دمشق، سوريا، 12 سبتمبر، (جابر المرّ، أخبار الآن) – كلما طال أمد الصراع في سوريا وكلما استنزف جيش النظام إمكاناته البشرية تزداد مشكلة التخلف عن خدمة العلم حدة وقد بات الشباب السوري لا يرى فيه سوى مكان للموت في أفضل أحواله.
منذ أن بدأ تدخل الجيش في الحل الأمني لقمع الثورة السورية وُضِع مجندوه وضباطه أمام خيار “إما أن تكون قاتل أو تكون قاتل” على حسب التعبير الدقيق للعقيد المنشق الشهيد يوسف الجادر (أبو الفرات) الغني عن التعريف، وكثرت الانشقاقات في صفوف جيش النظام من استطاع إليه سبيلا، تشكلت مع هذا التدخل مشكلة لدى الشباب السوري الذي بات يعيش تناقض خدمة الوطن الذي يفترض أن يكون ضمن المعسكرات المخصصة للجيش وبين الدخول إلى مدن وطنه غازيا لها هاتكا أعراضها مشكلا صورة جديدة عن الاحتلال الذي يأتي على يد أبناء البلد ذاته هذه المرة، وما زاد الطين بلة هو أن العسكري السوري لا يخدم في جيش وطني إنما بات جيش النظام اليوم يخضع لامتيازات طائفية ولأولويات المقاتل الغريب على ابن البلد، فالعسكري السوري هو وقود يتم إحراقه بسهولة ليتم الحفاظ على الإيراني وعنصر حزب الله اللبناني وكل السوريين يدركون ذلك.
رفض الشباب اللذين هم بعمر الالتحاق بخدمة العلم خيار أن يكونوا غزاة أو عبيدا للأجنبي وعانوا مع حواجز النظام إذ إن الحاجز أول ما يسأل الشباب عن خدمة العلم وإن وجد شابا تخلف عن الالتحاق بالجيش لن يعلم أحد بمصير هذا الشاب بعد إعتقاله وإقتياده، وفي الآونة الأخيرة توضّحت الآلية التي يتم التعاطي معه بها، فبعد التعذيب الممنهج الذي يتعرض له سيُلقى على أكثر الجبهات سخونة في سوريا وفي الخطوط الأمامية دون أن يتعلم استخدام السلاح بشكل حقيقي، لكي يموت قبل أن يفكر بالهرب إذ إن المتخلفين عن الجيش هم أكثر الأفراد قابلية للانشقاق بالنسبة للقادة.
ومع تسرب أعداد قتلى الجيش السوري الخيالية لم يعد أحد مهما كان ولاؤه راغبا بهذه الخدمة، إما لمبدأ أخلاقي أو خوفا من الموت، ومن تيسر له الهرب خارج البلاد ينتظر حلا غير معلوم لإنهاء معضلته فهو مطلوب للخدمة الإلزامية لمجرد دخول الحدود.
يقول عمر الحمصي عن حياته في الخارج: “نعيش حياة أقرب ما تكون إلى التسول وإلى سد الرمق في ظل شبه انعدام لفرص العمل ونفضل هذه الحياة على أن ندخل غزاة لمدننا” أما سامر الذي يعيش في دمشق لليوم وقد تخلف عن الخدمة الإلزامية ثلاث سنوات فيشرح لنا عن (خريطة المتخلف عن الجيش) كما يسميها فيقول: “ساعدني التخلف عن الخدمة على حفظ حارات دمشق كلها، أحيانا أسير لساعة ونصف مشيا على الأقدام كي لا أضطر للمرور على أحد الحواجز ويسألني عن خدمة العلم، وبت أميز الحواجز جميعها فمنها الذي يهتم لأمر الجيش ومنها لا يعير الأمر اهتماما.
فايز المهجر من درعا يقول ضاحكا” متخلف مع هوية مدنية أحسن ما أكون عسكري منشق وما معي شي أمشي عليه .. أما إني أخدم جيش فهاد مستحيل وإيمتى ما شحطوني اعتبرني انشقيت”.
يعيش المتخلفون عن الخدمة الإلزامية اليوم كلصوص المدينة يمرّون على حواجزها وكأنهم مهرِّبين لكن البضاعة، هذه المرة هي أرواحهم، فمجرد سؤال صغير عن هذا الموضوع من أحد الحواجز قد يودي للتهلكة !!