يؤون إليه إذا ما قرروا المغادرة، وكثير منهم لو وجد المكان البديل، فإنه لا يملك حتى أجرة السيارة التي تنقله مع عائلته إلى ذلك المكان ” !
ليس في هذه الإجابة مبالغة كما يبدو، فأجرة السيارة التي يتحدث عنها الناس هنا، تعتبر مبلغاً ضخماً اليوم لا يجده الجميع، خاصة حين يتعلق الأمر بشاحنة لا تقل أجرتها على أي نقلة من حي إلى حي عن خمسة آلاف ليرة، وقد يصل إلى أضعاف ذلك كلما بعدت المسافة أكثر، وتبلغ ذروتها حين تكون الوجهة الحدود السورية التركية.
تعتبر الحدود التركية الوجهة الرئيسة لمعظم سكان المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في حلب وريفها كلما اشتد القصف أو حاول النظام اقتحام أي منها، لكنهم غالبًا ما يعودون بعد أن يزول الخطر الكبير إلى منازلهم هرباً من ظروف عيش لا يطقونها، إن كان في الخيام على الحدود أو حتى داخل الأراضي التركية.
يقول محمد إنه سبق وأن خاض تجربة العيش في مخيم باب السلامة الحدودي قرب اعزاز شمال البلاد، لكنه لم يستطع مع عائلته تحمل ظروف الحياة في المخيم، وهذا لا يقتصر كما يقول على العيش في خيمة صغيرة لا تقي حراً ولا برد، بل ويشمل كل نواحي الحياة الأخرى.
ويضيف رب العائلة التي تضم إلى جانب زوجته خمسة أولاد، أكبرهم فتاة في السابعة عشرة من العمر، إن الحياة في المخيم تشبه تماماً العيش في العراء، فهناك لا يمكن القول أبداً أن لك أي خصوصية، فكل شيء مشترك بما في ذلك الحمامات ودورات المياه، ناهيك عن عدم وجود باب تغلقه على عائلتك بالمعنى الحقيقي لكلمة باب.
ثم دعك من كل هذه الأمور التي قد تعتقد أنها رفاهية ليس من حق النازح التفكير بها – يضيف محمد – لكن ليس لدرجة أن تتحول حياتك التي قد تستمر في المخيم أشهراً طويلة إلى مجرد خمول وبلادة جسدية ونفسية تقضي عليك رويداً رويداً بكل معنى الكلمة !
لكن كيف يعيش كل هؤلاء الناس في هذه المخيمات إلى اليوم ؟
يقول محمد إن كل من توجه إلى المخيمات الحدودية، توجه إلى هناك وهو يظن أنه سيمضي أياماً قليلة في الخيم، ثم ينقل إلى مخيمات داخل الأراضي التركية المعروفة بأنها مجهزة بشكل كامل للعيش باعتبارها مبان مسبقة الصنع ومخدمة بشكل كامل، حيث تستطيع فيها أن تعيش الحياة بحدها الأدنى.
ويختم الرجل حديثاً طويلاً عن المعاناة التي عاشها ويعيشها هنا في منزله تحت القصف وفي ظل معارك لا تتوقف أبداً، وبين تجربة الخيمة التي لا يمكن أن تكون أفضل إلا بشيء واحد، وهو أنك لا تعيش قلقاً دائماً على حياة أولادك.
ومع هذا فإن العيش تحت تهديد الخطر الداهم هو أفضل بالنسبة لمحمد ولكل من بقي في هذا الحي تقريباً، من العيش في منازل أقرباء أو أصدقاء لن يحتملوك مع عائلتك طويلاً، أو العيش في ظل ذل الخيمة وبؤسها .. أو على الأقل أفضل من أن يمدوا يد الطلب من أجل بضعة آلاف تنقلهم وعيالهم إلى هذا المنزل إن وجد، أو إلى تلك الخيمة على الحدود البعيدة كما يقول.